Thursday, July 03, 2014

دَقّ الهــوى دقْة»..


(1)
كان يرقص!
عندما تضيق الحلقات على صدره الموجوع وتضطرب موجات الغضب بين ضلوعه، كان يرقص!.
بعد أن يتعطر ويرتدى من الثياب أحسنها، يأخذ عصاته العاجية ويتبختر. يتفقد صالات الأفراح المتراصة على كورنيش البحر حتى يختار الموسيقى التى تداعب حالته المزاجية فى تلك الليلة. يصعد  إلى المسرح فى ثقة، يُقّبل العريس بحرارة وينحنى مُهنئاً العروسة فى أدب وخشوع ثم يقصد شاويش المسرح. يهمس فى أذنه بكلمات غير مسموعة، يُنقّط العريس بخمسين جنيه وبعدها ، يصير المسرح ساحته وغرامه. ثم يرقص!
لم يعد يبحث على  كازينوهات جديدة بعد أن أصبح كازينو الشاطبى هو قبلته النهائية. كان هو المكان الوحيد الذى يجد فيه الموسيقى التى يهواها.
(2)
وجدته جالسا على عتبات مسرح بيرم التونسى ينظر إلى الجانب الآخر من الشارع حيث كازينو الشاطبى الذى تغيرت معالمه و أصبح خرابة. هو الآخر شكلة تغير، أصبح له كرش عظيم وبدى على وجهه مسحة حُزن. ربما كان حزين لأن ذكرياته الراقصة تموت فى جدران الكازينو الذى يحتضر أمامه، أو ربما كان هناك سبباً اعظم من مجرد أن الكازينو قد أغلق أبوابة.
قال وهو يرثى الأطلال التى يراها أمامه:
عــجبى على بنت بيضة
جايه من بــلاد المغــرب
تلبس وتقلع ..
وتتزوق من المغرب
وجوزها راجل عبيط
بينام من المغـــــــرب
(3)
إبتسمت له وقبل أن أنطق بحرف، قاطعنى قائلا: بهذا الموال كان يبدأ المطرب جابر النمر فقرته. كان يقف فى الظلام خلف المسرح، وفى يده الميكرفون الهوائى، يشعل خيال الجمهور الذكورى المريض بمواويل يمكن تأويل معظمها إلى أحلام ومشاهد جنسية. وبعد أن تشتغل الآهات وضحكات السكارى الذين يسخرون من هذا البغل الذى ينام من المغرب، يظهر جابر النمر كالفارس المنتصر، ويسحب خلفه الراقصة سحر حمدى التى كانت تقضى على ما تبقى من عقل فى الرؤس الثملة. جابر كان " مسخناتى" لم يكن هو النجم. كان ظهوره دائما فى الثلث الأول من الليل حيث لايزال الحضور خفيف.
(4)
عندما ينتهى جابر من مهمته فى تسخين الحضور، تخفت الأضواء وتتعدد ألوانها إستعدادا لظهور البدر.شاويش المسرح يصرخ من أعماقه بصوت مُتحشرج: طلع البدر علينا.. طلع البدر علينا….
فى الطفولة، كنا ننظر إلى سواد البحر ونرى نقطة مضيئة فى الآفاق البعيدة.كنا نعرف أنها سفينة ونتسائل، كيف لهذة السفينة أن تعرف طريقها فى الظلمات؟ كانت الفنانة شفيقة كتلك السفينة، واثقة، ثابتة عندما تظهر على المسرح. تحمل الميكروفون فى يد، وفى يدها الأخرى سيجارة حشيش أطول من ليل المظلوم.
موسيقى جابر النمر وأغانية كانت مثل ذلك الشعور الذى يعتريك بعد أن تشرب كأس ويسكى رخيص. خبطة مفاجأة فى الرأس ثم تهدأ بعدها ممسكا برأسك شاكياً  من مُرّ الصداع. أما شفيقة فكانت مثل سيجارة الحشيش الفاخر، تطير بك بين السحب فى العوالم المسحورة. تبدأ شفيقة طقوسها على المسرح. تأخذ نفس عميق من السيجارة التى لا تنتهى ، ثم تحى الحضور والجمع السعيد. تبتسم لذلك الأستاذ الجالس هناك، تبعث بقبلة هوائية طائرة لهذا المعلم الواقف بعيدا. ثم تبدأ تتنحنح قليلا. تغمض عيناها إعجاباً عندما يبدأ عازف الأكورديون فى لعب نغم عفوى حزين. يرد عليه عازف الكمانجة بنغم أكثر بؤسا. دائما وابدأ سأعشق الإكورديون والكمانجه. يوما ما سيأتى عالم موسيقى ليكشف لنا العلاقة بين البحر والكمانجه  والأكورديون وتعاسة العُشاق.
فجأة يهدأ المكان ولا تسمع سوى أنين الكمانجه عندما يضاجع نغم الأكورديون على موجات البحر، وتبدأ شفيقة :
دق الهوى دقة
فتحت له الشقة
سألنى قال خالى؟
أنا قلت له لأه
بعد اللى هنانى
أحب من تانى؟
دى حتى مش لايقه
دق الهوى دقة
(5)
كازينو الشاطبى كان بهجة رخيصة بالنسبة لى، إنظر اليه الآن. يقول الناس، أن رجل أعمال إشتراه حتى يعيد ترميمه وإفتتاحه. لكنه ضحك على الحكومة وتركه مُهمل حتى يقع ويبنى مكانه عمارة أو برج سكنى قبيح.القُبح دائما ينتصر! صمت فجأة  وكأنه يستحضر الذكريات من أعماق البحر. مسحة الحزن تغيرت وبدت آلاء  إبتسامة واهنة تشق طريقها بصعوبة فى مساحات العبوث الذى يحتل وجهه. قام من جلسته مستندا على عصاة، واخذ يرقص فى منتصف الشارع.و ظّل يرقص!
نيويورك – يونيو 2014
نُشرت فى موقع كــسرة

0 Comment: