Wednesday, September 14, 2011

صَانِعُ الْسُّفُنِ

حبيبتى يا سفينة نوح
خدينى للسما الزرقا
نقول ياروح مابعدك روح
يا ننجى يا نبقى م الغُرقاك
كان يدندن بتلك الكلمات التى كتبها غزلاً وهياماً فى المركب الصغير الذى يقوم بصناعته فى ورشة النجاره التى يملكها. ورث سماره الورشه عن ابيه الذى ورثها عن جده سماره الكبير الذى قام ببنا الورشه فى بدروم منزل العائله الذى يفصله عن بحر الاسكندريه سوى شارع ضيق صغير.كانت عائلة الحاج سمارة النجار الجّد من أكبر العائلات وأشهرها فى صناعة المراكب. عاشت العائله فى هذا البيت القديم الذى لم يعد له من ساكن سوى سماره الحفيد أو الصغير كما كانو يطلقون عليه ـ ووالدته الحاجه نحمده سليلة عائلات المراكبى. مات من مات وهاجر من هاجر ولم يبق سوى البيت القديم والورشه وقليل من الذكريات التى جمعتها براويز خشبيه على جدران الورشه. وقد أخفى منها الزمان ما أخفى بنشارة الخشب او بنسيان مصطنع
رفض سمارة الصغير العديد من العروض لبيع منزل العائله والورشه. وأيدته الحاجه والدته فى رفضه لهذا المبدأ قائله : " عيلة سماره النجار تشترى وما تبعش " وكان يعشق سماع كلمات كتلك من والدته، فالحاجه نحمده صاحبة فلسفه غريبه فى امور الرزق والحياه. كانت تستفضى له بالشرح والتحليل قائله : " البيع هو رمز الحاجه والإحتياج والمذلّه وغضب الرب على عبده! أما الشراء فهو الكرم والجود ورغد العيش ورضا الرب على عبده
لم يستطع سماره الصغير مناقشة والدته فى هذا المنهج والمنظور. وكيف له هذا وهو من ورث عنها الفلسفه فى كل شئ حتى صناعة المراكب. كانت تطلب منه أن يستيقظ مبكراً مع إشراقة الشمس الأولى لفتح الورشه. فالشمس تجلب الرزق الوسيع لكل من قام ورّحب بها وآنيس من نورها قبسا.
يفتح الشاب شبابيك الورشه آذناً لهواء البحر النقى بالدخول لقتل كل ما هو آثم وخبيث ويأمر بميلاد يوم جديد ، سعيد. ويلقى بنظره الى سفينة نوح، تلك المركب الصغيره التى بدأ فى صناعتها لنفسه منذ سنوات ولّت ولكنه غير قادرعلى إنهاء ما قد بدأ . إبتسم إبتسامة عاشق يأس وآثر الصبر والمشقه. كتب فيها من الأغانى بضغه ومن والخواطر ما كثر. كان يتحدث إليها ويسمع منها. يشكو حاله ويجد فيها سلوته وسؤاله.
لحّت عليه والدته مراراً وتكراراً بأن يتزوج : " أنت ما بقتش صغير يا سماره. زمايلك عندهم عيال فى البحريه ." وكان سماره يرد عليها رد الإبن الحليم البار : " إن شاء الله يا حاجه . بس أخلّص سفينه نوح الأول " وكانت الحاجه والدته تعتقد أنه يقوم بصناعة مركب جديده للحاج نوح البورى تاجر الاسماك الشهير فترد عليه قائله : " هو مش لسه واخد واحده من كام شهر؟ ربنا يفتحها عليه كمان وكمان ويقويك يا ابنى "
تذداد الإبتسامه إتساعاً على شفتى النجار الشاب عندما يتذكر كلمات والدته، ويضطر إلى معاتبة سفينه نوح :
ماذا بك يا سفينة نوح؟ أجفاء هو؟ إي وربى إنه الجفاء. لما أعجز عن إنهائك وأنا وأجدادى قد ملأنا البحر سفنا. أم أنه الخوف من البحر الكبير؟ لوكان جفاء، فكيف لكى هذا وأنت لم تجدى منى إلا الوصل الوصال. وإن كان خوفاً من البحر الكبير، فاإعلمى إن للبحر قلب أكبر منه ووسعت رحمته السمك والصدفات فكيف له أن يقسو على مركب صغير.
أقسم لك والبحر على ما أقول شهيد أنى لن أجبرك على الفراق ولو وددتى البقاء هنا العمر فما أطيب صُحبتك وأعطر من ريحيك. ولكن للحياة سُنن والفراق إحداها. فبرغم الوصل ليس لك سوى البحر وموجات خلاً ورفيقا

0 Comment: