Wednesday, September 20, 2017

أكاديمية الوهم لتأهيل وتدريب الشباب

تم نشره فى ساسة بوست هنا 



(1)
في كتابه العظيم-التخلف الاجتماعي: مدخل إلى سيكولوجية الإنسان المقهور- يعلمنا الدكتور مصطفى حجازي أن الحكومات الديكتاتورية فى هذه المجتمعات تقوم بإنشاء مشاريع وهمية يطلق عليها مشروعات قومية لإلهاء الشعوب وخلق حس وشعور وطني مزيف.
فى هذه المجتمعات، حتى وإن الغالبية العظمى فيها لا تجد قوت يومها إلا أنها تغار كل الغيرة على مشاعر وطنية فارغة. مشروع قناة السويس الجديدة مثال على هذه المشاريع الوهمية حتى أن الرئيس اعترف بأن الهدف من المشروع كان رفع الروح المعنوية للشعب! أربعة مليارات دولار أو يزيد ضاعت فى مشروع لم يعد على المواطن البسيط بأي فائدة تذكر. تجد المواطن البسيط آمن بهذا التحدي العملاق وراح يدفع من مدخراته القليلة لشراء شهادات استثمار لا قيمة لها. كل هذا بدافع الحس الوطني والتحدي وقهر العدو الوهمي الذي خلقه النظام. كل شيء لابد أن يتم طلاءه بلون وطني حتى أن معظم إعلانات المنتجات مثل الحديد والأسمنت والجبن أصبحت تذاع بصحبة أغاني وطنية و كلمات من نوعية (التحدي) (العبور) (المستقبل) للإيحاء بقومية المنتجات وأنه من الواجب الوطني شراءها!
يشير تقرير البنك الدولي لسنة ٢٠١٥ إلي هذه المشاريع شارحًا: " أن المشاريع التي تقوم بها الحكومة لا توفر فرص عمل حقيقية وأن هذه المشاريع تصب فى مصالح النخبة القريبة من السلطة. إذن المشاريع تخدم السلطة وأصدقائها فقط وعلى الشعب الصبر والصمود والتحدي والتبرع حتى يتم العبور!


(٢)
لقد سمعنا مؤخرًا عن مشروع إنشاء الأكاديمية الوطنية لتأهيل وتدريب الشباب؟ وكيف لنا ألا نسمع بهذا المشروع وجميع الصحف خرجت علينا بنفس المانشيت عن هذا المشروع، وفى المساء جميع برامج التوك شو تتحدث أيضًا عن ميلاد هذا المشروع الضخم! وطبعًا كما نلاحظ لابد للاسم أن يحمل كلمة (وطنية) حتى يعلم الجميع أنه مشروع وطني قومي إلخ. سوف يتم إنشاء هذه الأكاديمية بمدينة ٦ أكتوبر وتتكون من ٦ طوابق على مساحة ١٠ آلاف متر مربع. أصدر الرئيس قرار جمهوري بهذا، وأوضح أن الهدف من الأكاديمية هو تحقيق متطلبات التنمية البشرية للكوادر الشبابية بكافة قطاعات الدولة ويتم التعاون مع عدد من الهيئات والمعاهد والمؤسسات الدولية!
هل فهمت أي شئ مما سبق؟ ما هي قيمة إنشاء أكاديمية كهذه وتبذير هذه الأراضي والأموال؟ ماهي الفائدة التي ستعود على المواطن المطحون؟ ألم يسمع الرئيس -قبل اصدار هذا القرار الجمهوري- بمركز إعداد القادة لصاحبة حسني مبارك وأولاده؟ ماذا جنينا من مركز إعداد القادة الذي يقوم الآن بإعطاء دورات تدريبية فاشلة لا تنمي مهارة واحدة. ثم ما هي هذه الهيئات والمعاهد والمؤسسات الدولية التي سيتم التعاون معها؟ كل شئ غامض وهمي خالي من الارقام والحساب والمحاسبة والثواب والعقاب.

قالوا إن إنشاء هذه الأكاديمية-التي لا قيمة لها- جاء بناء على توصيات مؤتمر الشباب-الذي لاقيمة له. لا توجد دولة فى العالم تقوم بعقد مؤتمر خاص بهموم الشباب فى منتجع فندقي يحضره رجال متوسط أعمارهم فوق السبعين عام وقليل من الشباب الديكور لزوم جمال الصور واللقاءات التلفزيونية. كل هذا الهراء لا علاقة له بالشباب الحقيقي. لماذا لا يقام مؤتمر الشباب القادم فى بولاق الدكرور أو جزيرة الوراق-قبل بيعها- أو غيط العنب أو في أي قرية من قرى الصعيد؟ إذا كان الهدف من هذه الأكاديمية هو هدف تعليمي أكاديمي فما هي فائدة المعاهد والجامعات فى الدولة؟ لماذا لا يتم إنفاق هذه الأموال على تطوير الجامعات والمناهج التعليمية حتى يكتسب الطالب مهارات حقيقية تجعل له قيمة فى سوق العمل العالمي؟ ثم من هم الخبراء والعلماء الذين أشاروا على الرئيس بجدوى هذه الأكاديمية؟ السؤال الأصح، هل يستشير الرئيس أي أحد فى كل هذه المشاريع الضبابية؟ أم أنه مؤمن بأنه وحده فقط من يعلم كل شيء ونحن أغبياء. لماذا يعامل الشعب بمبدأ أنت لا تعرف أي شيء. انا اعرف مصلحتك أكثر منك! متي يتم مواجهة المشاكل الحقيقية وحلها دون رقص واحتفالات ومؤتمرات؟ لماذا لا يجيد هذا الرجل سوي بناء السجون؟

Thursday, September 07, 2017

الحب فى دار الإفتاء


بعد أن اعتلى الخطيب المنبر وصلى على النبي وحمد الله وشكره، بدأ في التقديم للخطبة التي كان موضوعها «نبي الله يوسف». وقبل أن يبدأ الخطبة، وقف صديقي أشرف في منتصف المسجد وقاطع الإمام بكل أدب قائلًا:

«يا مولانا، لقد حفظنا قَصَص الأنبياء عن ظهر قلب. نعرف جميع الحِكَم في قَصَص سيدنا موسى وعيسى وهارون. نعرف إخوة يوسف، وحوت يونس، وامرأة لوط، وهارون وقارون، وعزيز مصر. نريد منك أن تحدثنا عما نحن فيه الآن. حدثنا عن الحياة خارج جدران هذا المسجد. كيف نحياها؟ حدثنا عن العدل والظلم والقتل العصري».

بالطبع لم يلاقِ اعتراض أشرف استحسان الإمام ولا القابعين في الصفوف الأولى وبدأت همهمة واستهجان انتهت بأن أشرف قليل الأدب وأن ما فعله بدعة ولابد أن يطرد ولن تقبل منه صلاة بعد اليوم.

تذكرت موقف أشرف هذا وأنا أتابع بعض حسابات دار الإفتاء المصرية على السوشيال ميديا. كل بضعة أيام يأتي شيخ موقر في فيديو لكي يجيب على تساؤلات المواطنين التي ظننتها مهمة. شاهدت فيديو عن طلاء الأظفار (مانيكير) والوضوء وعن الحب الشرعي وقرأت فتاوى عن حلاقة الذقن وشعر العانة. وكما ترى كلها مشاكل مصيرية تقف بين المجتمع ونهضته والعبد وقوة إيمانه!

نفس دار الإفتاء المصرية هاجت وماجت عندما أعلن الرئيس التونسي ما أعلنه بخصوص المساواة بين الرجل والمرأة في الميراث. تخلت دار الإفتاء المصرية عن أهمية أحكام طلاء الأظفار وشعر الذقن واهتمت بما قاله السبسي وكأن تونس ليس بها دار إفتاء أو أنهم تعلموا الإسلام منذ يومين.

لماذا انشغلت دار الإفتاء المصرية بالمانيكير وشعر العانة داخليًا واهتمت بالشرع خارجيًا؟ لماذا لا يهتم مفتي الجمهورية بأحكام الإعدام التي يُصدق عليها يوميًا في قضايا ظالمة وأدلّة واهنة مُلفقة؟ هل شعر العانة أهم عند الله من القتل خارج نطاق القانون والاختفاء القسري والتعذيب والأحكام المزورة؟ أم أن دار الإفتاء تمسك العصا من المنتصف؟ تفتي فى أمور الدين الحيوية عندما تكون خارج الحدود فقط. أمّا الأمور الداخلية التي تحدث على بعد خطوات قليلة من دار الإفتاء، فهي لا تعنينا ولا يجب التطرق إليها؟ بالتأكيد لقد قرأ كل شيوخ «المانيكير» ابن تيمية وقرأوا رأيه عندما قال إن أكثر ما يفسد الدنيا نصف متكلم، ونصف متفقه، ونصف طبيب، ونصف عالم. يعني لا تجوز أن تكون مُتفقهًا فقط في الشعر وطلاء الأظفار وتترك عظائم الأمور!

هل نسي أم تناسى مشايخ دار الإفتاء دعوات المسؤولين للشعب بالتحلي بالصبر والتحمل حتى لو وصل به الحال لأكل أوراق الشجر كما صرح أحد الوزراء؟ هل يأكل أي من هؤلاء المسؤولين ورق الشجر؟ هل يركب أي منهم المواصلات العامة؟ هل يتعالج أي منهم في مستشفيات البلد الحكومية؟ ألم يقل الشيخ محمد الغزالي إن «كل دعوة تُحبب الفقر إلى الناس أو ترضيهم بالدون من المعيشة أو تقنعهم بالهون في الحياة أو تصبرهم على قبول البخس والرضا بالدنية فهي دعوة فاجرة يُراد بها التمكين للظلم الاجتماعي وإرهاق الجماهير الكادحة في خدمة فرد أو أفراد وهي قبل ذلك كله كذب على الإسلام وافتراء على الله»؟

لماذا يتجاهل هؤلاء المشايخ المشاكل الحقيقية؟ لماذا لا يقوم أي منهم بتشجيع الناس على الوقوف أمام الظلم؟ لماذا لا يجيب هؤلاء عن دعوة «أشرف» عندما سأل كيف يجب علينا أن نعيش؟ أو السؤال الأصح: كيف لنا أن نعيش أحرارًا؟.

المُثقف المقهور


(1)
يسخر بعض المثقفين العرب عندما يتم سؤالهم عن دور المثقف في المجتمع وينكرون جديّة وجوب أي دور للمثقف في مجتمعه. عندما نسمع أي مثقف من هؤلاء «الساخرين» «الكوول» نتذكر ما علمنا إياه الدكتور مصطفى حجازي بأن السخرية في المجتمعات المتخلفة هي أداة من أدوات المقاومة لدى الإنسان المقهور. أي أن المثقف «الكوول» ربما هو في النهاية مثقف مقهور!
(2)
عندما قال سارتر إن وظيفة المثقف الأولى هي إزعاج السلطات، لم يقصد هنا المثقف «الكوول» المقهور أو المثقف الذي تحول إلى مجرد عرّاب للسلطة يصلي بحمدها ويسبح بحسناتها الكاذبة. وأيضًا لم يقصد سارتر هنا مثقف «فوكنر» الذي يكتب أبحاثًا وتقارير ومحاضرات ويجعلها متاحة للشعوب عند الحاجة إليها. فمن يقصد سارتر بهذا المثقف الذي وضع على كاهله وظيفة إزعاج السلطة! ربما قصد لاعب كرة وكاتبًا ورجل دين وممثلًا أو راقصة.
(3)
على بعد مائة متر من مكان عملي في نيويورك، يوجد أحد فنادق ترامب وأماكن إقامته. كل مساء توجد ضده مظاهرة وليس هذا بالغريب، الغريب هو كمية المشاهير التي تحضر المظاهرات كل ليلة من ممثلين ومذيعين وعارضات أزياء فاتنات وصحفيين ورياضيين. كل هؤلاء يشعرون بواجب من نوع ما عندما يلبون دعوة التظاهر التي يطلقها المخرج مايكل مور بين الحين والآخر. بدأنا إذن من الاقتراب من مثقفي سارتر مع الفارق الشاسع بين المجتمع الذي يتظاهر فيه مور ورفاقه وبين المجتمع الذي لا ينطق فيه المثقف الكوول المقهور.
(4)
ف.س. ينيبول قال إن ماركيز عديم الشرف وصديق الطغاة! والسبب في ذلك هو صداقة ماركيز لفيدال كاسترو أوائل الثورة الكوبية. دافع بعض الناس عن ماركيز وقالوا إنه صديق لكاسترو ولكنه لا يؤمن بنظامه. وكان من ضمن هؤلاء المدافعين سلمان رشدي الذي لم يسلم من لسان ينيبورل عندما وصفه – أي سلمان رشدي – بالاستمناء الثقافي! لم يهتم ينيبول بمكانة ماركيز. لم ينافقه. لم يقل إنه ابن مهنتي، لم يظهر معه في برامج ماسخة يعد فقراتها رجال السُلطة.
(5)
لقد تم كتابة العديد من الدراسات والكتب العظيمة عن علاقة المثقفة والفنان بالسلطة في البلاد العربية. لكن ليس كل الناس قُرّاء أكاديميين. حضور الحدث بنفسك وضرب الأمثلة والمشاهدة من أفضل وسائل التعلم. لن تحتاج إلى قراءة بحث حتى تعرف ثورة يناير مثلًا كانت كاشفًا كبيرًا لأنواع المثقفين. لن تحتاج إلى سماع خطبة جافة ومقارنات وأرقام لتتأكد بأن مذبحة رابعة كانت هي الشعرة الفاصلة بين الإنسانية والهمجية. الأحداث التي عاصرناها في السنوات الست الماضية شرحت لنا معاني المثقف المقهور والمفتي المطاوع والبرلماني المهاود. أعرف أصدقاء توقفوا عن سماع محمد منير مثلًا وذلك لخيبة أملهم فيه. الملك، الذي قضى حياته يغني للعدل والحرية، عندما قامت ثورة يناير تمخض ليلد أغنية تافهة يعاتب فيها البلاد بدلًا من أن يسمي القتلة بأسمائهم. عمار الشريعي هو الآخر أخذ يبرر تلحين أوبريت «اخترناه» الشهير بأنه كان أمرًا مباشرًا من رئاسة الجمهورية ولم يستطع رفضه!
ولكن هذا هو مربط الفرس. المثقف يجب أن يرفض. يجب أن يستخدم أدوات النفي والاستفهام والتعجب. الرفض مطلوب بل واجب في هذه الأيام التي تجمع فيها الديكتاتوريات بين كل أنواع السلطة من قضاء وإعلام و شرطة وجيش. لا يوجد أمل إلا في القلة القليلة من مثقفي سارتر الذين ما زالوا قادرين على الرفض. فإن لم تستطع أن تكون من هؤلاء المشاغبين الذين ينوبون عن الشريحة المنسيّة في المجتمعات الديكتاتورية، فلا تكن من المثقفين الكوول المقهورين! بعد هزيمة 1967 بأيام، وفي اجتماع للجنة القصة بالمجلس الأعلى للآداب، كان هناك في هذا الاجتماع حوالي خمسين من أبرز الكتُاب والأدباء. قالت لطيفة الزيات:
«كل واحد منا مسؤول عن هذه الهزيمة. لو قلنا «لا» للخطأ كلما وقع خطأ ما حلت الهزيمة».
توترت القاعة بالقبول والرفض لكلام لطيفة الزيات. حتى احتج الدكتور حسين فوزي بأن أحدًا لم يملك أن يقول «لا» وأن السجن انتظر من قالها. تُصر لطيفة الزيات على تحمل مسؤولية الهزيمة وتواصل كلامها:
«لو قال كل المثقفين «لا» لما استطاعوا أن يسجنونا جميعًا».
ثم تسود لحظة صمت حرجة، بعدها يسأل أحدهم: ماذا بعد؟
فيبدأ توفيق الحكيم في شرح صلح الحديبية وفوائده!
ثم… ثم… ثم… نصل إلى الكابوس الذي نعيشه الآن