Sunday, December 31, 2017

مصر تردُّ على تقرير "هيومان رايتس" بنظرية "اعمل نفسك ميت"!

نشر فى هافنجتون بوست هنا
كاتبنا الكبير أحمد بهاء الدين قال أن الفرق بين الإنسان والحيوان هو التاريخ. أي أن الإنسان يتعلم من الماضي والأخطاء السابقة فلا يقع فيها مرة أخرى. تنطبق هذه المقولة على الحكومات والأفراد. الحكومة الحكيمة تتعلم من التجارب الماضية. فما بالك بأن هذه التجارب "الماضية" حديثة، دماءها طازجة فى الطرقات لم يغّمق لونها بعد؟ لماذا يراهن النظام على أن الشعب ينسى من يعذبه؟ كيف للنظام المصري أن يتناسى خالد سعيد و ما حدث فى ٢٨ يناير ٢٠١١. قال صديقي أن الشعب لم ينتفض على مبارك فى ٢٠١١ بسبب الفقر وضيق الحال فقط ولكن السبب الأساسي هو الحرية والكرامة التي أراد الشعب أن ينتزعها من حبيب العادلي وزبانيته.  
بعد توصية من الكونجرس، قررت الولايات المتحدة تخفيض المساعدات الأمريكية لمصر نظرًا لتدني مستوى الديمقراطية وحقوق الإنسان فى البلاد. هيومان رايتس ووتش تصدر تقرير جديد صادم عن التعذيب الممنهج المستخدم ضد المواطنين لانتزاع اعترافات فى جرائم جنائية وسياسية. لجنة مناهضة التعذيب فى الأمم المتحدة تصدر تقرير مماثل عن التعذيب والتضييق على الحريّات فى البلاد. كل هذه المؤسسات والمنظمات الدولية تتفق على أن هناك تعذيب تقوم به الشرطة وجهاز الأمن الوطني.

نجد فى  تقرير الهيومان رايتس ووتش ١٩ حالة محددة تم تعذيبها، لماذا لا تبحث الحكومة وتحقق فى هذه الحالات كي تجد الحقيقة لأن النفي بالحقائق والدلائل كما نعمل أقوى بكثير من أساليب النطاعة والتناحة ونظرية إعمل نفسك ميّت. الإجابة بسيطة، أنه لو قامت الحكومة فعًلا بالتحقيق، ستجد آلاف الحالات وسوف تثبت صدق كل حرف فى هذا التقرير. ما ستجده الحكومة سيكون إثبات التهمة ولن تجد دليل براءة واحد. الشعب المصري لا يحتاج إلى قراءة هذا التقرير لأنه لم يأتِ بجديد، فالشعب يُعذّب منذ حين ولن يهم أن نقرأ تقريرًا جديدًا يقول لنا هذه الحقيقة. فى هذا الوقت تجد العديد من الناس لهم قريب، صديق، جار، زميل عمل، دراسة، أو مجرد معرفة من بعيد تم تعذيبه أو سجنه أو تهديده دون وجه حق.

لم تكلف الحكومة المصرية النائب العام بفتح تحقيق علني وصريح لمناقشة أي من هذه التقارير مثلما تفعل الحكومات التي تبحث عن الحقيقة، أو على الأقل تريد أن تنفي عن نفسها تهم جادة وجرائم ضد الإنسانية لا تسقط بالتقادم مثل تعذيب المواطنين بشكل ممنهج. ولكن الحكومة أمرت بحجب موقع الهيومان رايتس ووتش لينضم إلى أكثر من ٤٠٠ موقع محجوب فى مصر. لم تكتفِ الحكومة بذلك، بل أمرت بالقبض على كل من يرّوج أو ينشر هذه التقارير! حجبت الحكومة الموقع أولًا ثم اتبع الحجب العديد من التصريحات الحكومية الكوميدية للعديد من النواب والمسؤولين مثل أن منظمة الهيومان رايتس ووتش لها ميول إخوانية وأن المنظمة تابعة لوزارة الخارجية الأمريكية التي تدين بولائها بشكل معلن لدولة قطر! حتى الآن لم تعرف الحكومة بأي تهمة يمكن لها أن تتهم لجنة مناهضة التعذيب فى الأمم المتحدة! برامج التوك شو هى الأخرى لم تتوقف عن ابهارنا وأخذت على عاتقها استفزاز الحس الوطني عند المواطنين والعودة إلى دفة المؤامرة الأمريكية. حتى أن مذيع شهير قال بالحرف (إلى متى نتحمل البهدلة الأمريكية. نحن بغير حاجة من الأساس إلى هذه المعونة حتى تتحكم بنا الحكومة الأمريكية بهذا الشكل). بالطبع يريد المذيع الشهير أن يعكس الآية ويُملي وهمًا على المستمعين أن الحكومة الأمريكية قامت بتخفيض المعونة لأننا دولة متمردة عليهم أو أننا نقف لهم النّد بالنّد. لم يشرح المذيع الشهير أن تخفيض المعونة سببه هو عدم إحترام حقوق الإنسان.

سبحان مغير الأحوال. نفس المذيع كان يتغنى غزلًا فى الإدارة الأمريكية الجديدة وحكمة وزارة خارجيتها عندما مدح ترامب حذاء السيسي، الآن يصف العلاقات الأمريكية بالبهدلة ووزارة الخارجية الأمريكية تابعة لدولة قطر! كيف يتخيل هؤلاء أن نأخذهم على محمل الجد؟ الحكومة تعلم علم اليقين أن هذه التصاريح وربط منظمة مثل هيومان رايتس ووتش ووزارة الخارجية والكونجرس الأمريكي بالرشاوي ما هي إلا نكات سخيفة لا يمكن تصديقها ولكنها تأبي أن تتخذ خطوات حقيقية فى إصلاح منظومة الأمن وعلاقته بالمواطنين.







أن تكون رقمًا فى منظومة الظلم


نُشرت في هافنجتون بوست هنا 


كان سبب الوفاة الأشهر فى تاريخ وزارة الداخلية هو (هبوط حاد فى الدورة الدموية). كل من لا يستطيع أن يتحمل الضرب والتعذيب كان يموت دائمًا بهبوط حاد فى الدورة الدموية. تطور الأمر وأصبح هناك من ينتحر بكوفية فى عز الصيف على غرار أفلام هوليوود أو يختفي لمدة شهور ثم تُلقى جثته على جانبى الطريق الصحراوي. ثم ظهرت أخيرًا موجة التصفية. تقرأ خبر أن الشرطة تقوم بتصفية خلية إرهابية بعد تبادل فى إطلاق النار. أصبح هذا عادي ومألوف وتقرأه بين الحين والآخر تمامًا مثلما تقرأ حالة الطقس. الأسوأ من الظلم هو التعود عليه.الداخلية تتهم، وتحكم، وتقوم بتنفيذ الحكم في الحال. حتى فى موضوع التصفية خارج إطار القانون، بالماضي القريب  كانت الشرطة تقوم بعقد مؤتمر صحفي صغير -بعد قتل من تريد-لعرض الأسلحة التي استخدمها "الإرهابيون" أو القنابل التي كانوا يقوموا بتصنيعها. حتى هذا المؤتمر الصحفي الوهمي والأدلة الخادعة لم يعد هناك حاجة إلى القيام بها.

منذ أيام قررت النيابة حفظ التحقيق فى قضية المرحوم جيكا الذي قُتل فى أحداث محمد محمود فى 20 نوفمبر 2012. أصيب بمقذوف فى رأسه ومات بعد 5 أيام من وصوله إلى المستشفى. بعد خمسة سنوات من موته قُيدت القضية ضد مجهول لعدم التوصل إلى الجناة.  فى تصريح الدفن كتب سبب الوفاة : قرار نيابة رقم 79 لسنة 2017 أمن دولة. هكذا بكل بساطة سبب الوفاة هو قرار النيابة المتمثل فى مجموعة أرقام.

نعم يوجد فى العديد من تصاريح الدفن أن سبب الوفاة هو قرار للنيابة. لكن الأمر يبدو عريبًا عندما تقرأه و تراه عينك و تسأل كيف يكون قرار النيابة سببًا للوفاة بشكل أو بآخر. هل يكون تأخير العدل سبب للوفاة؟ أن يسجن متهم 3 سنوات حبس إحتياطي أيعتبر ذلك نوع من أنواع القتل؟. أن تُستخدم السلطة القضائية لمساعدة إخفاء الحقائق وأحيانًا وتزييفها أذلك جريمة؟

منظومة العدل من الألف إلى الياء هي منظومة ظالمة ولابد أن تتغير وتتطور. لن يعود أي شيء لما قبل يناير ٢٠١١ وهذا ما يتجاهله النظام. لن تستطيع إخفاء جرائم التعذيب. تقارير المنظمات الحقوقية الدولية والأمم المتحدة سوف تستمر فى فضح الحقائق ولن تستطيع حجبها إلى الأبد. الدول الغربية لها برلمانات حقيقية حرة ذات سيادة تسأل حكوماتها عن جهات إنفاق المعونات والحكومات التي تتلقاها. بدلًا من محاولة تعطيل الحق وإخفاء الحقيقة لابد من مواكبة هذه الدول حتى يصبح الفساد والظلم أمور شاذة وأن يكون العدل هو الطبيعي والمتوقع.

والله لو سخّرت ألف مليون شيخ وقسيس وداعية يخطبون ليل نهار بشرعية حكمك، لو إشتريت كل القنوات الفضائية والإذاعية والجرائد والمجلات كي يتغازلون بالإنجازات الوهمية ولو حجبت كل المواقع المستقلة وكسرت كل الأقلام ذات الألوان المختلفة، لن تستطيع حماية نظام كهذا إلى الأبد. ربما يتأخر العدل ولكنه لابد أن يعود. الشرعية تُصنع وتُكتسب من حرية الشعوب. الحرية فقط هى التى تمنح الدولة قوة وهيبة حقيقية وليست تلك الهيبة الزائفة التي يُسجن بها المعارضة. عندما يكون الشعب حر، يحب وطنه بدلًا من أن يكرهه هذه الكراهية التي تحنق المواطنين إلى حدود بعيدة وتدفعهم إلى أنواع بشعة من القسوة. القسوة تولد الغضب الذي سيكون انتقامًا للكرامة المهدورة والوعود الخائبة والرجاء الكاذب. لن تفلح محاولات أي نظام يريد من شعبه أن يتحمل كل شيء بمذلة وأن يخضع خضوع تام دون أي احتجاج ليكون مجرد رقم فى قائمة حكومية للمعتقليين والمسجونين والمقتولين. ببساطة شديدة جدًا لا يمكن تدمير الإنسان بسبب إرادته البسيطة فى أن يكون حرًا. هكذا قال وليام فوكنز.

لماذا يكره الطغاة الابتكار

نُشرت فى ساسه بوست هنا


كتب  الأستاذ صلاح عيسى فى كتابه حكايات من دفتر الوطن :
" ….إن عذاب مصر الحقيقي قد بدأ منذ حصر العقل المصري فى إطار المسلمات النهائية التى لا تقبل المناقشة-وكان هدف الطغاة باستمرار أن يفقد هذا العقل قدرته على التفكير والحركة لذلك ركزوا  كل جهودهم على تحطيم حيوته وتبديد قدرته على الابتكار. وكان أخطر ما فعلوه أن حولوا هذا العقل إلى عقل يعرف جيدًا علامات "التنصيص" ويجهل علامات الاستفهام والتعجب. عقل يفقد تدريجيًا الحاسة النقدية التي تمكنه من تحطيم المحرمات التي تحول بينه وبين الثورة على واقعه وانتزاع مقدراته من أيدي الطغاة…"

يحارب الطغاة العقل ويكرهون الابتكار.  يحرقون الكتب ويكسرون الأقلام ويغلقون المكتبات. فلا يجيد الطغاة إلا بناء السجون الواحد تلو الآخر حتى يصبح الوطن نفسه سجن كبير. سيكون هناك سجناء رأي وسجناء كلمة وسجناء مقالة وسجناء رواية وسجناء مسطرة وسجناء مترو وسجناء تي شيرت وسجناء جنازة وسجناء مباراة كرة! تتبدل طموحات الشعوب وتتغير الأماني من حلم  العيش الكريم والحرية والكرامة والعدل إلى مجرد أحلام سائدة للنجاة والبقاء على قيد الحياة. أن تحصل على قوت يومك هذا هو الفوز الكبير حتى تتبلور فكرة الهروب فى الرؤوس. أمّا الهروب الحدودي إلى بلاد أخرى أو الهروب إلى قصص الخيال لخلق حكايات مرتبطة باللاوعي المجتمعي والانتصار على الواقع المرير و تحقيق العدل والمساواة وردم الهوة بين الباشوات الجدد من أصحاب الوشاحات والنسور والنجوم والسيوف والنياشين والمواطن البسيط الذي لا يحمل أي درجة أو رُتبة سوى صفة المواطنة التي تقتله كل نهار.

تموت الحضارات والفنون ولا يبقى سوى التغني بالذكريات والبكاء على عظمة الماضي لأن الحاضر مؤلم والمستقبل مجهول. سوف تختفى الآداب ولا يوجد إبداع جديد. سوف ينهزم التطور والتقدم والإختراع لأن الحاكم وضع قالب معين وحدود جائرة لا يمكن تعديها وبالتالي يصبح أي إنتاج صورة طبق الأصل من الأخر. ربما اختلفت العناوين ولكنه نفس القبح المسموح به. نفس العناوين تتصدر صحف مختلفة، نفس البرامج التلفزيونية وإن اختلف الميعاد ومقدم البرنامج، نفس الأحكام القضائية، ربما تتوحد الملابس لأن درجة الفقر ستكون واحدة. حتى سبب الوفاة سيكون واحد، القتل أو القهر .سوف تجد شيخ حبيس لأنه لم يحلل الظلم ويشجعه مثل الأغلبية من رفاقه، سيخرج علينا دعاة كالمسخ يلهون الناس بالجنس مع الموتى والبهائم وملابس المرأة وتفاصيل جسدها. ستنحصر المواهب اللازمة للترقي والوصول إلى الدرجات العلى إلى موهبة واحدة شاملة كل المواهب من التملق والنفاق ولحس عتبات المسؤولين. سيعلو شأن أنصاف الموهوبين الذين يجيدون مهارة التلوّن والتغيّر على حسب ما تتطلبه المرحلة ومن يجلس على مقعد الحكم.

دائمًا يقوم الطغاة بخلق عدو وهمي لإلهاء الشعوب واستفزاز الحس الوطني لديهم. ستخرج علينا مصطلحات جديدة بعد أن أهلك الطغاة الأوائل المصطلحات البالية مثل تحديات ومؤامرات وعبور وهيبة الدولة إلخ إلخ. سترتبط درجة حبك للوطن ارتباطًا وثيقًا بمدى فقرك وحاجتك. سيُعاد تعاريف الوطنية إلى مدى تحملك الإهانة والمهانة وإيمانك بالأكاذيب والمشاريع الوهمية التي لا تسمن ولا تغني من جوع. الإعتراض يعني العمالة. تقصي الحقائق يدل على خيانتك. إبداء الرأي هو نقص في التربية وإهانة لرموز الدولة. لابد أن تتقبل الخطاب الحكومي كما هو وكأنه وحي سماوي لا يقبل التأويل. ستجد دول كاملة تزول وتهلك ولا تترك من التراث إلا مباني رمادية قبيحة تحرسها أسوار عالية من الحديد الصدأ. كل ما سيبقى للتاريخ من بلادنا روائح دم وجماجم موتى وكرسي من الذهب يجلس عليه ديكتاتور ظالم تقتله الوحدة.

Wednesday, October 25, 2017

العذر بالماضي، كان الجهل بجرائم الحكومات


نُشرت فى هانجتون بوست هنا 

قال صديقى بصوت جهوري يرسم نبراته الغضب:
  • كل من ساند الانقلاب من الكتاب والممثلين والفنانين والمبدعين لابد عليه أن يخرج على الملأ ويعتذر حتى يُقبل اعتذاره!
قاطعته مازحًا:
  • ربما يجهلون أنه انقلاب!
لطالما تناقشنا فى هذه النقطة عن علاقة المثقف بالسلطة وتعريف الوطنية ومتى كانت المعارضة خيانة. صديقي يمثل قطاع عريض من الناس لن يغفر ويسامح العديد من المبدعين والفنانين. هل يجوز أن تحب فى فى هؤلاء فنونهم وترفض مواقفهم السياسية؟هل هناك فرق بين الفنان والإنسان؟ هل يحارب المثقف من أجل مساحته الشخصية فقط أم من أجل المجتمع الذي يحيا فيه؟ هذه نقاط مهمة ولها ثقلها فى هذه النقاشات التي لا نخرج منها عادة بنتيجة حاسمة ونهائية ترضى جميع الأطراف.
تذكرت مزحتي مع  صديقي باحتمالية جهل الفنانون بالانقلاب وأنا أشاهد فيلم (Judgment at Nuremberg) الذي يحكي عن محاكمة من المحاكمات العسكرية التى تبعت هزيمة النازي الألماني بعد الحرب العالمية الثانية. كانت هذه المحاكمة-قصة الفيلم-  بالتحديد لوزير العدل والمدعي العام وقاضيان. فى أحد المشاهد الجميلة، نشاهد المتهمين فى كافتيريا السجن يتحدثون فى ذهول بعد أحد الجلسات، ويسأل قاضي من المتهمين زميلًا له:
  • هل كنت تعلم أي شيء عن حرق اليهود؟ هل يعلم أي منكم عن معسكرات أفران الغاز الذي تحدث عنها المدعي العسكري فى جلسة اليوم؟ هل قرأ أحدًا منكم شيئًا عن هذا؟
فيرد جميعهم:
  • لا طبعًا!
إذا قرأت فى تاريخ النازي الألماني، ستجد أن هتلر وإعلامه بقيادة جوبلز قد جعلا ألمانيا فى عيون شعبهم مهددة بالخطر وأنها تحارب من أجل البقاء لا من أجل التوسع والجنون والنقاء العرقي. قدم الإعلام الهتلري مصطلحات مثل العدو الخارجي والمؤامرات الداخلية والتحديات وعقبات البناء وكلها مصطلحات يُعاد تدويرها فى بلادنا الآن. الفرق هو أن وسائل الإعلام حينها لم تكن كما هي فى عصرنا هذا. إذا حدثت جريمة فى أقاصي الشرق، شاهد أهل الغرب الفيديو بعد تنفيذها بدقائق. لقد شاهدنا حروب مثل حرب الخليج على الهواء مباشرة. كم من مرة استمعنا إلى مسؤول كاذب وبعد ثواني نقدم له دليل كذبه وإدانته؟

فى الفيلم دافع أحد القضاة المتهمين عن نفسه وقال أن كل الأحكام التي حكم بها ضد المواطنين كانت تُملى عليه وأنه كان يظن أن ما يفعله هي الوطنية الصائبة. وأن هؤلاء هم حقًا أعداء الوطن الذي يجب الخلاص منهم حتى تنعم البلاد بالرخاء والأمن والاستقرار.
كذلك دافع جميع المتهمين عن أنفسهم إلا وزير العدل هو الوحيد الذي لم يحاول الدفاع عن نفسه والهروب من المسؤولية. على النقيض قال أنه يجب معاقبته لأنه لم يسأل و يستقصي ويتحرى ويستخدم عقله ويعارض ويعرف الحقيقة بل يجب معاقبة العالم والدنيا كلها معه لأن هذا العالم وقف صامتًا عندما رأى طاغوت يكبر ويتوحش أمام أعينهم ولم يفعل أي شئ إلا بعد قتل ستة ملايين روح!
رسالة الفيلم وحبكته جاءت على لسان المحامي الشاب الذي كان يدافع عن هؤلاء. كان يطالب بأنه لا يجب محاكمة ألمانيا كلها على جرائم الحكومة لأن معظم الناس كانوا لا يدرون شيئًا عن هذه الجرائم. أي أن العُذر الوحيد هو الجهل بجرائم الحكومات. تُري الآن وكل شئ مسجل صوتًا وصورة ما هو عُذر الناس للحكومات المجرمة؟ بل السؤال الأصوب ما هو عذر الناس لأنفسهم؟ لماذا يشارك بعض الناس هذه الحكومات فى إجرامها يا أمًا صامتًا أو مدافعًا عنها. لماذا يساعد السجين سجّانه ويحارب المقتول بجوار قاتله؟

Thursday, October 12, 2017

لماذا لا يوجد مصطلح (هيبة الدولة) إلا فى مجتمعاتنا

نشر فى هافنجتون بوست هنا


نَاصَر إحسان عبد القدوس ثورة عبد الناصر 52 رغم تأميم روزاليوسف. وكتب العديد من المقالات المؤيدة للثورة. هاجم في أحد مقالاته رئيس الوزراء علي ماهر وطلب بإقالته نظرًا لعدم اهتمام ماهر بقانون الإصلاح الزراعي. مُنعت مقالة إحسان عبد القدوس الذي هرول إلى جمال عبد الناصر يشكو له الرقيب. قال له عبد الناصر أن الرقيب برئ وأنه هو-أي عبد الناصر- من منع المقال من النشر! وهنا احتار إحسان عبد القدوس لأن عبد الناصر قال له أنه يتفق فى كل حرف مكتوب فى المقال وأنه واثق فى اخلاص إحسان ووطنيته. ولكنه لا يستطيع أن يترك صحفي يهين رئيس الوزراء:
"الثورة الآن تحكم يا احسان وحرصي على الثورة كنظام حاكم يحتم عليّ أن أمنع هذا المقال. أنني لا أريد أن أرسّخ فى أذهان الشعب أن هناك من يقترح على الثورة فتنفذ اقتراحه حتى لو كان هو عين الصواب. لا أريد أن يتصور الناس أن هناك وصاية على الثورة. تصور يا إحسان لو أن الثورة نشرت مقالك اليوم. ثم أقالت وزارة على ماهر غدًا وشكلت وزارة جديدة تصدر قانون الإصلاح الزراعي فى نفس يوم تشكيلها ماذا سيقول الناس عنا فى اليوم الرابع؟ لو أننا نفذنا اقتراحك يا إحسان وأنت صحفي صناعتك القلم فماذا يبقى لنا لنعمله؟ وقد صرنا كمسؤولين عن الثورة حكامًا صناعتنا الحكم …."


عبد الناصر حجب المقالة فقط لأنها تهاجم ذلك الكيان الهلامي المسمى هيبة الدولة! ولم ينشرها- رغم موافقته على كل حرف فيها- إلا بعدما أخذوا رد عليها إشترك في كتابته جمال سالم.
وهنا يجب السؤال عن هذا المصطلح الخرافي المسمى (هيبة الدولة). هل سمعت عنه فى أي مجتمع آخر سوي المجتمعات التي تسجنها الدكتاتورية؟ هل مثلًا سمعت اليابان أو ألمانيا تتغنى يومًا بهيبة دولتها بالمفهوم الذي نتحدث نحن به عن هذه الهيبة؟
لماذا لا يوجد (هيبة الدولة) إلا فى مجتمعاتنا؟ وما هو تعريف هذه الهيبة؟ هل هيبة الدولة هي شكل الدولة ونظامها السياسي؟ اقتصادها؟ فائض الناتج القومي؟ متوسط دخل الفرد؟ فعالية القوانين والحقوق في مؤسساتها؟ أم أن هيبة الدولة يصنعها مسؤوليها؟ ولماذا لا توجد هيبة للدولة إلا على المواطنين البسطاء؟ يعني أنك تشعر بهذه الهيبة فقط فى أقسام البوليس وقطارات الموت والمستشفيات الحكومية والمدارس والجامعات الحكومية. أما فى الخارج وعلى صعيد المجتمع الدولي فلا هيبة لبلادك. مجرد كيان ديكتاتوري يكره الحريات ويتغذى على القروض.


ربما لن يقرأ هذه الكلمات العديد من الناس نظرًا لأن موقعنا هذا محجوب هو الآخر فى بعض البلدان. فى مصر وحدها هناك أكثر من 400 موقع محجوب ما بين إخباري وحقوقي. لم تعلن أي جهة حكومية أو شركة الاتصالات عن من هو المسؤول عن الحجب. قرأنا عن الحجب من خلال خبر فى وكالة الشرق الأوسط الذي نقل عن مصدر أمني رفيع المستوى أن سبب حجب هذه المواقع هو تضمنها لمحتوى يدعو للإرهاب ويبث الكذب والإشاعات وتهدد هيبة الدولة! بالطبع لا يهتم هذا المصدر الرفيع المستوى بأن الحجب مخالف للمادة 68 من الدستور وأنه لا يوجد أي نص من نصوص الدستور أو القانون المصري يبرر قانونية هذا الحجب.إذا اتفقنا جدلًا أن جميع هذه المواقع حقًا تبث الأخبار الكاذبة والإشاعات، لماذا لا ترد الحكومة على هذه الأكاذيب بالوثائق والدلائل والبراهين لإثبات هذا الكذب ثم تقوم باتخاذ الإجراءات القانونية اللازمة؟


أتذكر هنا جدال وقع بيني وبين صديق يمتهن الشعر والصحافة. هذا الشاعر فرح وهلل من أعماقه عندما قامت السلطات المصرية بمنع أحد الأفلام من العرض. بالتأكيد لا يوجد موهوب فى التاريخ يهلل للمنع. عدو المبدع الأول هو الرقابة والسكاكين التي توضع على رقبته لتأمُره بما يقول و مالا يقول.  قال إن الفيلم يبث أكاذيب ويسخر من هيبة الدولة وتاريخها. قلت له إن الفيلم يقابله فيلم يُرد به عليه والمقال الكاذب يُرد عليه بمقال صادق والشائعات والأكاذيب تطمسها الحقائق، الكلمة بكلمة والحرف بحرف. الديكتاتوريات الكاذبة فقط هى من تطالب بالمنع و القطع والقص والحجب والتزييف.