Thursday, August 02, 2018

حكايات صاحب البلغة - 3


(3)-شمس فضالي وشمس إبراهيم



عاد الصعيدي أبو سِنّة من ليبيا حاملًا أحلامًا كبيرة تحميها القليل من الدنانير. اشتري قيراط من الأرض بنا على نصفه دار صغيرة وزرع النصف الآخر. قامت الحكومة بإزالة أساس الدار التي بُنيت على أرض زراعية مُجرّفة. يوم الإزالة فقد الصعيدي ولده الأكبر مُعمِر الذي سمًاه حُبًا في مُعمِر القذافي. عندما أتت قوة الإزالة وبدأ الجراف فى خبط الأساسات، رمى مُعمِر نفسه أمر الجرّافة فى سينمائية ندم عليها. ظن الولد أن سائق الجرّافه سوف يقف بالطبع، ولكنه لم يراه وفرمه حتى أصبح جزء من الأسمنت والطوب الأحمر وسط ذهول أهل القرية جميًعا الذين شهدوا هذا اليوم! انقلبت البلد رأسًا على عقب وكادت تفتك بالضابط والعساكر وسائق الجرّافة. حمل كل فلاح من الشهود ما ملكت يده من فأس ومنجل وبدأو فى مهاجمة حملة الإزالة. بدأ الضابط فى الهروب جريًا وخلفه باقي القوة والأهالي خلفهم فى مطاردة لن تتكرر كثيرًا. منذ هذا اليوم المشهود وحضور الشرطة فى قرية الخّواف حضور خفيف متمثل فى ضابط نقطة الشرطة وبعض الخفراء الذين لا يغادرون النقطة إلا فى الضرورات.
دار أبو سنة من البيوت القليلة فى البلد التي لمستها العصرّية والحداثة متجسدة فى ألواح الرخام التى انتشرت فى عشوائية قبيحة على كل جدار. فى الجانب الأيمن من باب الدار الحديدي، بنا أبو سِنّة مصطبة عريضة كي يتفاخر بها كما يتفاخر بركات أبو محيسن بمنظرته الكبيرة. فرش أبو سِنّة المصطبة بالحصير البلاستيك الأخضر وبعض المساند التي اتكأ أبو سنة على أحدهم وهو يدخن النارجيلة وعارض الشيخ زغاوة الجالس أمامه مع جمع من الفلاحين:                                                                         
- لم لا يا شيخ زغاوة. سيدنا إبراهيم نفسه قد عبد الشمس قبل أن يرى نور الهداية
- أنتم مجانين وتأتون ببدع هى أقرب إلى الكفر من الإيمان
ضحك أبو سِنّة وفتح فاه خال تمام من الأسنان:
- وما الضير فيما...
قاطعه الشيخ زغاوة غاضبًا:
- يا بهيم إن الشمس والقمر والكواكب كلها لله. لا توجد شمس فلان وقمر علّان
- ولكن..
ثم قام الشيخ زغاوة مستندًا على عصاة متجاهلًا أبو سِنة وعصابته وهو يلعن الجميع. شعر بالبغلة تقترب من جموع الناس، قام أبو سِنّة من مقعده مُرحبًا بالبغلة:
- أهلًا أهلًا برائحة الحبيب الغائب. وسّع يا ولد أنت وهو
ثم قام بعض الفلاحون من مجلسهم كي يفسحوا مكانًا للبغلة!
لم يصدق الشيخ زغاوة ترحيب الفلاحون بالبغلة:
- الآن تعبدون الشمس والبهائم يا بقر! لعنكم الله جميعًا قرية ظالمة راحت بركتها
ضحك أبو سِنّة:
- أنت معترف إذن أن البركة ضاعت مع فضالي

منذ أن راح فضالي وبات غيابة يقينًا محسوسًا ، بدأ أهل القرية يخشون الشمس! انتشر الحذر فى الأجواء مثل رائحة غريبة. كيف للفلاح أن يخاف الشمس؟  يسأل الشيخ زغاوة ولا مجيب. عندما تستدير الشمس وتتلون بالحُمرة، يلزم الفلاحون ديارهم حتى لا يحدث لهم مثلما حدث لفضالي. أصبحت الشمس الكاملة المستديرة اسمها "شمس فضالي" والشموس الأخرى مجرد شمس عادية. سُحب  سوداء تُمطر يأس على القرية..هل تتابع الخيبات كما عهدتها القرية قبل ظهور فضالي؟ وجد الجميع اجابة لحاجته عند فضالي حتى بدون دعاء، دون طلب أو استجداء. علم فضالي ما في قلوبهم فاستجاب.

عندما ترك الشيخ زغاوة مصطبة أبو سِنّة قصد الحقول الخضراء. فى الأفق، كانت السماء حبلى بشمس فضالي. على السكة الترابية ترى الفلاحون يسرعون الخطى عائدون من الحقول تفاديًا شمس فضالي والشيخ زغاوة يمشي عكسهم قاصدًا الشمس والحقول. تناديه أصوات خائفة:
- ارجع يا شيخ زغاوة
- فليذهب أحد يأخذ بيده ربما لا يرى الطريق الصحيح
- لا حول ولا قوة إلا بالله. الشيخ زغاوة سوف يضيع

فى مؤخرة طابور الفلاحين، كان بركات أبو محيسن-الرأسمالي الوحيد في القرية-  راكبًا حصانه الأبيض عائدًا هو الآخر. عندما رأي الشيخ زغاوة نزل من على الحصان وقال له فى غضب:
-  الفّلاحون لا يعملون يوم كامل يا شيخ زغاوة بسبب شمس فضالي
- لايوجد شيء اسمه شمس فضالي يا حاج بركات. الشمس شمس الله
- ملعون فضالي فى حضوره وغيابه. سوف يصيبنى الخراب والمحصول هيضيع. لا حكم لي الآن على الفلاحين.
ظهرت البغلة البيضاء فجأة واقتربت من الرجلين تأكل ما تحت أقدامهما من بقايا عشب ميت!
ضربها الحاج بركات بعصا يمسكها فى يد وصرخ فى البغلة:
- غوري قبر يلمك أنت وصاحبك. متى أتيتِ إلى هنا. كيف هبطتِ علينا هكذا
أصاب الشيخ زغاوة قليل من التوتر عندما رأي البغلة هكذا لا يعلم من أين أتت:
- لا تغادر الحقل يا حاج بركات. فعندما يراك الفلاحين أنت الآخر تترك الغيط سوف يصدقوا هذه الأسطورة
- ولكن كيف لي أن أتأكد أن هذه الشمس ليست مسحورة يا شيخ زغاوة. ماذا لو كان خوفهم صحيح
- سلام عليكم يا حاج بركات. أنت الآخر لا تقل بصيرة عن ابنك محيسن
ثم تركه هو والبغلة وواصل مسيرته.

عبر الشيخ زغاوة السكة الترابية ومقهى الخولعي. وقد أصابه شئ من الشك. أخذت الأفكار والأسئلة تعبث برأسه. ماذا لوكانت هذه الشمس مسحورة حقًا؟ ماذا لو بلعت فضالي بحق. استغفر الله العظيم. الأنجاس ولاد الكلب سوف يجعلوني أكفر بالواحد الأحد. عن أي شمس تتحدث يا زغاوة. أنت تعرف فضالي وأصله وفصله وتعرف لماذا يؤمنون به وفضائله.
بعد أن عبر زغاوة القرافه اتجه شمالا ناحية الفاخورة و الساقية المهجورة. على بعد خطوات كان هناك بيت متواضع بُني من جذوع النخيل والبوص والخيزران. تحرك الشيخ زغاوة قاصدًا المنزل وقبل أن يصل إلى الباب اعترضته بغلة فضالي! رجع الرجل يتحدث لنفسه مرة أخري لقد ترك البغلة مع الحاج بركات والآن هي أمامه!  
فتح الشيخ زغاوة الباب ودخل المنزل كمن يعرف تفاصيله جيدًا. المنزل جميل من الداخل. نظيف وبه قطع أثاث راقية رغم بساطتها. ثمة مكتب خشبي قديم ومقعد، سرير متواضع ودولاب والعديد من الكتب. جلس زغاوة على السرير ينظر إلى المنزل(الكوخ) وضع عصاه جانبًا وركع على ركبتيه وبحث تحت السرير حتى وجد صندوق نحاسي متوسط الحجم. وضعه على السرير وفتحه وهو ناظر إلي محتوياته. خرجت من الصندوق روائح الماضي المعبقة بالنعيم. صور قديمة ومفاتيح أوراق أصابها الزمن بالاصفرار. رسمت الأشياء على وجه زغاوة ابتسامة نادرًا ما تراها. راحت الابتسامة عندما سمع زغاوة صوت الباب وهو يفتح فنظر ليجد شواهي تدخل عليه. قبل أن يلقي عليها أي تحية قالت له:
- البلغة تحدثني يا عاطف
لم يسمع اسم عاطف منذ زمن مضى، فأضاف الإسم إلى محتويات الصندوق النحاسي حنينًا فوق الحنين:
- سلامة عقلك يا سيدة النساء
- أنت تعرف أنها تحدثني وتنكر
- كيف للبهائم أن تتحدث يا زينة النساء
- قُل لي أنت كيف
- ربما خُيّل عليكِ
- كلما تذكرت فضالي فى أي مكان تظهر لي البغلة دون استئذان كأنها هبطت من السماء
- البلغة مثلنا تشعر بفقدان صاحبها ليس إلا.
سألها مغيرًا مجرى الحديث:
- ماذا جاء بكِ هنا 
- أبحث عن أي شيء يُفسر هذه الغيبة. وأنت جئت تبحث عن الماضي الذي لن يعود
- كنا فى نعيم
- وأنا الذي ضيعته أليس كذلك؟
- لم أقل ذلك يوم
- لا يهم أن تقوله بالحروف
- ليس لكِ ذنب فى أي شيء ويجب أن تكُفي عن هذا
- أين ذهب؟
- أنتِ تعرفينه مثلي تمامًا

- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -- - - - - - - - - - -
الجزء القادم - 4
(4) - رجل غريب فى مقهى الخولعي

Thursday, July 26, 2018

حكايات صاحب البغلة - 2

(2)- مشمش ومقهى الخولعي و بيرة الشيخ زغاوة "النصف أعمى"

- كيف أُطلق على قريتنا إسم قرية الخوّاف يا شيخ زغاوة؟
- لماذا لا تسأل أبوك يا محيسن يا إبن بركات. هو أكبر منّا سنًا وأكثر أهل القرية مالًا وأعز نفرًا. وأنت بسم الله ماشاء الله أسمن من الثور الاسترالي وبلغت من العمر عتيًا ولازلت تافهًا

اهتز جسد محيسن بركات اهتزازات ضاحكة متتالية رجّت جسده البدين فرقصت ثنايا قفاه والشحم القابع أسفل ذقنه ليصنع ذقونًا عديدة دون أن يخرج مبسم النارجيلة من فمه فصدر عنه صوت خفيض كفحيح أفعى تحتضر. غاص الكرسي الخيزراني الذي يجلس عليه فى الأرض الطينية الرطبة التى غطت مقهى الخُولعي:
- لكن أنا أريد أن أسمع منك يا شيخ زغاوة
- سمعت الرعد في آذانك يا محيسن. إذا لم تتركني الآن سوف أترك المقهى وأذهب. أنا جالس بعيدًا  والقهوة خالية لماذا لا تذهب وتجلس مع أشباهك من الثيران في غرفة الدش و تتركني فى حالي؟ 

كان الخولعي قد أحضر الينسون للشيخ زغاوة عندما سمع تهديده بالرحيل:
- ما عاش الذي يتسبب فى زعلك يا شيخ زغاوة. أنت بركة المكان
- راحت البركة فى ريح فضالي
- سوف يعود يا مولانا
- ترك البغلة
- لذلك سوف يعود. لابد أن يعود لها..لابد أن يعود لنا..مستحيل أن يتركنا
قال محيسن ساخرًا فى خبث:
- صدقت يا خولعي. لابد أن يعود البغل يومًا لبلغته
- خِف قليلًا على الشيخ زغاوة يا سي محيسن. الرجل مشتاق إلى صديقة
رمى محيسن ليّ النارجيلة فى غضب وقام من على الكرسي الغائص فى الوحل على فترات:
- حاضر يا خولعي. كلامي أنا فقط الذي يقف فى حلقك مثل الشوك! أنا ذاهب ولن أعود أبدًا إلى هذه البركة الوسخة. سلام عليكم

قام  محيسن  من مقعدة على فترات بعد أن أعاقة كرشة الذي ملأ جلبابه الأسود الثمين وبدأ يتحرك كفيل صغير على أرض وحلة. أخذ الشيخ زغاوة رشفة من كوب الينسون:
- لا سلام عليك أينما حللت. فى ستين داهية يا محيسن. ياريت لو صدقت الوعد هذه المرة وتمسّكت بكلمتك ولا تعود. ولكنك تعود لأنه لا مكان آخر يلمّك سوى مقهى الخولعي. ثمة غوالي لا يعودون ورخيص لا يزول يا ثور

غاب خيال محيسن وبلعه ظلام القرية الذي أطبق أجنحته عليها  منذ عودة الفلاحين لديارهم.  ثم ساد صمت مطلق يقطعه نقيق الضفادع القادم من مصرف المياه الذي يبعد عن القهوة عدة أمتار. بعدت القهوة عن القرية الصغيرة فاتخذت من مدخل البلد مكانًا قصيّا. فى الماضي القريب كانت القهوة مجرد عشة من الخوص يجلس فيها الخولعي هو وصديقه مشمش يشربان البيرة بعيدًا عن أعين أهل البلد التي ترقب كل شيء. أصبحت القهوة رغم بعدها عن البلد معْلْمًا من معالها بعد أن أقام الخولعي جدارًا بعد الآخر حتى تم البناء وصارت مقهي لا شريك له ثم بدأ الروّاد فى قصد عتبته. وعندما اشتري الدش الأوروبي تغير كل شيء فأصبحت هناك غرفة مغلقة تعرض اللحوم البيضاء والآهات المشتعلة التي يجلس أمامها الرجال لشحن البطاريات ثم ينطلق كل منهم إلى لداره لإفراغ ما قد تعلمه.

 يجلس الشيخ زغاوة دائمًا فى موقع استراتيجي خارج المقهى على ربوة عالية مطلة على الشباك الوحيد فى غرفة الدش. بين الحين والآخر يسرق نظرة من خلال الشباك لرؤية ثدي ناهد أو فخذ مستدير أو ما يجود به الدش رغم أنه نصف كفيف أو هكذا يدعيّ ويعامله أهل القرية على أنه كفيف. لبس الشيخ زغاوة دائمًا جلباب رصاصي دارى فيه نحافته الواضحة وقصر قامته.ذو وجه مستطيل وعيون جاحظة يخفى ما تبقى من شعيرات رأسه القليلة تحت طاقية بيضاء. لا أحد يعرف حقيقة بصره أو عدد سنوات عمره إلا فضالي. 

لا يعمل المقهى أحد إلا الخولعي، بينما يأخذ مشمش طلبات البيرة من الزبائن ويذهب إلى داره على دراجته،يضع زجاجات البيرة فى جيب جلبابه ويأتي إلى المقهى ويعطى كل ذي طلب حاجته. بين الحين والآخر يدّعي الشيخ زغاوة العمى الكليّ عندما يصب له مشمش كوب من البيرة ويقول له:
- اشرب يا شيخ زغاوة هذا شعير مفيد لصوتك وصحتك
ثم يضحك مشمش ضحكة أنثوية غنجاء. كان مشمش رفيع الصوت مكتحل العينين يعتني بحواجبه وجماله أشد الاعتناء. يأخذ الشيخ زغاوة الكوب يقول له:
-  يا مشمش لطالما تشابه عليّ صوتك فلا أعرف اذا كان هو صوتك أم صوت شواهي. لعنك الله ولعن من يفعل بك. لك غنج لبؤة بكر
يضحك مشمش في فجور:
- ولكنك تراني يا شيخ زغاوة فكيف يخلط عليك صوتي من صوت شواهي
- بصيرة القلب ثاقبة يا زوج شواهي أما نظر العيون زائل وأنا لا أري شيئًا
- بل أنت ترى ما تحب رؤيته 
- فليكن يا قليل القيمة. دعنى أشرب ماء الشعير في سكينة
يشرب الشيخ زغاوة منكرًا طعم البيرة ويقر في زمته بأن الذنب يعود على مشمش لا عليه. هو شرب على أنه ماء شعير ومشمش هو من خدعه.

زاد نقيق الضفادع وأخرجت غرفة الدش روادها وبدأ الرجال فى العودة  عبر السكة الترابية المظلمة التي تربط البلدة بالمقهى. لا ترى حشود الرجال تمشي فى جماعة هكذا إلا عند الخروج من غرفة الدش أو فى الطريق إلى القرافة لتشيع فقيد أو فى الصباح عندما يقصد السواد الأعظم منهم  حقول الحاج بركات أبو محيسن. همّ الشيخ زغاوة فى القيام فناداه الخولعي من داخل المقهي وهو يقوم بتنظيف المقهى:
- مهلًا يا شيخ زغاوة سوف أنتهى حالًا وأقوم بتوصيلك مثلما أفعل كل مساء فلا تحرمنى من صحبتك يا رجل
- سوف أتسند على عصاي الليلة يا مشمش. أنا فى حاجة للاختلاء بنفسي قليلًا قم أنت بإتمام عملك. لن أقع فى المصرف أو يأكلني ذئب وحتى إن حدث ما الذي يضير..لاشيء..يغيب الغائب ويترك الحيرة للآخرين. 

تحرك الشيخ زغاوة من مقعدة بعد أن سحب عصاه وقصد المصرف. رفع جلبابه وقام بقضاء حاجته. صوت البول يضرب سطح مياه المصرف الراكدة والضفادع لا تتوقف عن النقيق. هّفت على الشيخ زغاوة ذكرى صديقه فضالي:
- لعنك الله يا فضالي. أين ذهبت ولما الآن؟
فُزع الشيخ زغاوة عندما سمع منادي ينادي من السماء:
- لا تلعنه
انقطع بول الشيخ زغاوة عندما  رأي بغلة فضالي البيضاء تكسر ظلام الليل الحالك على الجهة الأخري من المصرف تنظر إليه:
- أعوذ بالله من شياطين الإنس والجن. سبحان من أنطق الجماد ورحم العباد. هل تحدثت البغلة؟ أستغفر الله العظيم. قبّحك الله يا مشمش أنت وشراب الشعير. 

في نفس اللحظة التي كان يلعن فيها الشيخ زغاوة فضالي،كانت هي  كالبدر ليلة التمام. فائرة كبركان جزيرة لا يتوقف عن الفيضان. كحّلت عيونها الواسعة بكحل أسود رخيص بعد أن تحممت ومشطت شعرها الأسود السائح الطويل. كانت هيفاء ولكنها ممتلئه ذلك الامتلاء الساحر، لا نقص شئ من نهودها ولا زاد شيء في فخذيها. لم ترتدي حمّالة للصدر وتركت نهديها يمرحان، فقط جلباب من قماش أزرق انتشرت عليه ورود كثيرة حمراء. كانت الغرفة تفيض لهيبا من حرارة الجو والجسد رغم انتعاشة الجو خارج الغرفة. فتحت شباب الغرفة الذي يطل على حقول البرسيم ونامت على ظهرها تنظر إلى بُقع الرطوبة التى انتشرت فى سقف الغرفة ومصباح الكهرباء الرخيص. تقلبت المرأة عدة مرات وتنهدت ثم حدثت نفسها:
- ما أضيعها من ليالي! آه يا فضالي الكلب. كيف يهون عليك كل هذا
وإذا بسيل أفكارها يرتطم فجأة ببغلة فضالي وهى تطل برأسها من شباك الغرفة. فُزعت شواهي وقامت من مرقدها تضرب صدرها المرمري كأنها تنظف من على جسدها تراب الأفكار التي لم تتركها لحالها منذ رحيل فضالي:
- بسم الله الرحمن الرحيم...
 ----- ----- ------ ------- ------ ----- ---- 
 الجمعة القادمة الجزء 3 


(3)- شمس فضالي وشمس إبراهيم                                                            

Thursday, July 19, 2018

حكايات صاحب البغلة




(1 ) - فضالي و البغلة

هذا ما كان من أمر فضالي، فبعد أن اعتلى ظهر بغلته العجوز التي تتدلل عليه دلال الزوجة لزوجها. وبدأ فى ركل جنباتها بقدميه الحافيتين متناسيًا ما بينهما من عِشرة ، رأى قرص الشمس الذهبي يغطس فى بحور البرسيم الخضراء المترامية بعيدًا على مرمى الشوف. سُحر فضالي من مشهد الشمس المهيب وبقايا الاحمرار الذي طلى الحقول بلون غريب. ولكن كيف للشمس أن تسحره وهو الذي قضى حياته يشكو من حرارتها التي حرقت قفاه بلا رحمة لعقود طويلة؟ نزل فضالي من على البغلة كالمسحور قاصدًا قرص الشمس الذي كان أسرع منه فى المغيب. جرى فضالي يضرب طين الأرض بالشقوق التي انتشرت فى كعوب قدميه حتى يلحق بذهب السماء.

أدبر الليل وأسفر الصبح مرّات عديدة ثم ذبُل البرسم وغيرت الحقول لباسها ولم يُسمع لفضالي صوت أو يأتي من طرفه خبر. لم يكن غياب فضالي أمر ذو شأن فى القرية. فهو دائم الغياب ودائم العودة إلا أن هذه هي المرة الأولي التي يترك فيها البغلة التي جسّدت له كل تعاريف الأسرة والعائلة. بعد أن طال فراق فضالي، لم يجد أطفال القرية من يمزحون معه بإلقاء الحجارة عليه فى العودة والمجيء. ذهبت البهجة من مقهى عاطف الخُولعي وخلت غرفة الدش الأوروبي من الضحكات. أقسم إمام المسجد أن البركة قد ولّت مع هروب فضالي. ومع غياب فضالي، زادت الأساطير التي تُتلي من نساء القرية اللواتي يُقسمن بأن لفضالي عضو ذكري أطول من ليل المظلوم وأقوي من إير شيطان أشر ولذلك لم يتزوج: - من ذا التي تستطيع تحمل شيء كهذا!
صرخت هنية ذات أصيل وهي تضرب ملابس أسرتها على حجر ضخم على شاطئ الترعة بينما تغسل نسوة أخري المواعين
ردت عليها سوسانة إمرأة الخُولعي صاحب المقهي:
- بغلته أكيد هي التي تستطيع تحمله. فهي معه لم تشتك يوما
قالت شواهي إمرأة مشمش بائع البيرة فى حسرة:
- يا بختها، ومن تلك التي تشكو خير مثل هذا
تضحك النسوة على كلام شواهي وسوسانة وهنية وتخجل الصبايا اللاتي لم يرن عضو ذكري من قبل وفى النهاية يؤمن الجميع بكلام هينة التي لا يستطيع أحد تكذيب كذبها. لن تستطيع امرأة أن تسأل هنية عن مصدر معلوماتها ولكن إير فضالي كان جزء مهم من حكايات النساء عند حجر الغسيل وكانت النساء ترغب فى تصديق شيء كهذا خصوصًا شواهي.
أين ذهب فضالي؟ هل هانت عليه صديقته البغلة من أجل ساحرته الشمس؟ كيف لحقول البرسيم أن تبلعه وهو العليم الخبير بخباياها....
---------------------------
الجمعة القادمة الجزء التاني:
(2 ) - مشمش فى مقهى الخولعي وبيرة الشيخ زغاوة "النصف أعمى"

Thursday, July 05, 2018

سامح شكري بيطبل لصفقة القرن: نسعى لإنهاء الصراع العربي الإسرائيلي من أجل استقرار المنطقة

هل يومج فعلا صراع عربي- إسرائيلي؟ مفيش صراع عربي إسرائيلي. فى أن الفلسطين فقط هم اللي بيصارعوا. هل  التطبيع الكامل مع إسرائيل هيحل المشكلة والمنطقة هتكون مستقرة؟ هل الصراع الإسرائيلي ده هو أصل عدم الاستقرار من الأساس أم أن المكائد والانقلابات والطمع والكراسي هى السبب الرئيسي في أن نكون فى قاع الحضارات؟




Monday, March 26, 2018

فيكتور هوجو


هو كان عصره وكان أمته
كان ملكيّا وكان جمهوريًا
جسّد مُثل الثورة الفرنسية وبسحر ريشته عرف كيف يجول نفسه البائس الذي يسرق بدافع الجوع وإلي أحدب نوتردام ولكنه آمن كذلك بالمهنة الفادية للأسلحة الفرنسية فى العالم.
فى ١٨٧١ أدان بانفراد القمع ضد الكومونين
قبل ذلك كان قد صفق برفقة كثيرين للغزوات الاستعمارية. قال:
"إنها الحضار تواجه الهجمية. إنه شعب متنور بحثًا عنش شعب فى الظلام. أننا اغريق العالم وعلينا تنوير العالم"

- ادواردو غاليانوا 

Tuesday, March 06, 2018

ماركس والأدب البورجوازي




من حوارات الكاتب الأرجنتيني الكبير أرنستو ساباتو:

"ليس مقدور أحد أن يتهم كارل ماركس بتهمة بميول ذات صبعة بورجوازية صغيرة. ماركس ثوري معروف ولكنه حفظ على ظهر قلب كل أعمال شكسبير وأعجب ببايرون وتشيللي وامتدح هاينه واعتبر الرجعي بلزاك عبقريًا يستحق الاعجاب وكان يأسف ومعه أنجلز على أن عبقريًا من طراز غيته أهان نفسه وطمع بمنصب وزير في احدي الإمارات. ولم تكن غريبة عليهما التناقضات الانسانية والفلسفية كما عرفا جيدًا إلى أي درجة كان غيته فنانًا للطبقات الرجعية إلا أنهما أحباه واعتبراه أحد الذين أغنوا الثقافة العالمية"