Sunday, September 15, 2019

سلامة سلامة


(1)

رجع سلامة من السفر. لكنه لم يكن نفس" سلامة" الذي ودعته. نحل عوده وانطفأت روحه واحتلت هالات السواد فؤاده قبل عيونه.
 رحبتُ به وسألته  بلهفةٍ عن أخبار الأهل والبلاد. جلس على حافة سريره وهو يخلع عن جسده جاكت قديم ضاعت ملامحه. وضع بين قدميه  شنطة صغيرة هي كل ما رجع بها. فتحها وأخرج منها كيس لب أسمر:
هذا نصيبك. خُذه!

بعد "يناير"، لبّى سلامة نداءات العودة، بهرته بساطة الأماني بالعدل والحرية، فقرر أن يعود. باع محل الورد الذي يملكه فى نيويورك وسافر لبناء البلد كما كان يقول. سيطر الحماس على صوته وهو يرميني  بنظرات تتهمني بالخيانة وعدم الولاء للبلد الأم:
وجب علينا العودة والمساهمة فى البناء. 
ماذا عن ورودك التي تعشقها؟
هل رأيت منظر الورود البديع وهم يقومون بتنظيف الميدان وإعادة طلائه؟
لماذا لا تقوم الحكومة بذلك؟
أنت أناني لا تفكر إلا فى نفسك.
بل أنا أعول كوم من اللحم. إن غامرت بنفسي فلا أستطيع المقامرة بمستقبلهم.

حَزُنَ عندما باع المحل. كان يعشق الورود ويعرف أصنافها وتواريخها. يعامل الأزهار كدواء يشفي الأمراض. يسأل المشتري عن المناسبة لشراء الزهور، يستفسر عن الأسباب والأعراض والأغراض، وأخيرًا يقوم بترشيح الورود المناسبة تمامًا مثل الطبيب الذي يشخص الحالة قبل أن يكتب الروشتة. كانت له ضحكة رنانة عندما يبيع ورود لفتاة جميلة:
هذه الفتاة تنوي أن تصالح حبيبها بلا شك وإلا ما إشترت هذه الورود الحمراء! لكل حالة إنسانية لون، ولكل شعور وردة. حتى الموت له وروده. في بلادنا يبكون الموت وانتهاء الحياة، أما هنا فإنهم يحتفلون بالحياة السعيدة التي عاشها الفقيد.
وإن كانت حياة الفقيد شقاء، فبما يحتفلون؟
رمقني بنظرة تنعتني بالقسوة وعدم اجادة أي شيء إلا الأرقام والحقائق الموجعة.

اختلفنا في حُب البلد وسافر سلامة محملًا بأثقال من الآمال الكافية لتحرير قارة وبناء جيل كامل من المخلصين:
سوف يتولى الشباب الحقائب الوزارية. سوف نناقش ميزانية الجيش في برلمان قوي يراقب الحكومة ويحاسبها. سوف يكون هناك قضاء حُر. الشرطة حقًا ستكون فى خدمة الشعب، أخيرًا سيكون لدينا رئيس مدنيّ منتخب!

(2)

طار سلامة إلى البلاد متعجلًا الوصول، استبدل مقعده على الطائرة  بأجنحة أحلامه الوردية . نذر نفسه وماله للتغيير والبناء في الوطن المثالي الجديد. ذهبت أودعه فى المطار وابتسامة الفخر لا تفارق وجهه. كرّر طلبه:
فكّر جيدًا في أمر العودة. لقد عشنا حياتنا القصيرة نحلم بهذا اليوم. وُلدنا عندما وُلد قانون الطوارئ. لم نرَ سوى القهر والظلم. البلد الآن فى حاجة إلى أمثالنا.
لم أعرف ماذا يقصد بـ أمثالنا. هل يقصد أصحاب المال والدولارات؟ أم أصحاب الشهادات؟  أم أولئك الذين هجروا الأرض والأهل بلا هدف سوى الهروب؟

لم أتواصل مع سلامة ولم يتصل بي هو الآخر. فقط كنت أتابع الأخبار وأفكر فيه وفي أحلامه. بمرور كل يوم، أرى العديد أمثال سلامة ممن ماتوا أو اختفوا دون أن يعلم عنهم أحد شئيًا أو إنتهى بهم المطاف خلف القضبان!

السحب التي حَبُلت يومًا بالأمل، أمطرت وحلًا. رغبة المشاركة في البناء، تبدلت إلى محاولات جادة للنجاة. بعد سنوات قليلة، هاتفني بصوتٍ مهزوم يطلب مني أن أشتري له تذكرة حتى يعود! لم أعترض بُخلًا مني و لكني سألته عن ماله الكثير الذي حوله قبل سفره وأخذه معه:
سرقوا كل شئ. المال كان أرخص المسروقات!

أرسلت له التذكرة. اليوم استقبلته عائدًا بلا ابتسامة، بلا حماسة، بلا أحلام. اشتريت له زهورًا عديدة مختلفة الألوان ترحيبًا بعودته. أخذها مني ثم رماها في صفيحة القمامة  ونحن في طريقنا إلى السيارة.




Tuesday, June 25, 2019

عندما تُتلى الحكايات


تُتلى  الحكايات بحثًا عن انتصار
عن عودة ليس لها افتراق
عندما تُتتلى الحكايات..
تتجاهل الطيور أجنحتها
تتوقف الزهور عن نموها
ويصمت قلب الكون

Sunday, May 05, 2019

شباك أم سامي

نُشرت فى عربي ٢٢ هنـــا


(1)
عشقت أم سامي الموسيقى ولذلك لم تعترض عندما قال لها سامي أنه سوف يمتنع عن الذهاب إلى المدرسة حتى يتمكن من تشكيل فرقة موسيقى لإحياء حفلات الأفراح.

ورثت أم سامي عن المرحوم زوجها عمارة صغيرة من خمسة طوابق ودكانين صغيرين. قامت بتأجير العمارة كلها عدا الدكانين، تركتهما لسامي يستثمرهما عندما يصبح رجل. سكنت هي وسامي في فى الدور الأرضي حيث يوجد شباك الصالة الذي يطل على الشارع وما يدور به من حياة. تجلس على كرسي متهالك تنظر من الشباك وبيدها سيجارة دائمة وفنجان قهوة انتشرت عليه ورود حمراء وفى الخلفية ،رغم ضجيج الشارع، تسمع صدى أغنيات قديمة لمطربين من الأسكندرية لا يعرفهم الكثيرون أمثال حسن حسان وإبراهيم عبد الشفيع.

ردت على طلب سامي بعد أن ألقت السيجارة فى الشارع:
لابد أن تكون فرقة موسيقية مختلفة. إذا كنت سوف تغني "بسم الله الرحمن الرحيم نبدأ الليلة" مثل عوكل وفتحي يوسف ومحمود أبو لطعة، البقاء في المدرسة أفيد لك ولنا جميعًا.

هنا قدمني سامي كدليل حي على أن الفرقة الموسيقية سوف تغني فقط كل ما هو جديد. قال لها أني سوف أقوم بكتابة أغنيات جديدة للفرقة. طلبت مني أن ألقي عليها بعض ما كتبت وهي تُشعل سيجارة جديدة. لم أعلم حينها أني أمام لجنة إستماع للحكم على ما أكتب من أشعار. بعد المحاولة الثالثة مع الكبريت، نجحت أم سامي في إشعال السيجارة وأمرتني بصوت يقطعه دخان النفس الأول:
أطربني يا ولاه


(2)
ظهرت نتيجة الإعدادية في الرابعة فجرًا. كان صيف الأسكندرية يزفر نارًا في الثانية ظهرًا عندما وقفت أمام المدرسة منتظرًا إعلان النتيجة. يخرج عم مختار فرّاش المدرسة يصبرنا كل نصف ساعة بأن النتيجة سوف تظهر في الساعة القادمة. لم تأتِ هذه الساعة إلا عندما جاء نداء الفجر من مساجد بعيدة متفرقة وعندها خرج عم مختار بالبشارة. رجعت البيت ومعي من الفخر ما لا أستطيع أن أحمله. فقد جاء ترتيبي الأول على المدرسة.

لم يأخذ أبي بالأسباب، ولم تنتصر نتيجة تفوقي على غضبة. كان يقف فى شرفة منزلنا غاضبًا ليس قلقًا على غيابي ولكن لأنه تأخر عن ميعاد نومه واستماعه طوال الليل إلى بكاء أمي وقلقها وقصصها التي لا تنتهي عن أولاد فى مثل عمري غرقوا في البحر أو تم خطفهم عن طريق أحد العصابات. 

 فتح ابي الباب وكان على وشك أن يصفعني. لو أراد أن يصفعني حقًا، لفعلها بسهولة. ولكنه أخذ وقته حتى يعطي أمي الفرصة كي تقوم من مجلسها لتدافع عني بكل جسارة بعد أن ملئت رأسه طول الليل بالغضب تجاهي. في محاولة هروبي السلهة وأنا أحتمي خلف أمي لوّحت له بالشهادة في يدي وبيان الدرجات معلنًا أني الأول على المدرسة. كان قد قرر فى نفسه أن يذهب لينام وأنه واجبه قد انتهى فى هذا المشهد الدرامي الناجح، بعد أخذ خطوتين في طريقه إلى غرفته،قال لي ساخرًا:
هل سيتم تعينك غدًا فى الديوان بالإعدادية غدًا يا ابن الكلب.

(3)
قلت لأم سامي أن ما أكتبه الآن يختلف بالتأكيد عما سوف أكتبه لفرقة سامي الموسيقية. قالت لي وهي تنظر إلى نقطة مجهولة في الشارع:
الشيخ سيد وبدارة كانا يغنيان في الأفراح. أسمعني أي شيء مما كتبت
لم أكن جاهزًا لهذا الإمتحان وبعد أن استدعيت أجمل ما أحفظ، قاطعتني أم سامي بعد الجملة الأولى وهي تضحك:
يا ولاه هذه الأشعار تضحك بها على البنت ابتهال بنت توحة كي تجر قدمها إلى السرير. ما لهذا الكلام بالأفراح.
ثم تركت أم سامي مقعدها الشهير خلف الشباك وتحركت في اتجاه أحد كنبات الصالة لتُخرج من تحتها صندوق أبيض صغير وأخذت منه شريط كاسيت لصباح:
أسمر أسمر.. طيب ماله..هو سماره ..سر جماله
ثم تبع صباح أغاني غزل كثيرة لأصحاب البشرة السمراء
(4)
لم يحتاج سامي لأغنية واحدة من أشعاري. كثرت صناديق أم سامي البيضاء وأخرجت كنوزها المدفونة من الأغاني. علمّت سامي أغاني عايدة الشاعر وليلى نظمي وأغاني أخرى من التراث السكندري التي لا علاقة لها بالأفراح. بدأ سامي فى البروفات فى أحد دكاكينه المغلقة. تخلّت أم سامي عن الكاسيت الذي كان دائمًا في خلفية  شباكها وبدأت تسمع لسامي وفرقته يغنون الأغاني التي تحبها. لم تؤتي الفرقة بثمارها. لم يغني سامي في فرح واحد. البروفات مستمرة لإشباع رغبة أم سامي في سماع ما تحب من أغاني.

بعدما تلاحقت أيام الصيف وتسلل الخريف ينفث في سماء الإسكندرية نسمات رقيقة ويلوّن السماء باللون الأبيض، لم يكن فراقي عن شباك أم سامي سهلًا. علم أبي بفرقة شباك أم سامي وجاء ذات أصيل يطلب من أمي أن تهنئني لأني أصبحت شاعرًا لفرقة عوالم قد الدنيا.

 الحق أقول، لم يخش أي من أبي أو أمي انحرافي وكانا شديدي الثقة بتفوقي لذلك لم أنقطع عن شباك أم سامي الذي لم يمثل أي انحراف على الإطلاق. أذهب إليها متى استطعت استمع إلى تعليقاتها على الأغاني القادمة من الدكان. تنظر إلى نفس النقطة المجهولة في الشارع وهي تدندن مع سامي أغنيات فى جمال السُمر. تسألني وهي تشعل أحد سجائرها إذا كنت قد ضاجعت ابتهال بعد؟ أبتسم خجلا فتضحك هي وتلوم هذا التأخير على أشعاري الرديئة.

Friday, February 15, 2019

الموتى يعشقون الحياة


أشتاق لمن ماتوا..
خجل جدتي عندما تضع يدها على فمها وهى تضحك. سخرية والدي من فريق الكرة الذي نشجعه سويًا ولكنه يتبرأ منه عندما نشاهد المبارة معاً  فقط كيى يغيظني مازحًا. صوت عادل وهو يغني أغاني غريبة من التراث لا يعرفها إلا هو. أحلام داليا فى أن تصبح نجمة تبخرت فى حطام سيارة. طيبة محمد فاضل التي كانت تحتوي الكون رحلت في صمت مثل صوته الهادئ وموته الخالي من الضجيج. وتلك الطبيبة التي يشهد بنبلها الجميع. طالما فكرّت فى هذا العدو وهذا النزال الغير متكافئ.
فى الفيلم الأمريكي الكرتوني coco،يوجد للموتى حياة وفى حياة الموتى سعادة واشتياق للقاء. فى مدينة الموتى الرمادية يتسكع الراحلون، يمضون الوقت الذي لا يملكون غيره حتى يتم اللقاء. كُبري من الزهور الحمراء يربط الحياتين: الموتى والأحياء.

عندما يشتاق الميت للقاء من ترك، يذهب ليعبر كبري الورود الحمراء. يقف على مدخل الكبري رجل أمن قبيح الهيئة. يأمر الميت المشتاق أن ينظر إلى كاميرا مثبتة أمامه كي يلتقط صورته لتظهر صورة هذا الميت المشتاق فى بلاد الأحياء فى الحال.

لابد أن يكون للميت المشتاق الذي يريد عبور الكبري صورة له معلقة في أحد منازل الأحياء حتى يسمح له بعبور الكبري. إذا لم تكن له صورة معلقة فى بلاد الأحياء فمعنى هذا أنه من الموتى المنسين ولا يسمح له بالعبور وعندما يصبح أي ميت من المنسين فإنه يموت حقًا ويترك حتى بلاد الموتى.

أقلب صور من ماتوا فى يدي. أتذكر اللحظات التي التقطت فيها الصور. أعلقها على الحائط ثم أنظر إلى الباب حتى يدخل أحدهم

Monday, January 21, 2019

في مديح التشاؤم وذم الأمل


 (1)
قال سائق التاكسي: لم تشهد الإسكندرية مثل هذه الأجواء منذ أن ضرب الإنجليز المدينة. انظر إلى البحر يا أستاذ. سنتيمترات قليلة وتأتي أمواجه وتجلس جوارك فى مقعد التاكسي. ثم ضحك على بلاغته فى وصف البحر الغاضب لم أجادله أو أقتل روايته. لم أقل له بأن ضرب الإسكندرية كان فى يوليو وأن الأجواء كانت أكثر صفاء -من يومنا هذا- إلا من دخان المدافع والقنابل. ولكنى نظرت إلى البحر كما أمرني لأرى أمواجه العالية تخرج عن الشاطئ لتغسل بلاطات الكورنيش وسط ضحكات بعض المارة المتهورين. كانت قطرات الشتاء مثل كرات زجاجية كبيرة، عندما تضرب زجاج شباك التاكسي المتهالك، تنشطر لقطرات كثيرة صغيرة. يفرح السائق بها ويأمرني فى سعادة بالنظر إلى قطرات المطر.
(2)
فى المطعم المزدحم، وقفت فتاة عشرينية تصرخ فى أمها الجالسة على المائدة بأنها تكرهها..تكرهها أكثر من العمى والمرض والحروب. لم تخف الفتاة من قسوة مشاعرها ولم تنتظر مكان مناسب ليكون الألم أكثر جرحا. سكبت مشاعرها على طاولة الطعام وأخذت جاكت ثقيل معلق على مقعدها وارتدته فى هدوء وقصدت الباب. تركت الفتاة أمها حائرة تدافع عن نفسها من العيون التي تلتهمها متساءلة عن فعلتها. الكراهية فعل شجاع يتطلب قسوة وثبات وطقوس وتحضيرات. هل تحتاج الكراهية إلى تدريبات عسيرة حتى يصير هذا الفعل الكريه بهذه السهولة؟
(3)
آلن دو بوتون كتب عن الفيلسوف الروماني سنكا الذي قال أنه يجب علينا اتقان فن التشاؤم وذم الأمل. الإفراط فى الأمل هو سبب كل الإحباطات الإنسانية. فى بعض الأحيان يكون التشاؤم أحد طرق المقاومة والطريقة الوحيدة للاحتماء من الخيبات الأكثر ألماً. عادة الإنسان أن يتخيل عالمًا أحسن مما لديه وأسوأ من الذي يعيش فيه.

Thursday, August 02, 2018

حكايات صاحب البلغة - 3


(3)-شمس فضالي وشمس إبراهيم



عاد الصعيدي أبو سِنّة من ليبيا حاملًا أحلامًا كبيرة تحميها القليل من الدنانير. اشتري قيراط من الأرض بنا على نصفه دار صغيرة وزرع النصف الآخر. قامت الحكومة بإزالة أساس الدار التي بُنيت على أرض زراعية مُجرّفة. يوم الإزالة فقد الصعيدي ولده الأكبر مُعمِر الذي سمًاه حُبًا في مُعمِر القذافي. عندما أتت قوة الإزالة وبدأ الجراف فى خبط الأساسات، رمى مُعمِر نفسه أمر الجرّافة فى سينمائية ندم عليها. ظن الولد أن سائق الجرّافه سوف يقف بالطبع، ولكنه لم يراه وفرمه حتى أصبح جزء من الأسمنت والطوب الأحمر وسط ذهول أهل القرية جميًعا الذين شهدوا هذا اليوم! انقلبت البلد رأسًا على عقب وكادت تفتك بالضابط والعساكر وسائق الجرّافة. حمل كل فلاح من الشهود ما ملكت يده من فأس ومنجل وبدأو فى مهاجمة حملة الإزالة. بدأ الضابط فى الهروب جريًا وخلفه باقي القوة والأهالي خلفهم فى مطاردة لن تتكرر كثيرًا. منذ هذا اليوم المشهود وحضور الشرطة فى قرية الخّواف حضور خفيف متمثل فى ضابط نقطة الشرطة وبعض الخفراء الذين لا يغادرون النقطة إلا فى الضرورات.
دار أبو سنة من البيوت القليلة فى البلد التي لمستها العصرّية والحداثة متجسدة فى ألواح الرخام التى انتشرت فى عشوائية قبيحة على كل جدار. فى الجانب الأيمن من باب الدار الحديدي، بنا أبو سِنّة مصطبة عريضة كي يتفاخر بها كما يتفاخر بركات أبو محيسن بمنظرته الكبيرة. فرش أبو سِنّة المصطبة بالحصير البلاستيك الأخضر وبعض المساند التي اتكأ أبو سنة على أحدهم وهو يدخن النارجيلة وعارض الشيخ زغاوة الجالس أمامه مع جمع من الفلاحين:                                                                         
- لم لا يا شيخ زغاوة. سيدنا إبراهيم نفسه قد عبد الشمس قبل أن يرى نور الهداية
- أنتم مجانين وتأتون ببدع هى أقرب إلى الكفر من الإيمان
ضحك أبو سِنّة وفتح فاه خال تمام من الأسنان:
- وما الضير فيما...
قاطعه الشيخ زغاوة غاضبًا:
- يا بهيم إن الشمس والقمر والكواكب كلها لله. لا توجد شمس فلان وقمر علّان
- ولكن..
ثم قام الشيخ زغاوة مستندًا على عصاة متجاهلًا أبو سِنة وعصابته وهو يلعن الجميع. شعر بالبغلة تقترب من جموع الناس، قام أبو سِنّة من مقعده مُرحبًا بالبغلة:
- أهلًا أهلًا برائحة الحبيب الغائب. وسّع يا ولد أنت وهو
ثم قام بعض الفلاحون من مجلسهم كي يفسحوا مكانًا للبغلة!
لم يصدق الشيخ زغاوة ترحيب الفلاحون بالبغلة:
- الآن تعبدون الشمس والبهائم يا بقر! لعنكم الله جميعًا قرية ظالمة راحت بركتها
ضحك أبو سِنّة:
- أنت معترف إذن أن البركة ضاعت مع فضالي

منذ أن راح فضالي وبات غيابة يقينًا محسوسًا ، بدأ أهل القرية يخشون الشمس! انتشر الحذر فى الأجواء مثل رائحة غريبة. كيف للفلاح أن يخاف الشمس؟  يسأل الشيخ زغاوة ولا مجيب. عندما تستدير الشمس وتتلون بالحُمرة، يلزم الفلاحون ديارهم حتى لا يحدث لهم مثلما حدث لفضالي. أصبحت الشمس الكاملة المستديرة اسمها "شمس فضالي" والشموس الأخرى مجرد شمس عادية. سُحب  سوداء تُمطر يأس على القرية..هل تتابع الخيبات كما عهدتها القرية قبل ظهور فضالي؟ وجد الجميع اجابة لحاجته عند فضالي حتى بدون دعاء، دون طلب أو استجداء. علم فضالي ما في قلوبهم فاستجاب.

عندما ترك الشيخ زغاوة مصطبة أبو سِنّة قصد الحقول الخضراء. فى الأفق، كانت السماء حبلى بشمس فضالي. على السكة الترابية ترى الفلاحون يسرعون الخطى عائدون من الحقول تفاديًا شمس فضالي والشيخ زغاوة يمشي عكسهم قاصدًا الشمس والحقول. تناديه أصوات خائفة:
- ارجع يا شيخ زغاوة
- فليذهب أحد يأخذ بيده ربما لا يرى الطريق الصحيح
- لا حول ولا قوة إلا بالله. الشيخ زغاوة سوف يضيع

فى مؤخرة طابور الفلاحين، كان بركات أبو محيسن-الرأسمالي الوحيد في القرية-  راكبًا حصانه الأبيض عائدًا هو الآخر. عندما رأي الشيخ زغاوة نزل من على الحصان وقال له فى غضب:
-  الفّلاحون لا يعملون يوم كامل يا شيخ زغاوة بسبب شمس فضالي
- لايوجد شيء اسمه شمس فضالي يا حاج بركات. الشمس شمس الله
- ملعون فضالي فى حضوره وغيابه. سوف يصيبنى الخراب والمحصول هيضيع. لا حكم لي الآن على الفلاحين.
ظهرت البغلة البيضاء فجأة واقتربت من الرجلين تأكل ما تحت أقدامهما من بقايا عشب ميت!
ضربها الحاج بركات بعصا يمسكها فى يد وصرخ فى البغلة:
- غوري قبر يلمك أنت وصاحبك. متى أتيتِ إلى هنا. كيف هبطتِ علينا هكذا
أصاب الشيخ زغاوة قليل من التوتر عندما رأي البغلة هكذا لا يعلم من أين أتت:
- لا تغادر الحقل يا حاج بركات. فعندما يراك الفلاحين أنت الآخر تترك الغيط سوف يصدقوا هذه الأسطورة
- ولكن كيف لي أن أتأكد أن هذه الشمس ليست مسحورة يا شيخ زغاوة. ماذا لو كان خوفهم صحيح
- سلام عليكم يا حاج بركات. أنت الآخر لا تقل بصيرة عن ابنك محيسن
ثم تركه هو والبغلة وواصل مسيرته.

عبر الشيخ زغاوة السكة الترابية ومقهى الخولعي. وقد أصابه شئ من الشك. أخذت الأفكار والأسئلة تعبث برأسه. ماذا لوكانت هذه الشمس مسحورة حقًا؟ ماذا لو بلعت فضالي بحق. استغفر الله العظيم. الأنجاس ولاد الكلب سوف يجعلوني أكفر بالواحد الأحد. عن أي شمس تتحدث يا زغاوة. أنت تعرف فضالي وأصله وفصله وتعرف لماذا يؤمنون به وفضائله.
بعد أن عبر زغاوة القرافه اتجه شمالا ناحية الفاخورة و الساقية المهجورة. على بعد خطوات كان هناك بيت متواضع بُني من جذوع النخيل والبوص والخيزران. تحرك الشيخ زغاوة قاصدًا المنزل وقبل أن يصل إلى الباب اعترضته بغلة فضالي! رجع الرجل يتحدث لنفسه مرة أخري لقد ترك البغلة مع الحاج بركات والآن هي أمامه!  
فتح الشيخ زغاوة الباب ودخل المنزل كمن يعرف تفاصيله جيدًا. المنزل جميل من الداخل. نظيف وبه قطع أثاث راقية رغم بساطتها. ثمة مكتب خشبي قديم ومقعد، سرير متواضع ودولاب والعديد من الكتب. جلس زغاوة على السرير ينظر إلى المنزل(الكوخ) وضع عصاه جانبًا وركع على ركبتيه وبحث تحت السرير حتى وجد صندوق نحاسي متوسط الحجم. وضعه على السرير وفتحه وهو ناظر إلي محتوياته. خرجت من الصندوق روائح الماضي المعبقة بالنعيم. صور قديمة ومفاتيح أوراق أصابها الزمن بالاصفرار. رسمت الأشياء على وجه زغاوة ابتسامة نادرًا ما تراها. راحت الابتسامة عندما سمع زغاوة صوت الباب وهو يفتح فنظر ليجد شواهي تدخل عليه. قبل أن يلقي عليها أي تحية قالت له:
- البلغة تحدثني يا عاطف
لم يسمع اسم عاطف منذ زمن مضى، فأضاف الإسم إلى محتويات الصندوق النحاسي حنينًا فوق الحنين:
- سلامة عقلك يا سيدة النساء
- أنت تعرف أنها تحدثني وتنكر
- كيف للبهائم أن تتحدث يا زينة النساء
- قُل لي أنت كيف
- ربما خُيّل عليكِ
- كلما تذكرت فضالي فى أي مكان تظهر لي البغلة دون استئذان كأنها هبطت من السماء
- البلغة مثلنا تشعر بفقدان صاحبها ليس إلا.
سألها مغيرًا مجرى الحديث:
- ماذا جاء بكِ هنا 
- أبحث عن أي شيء يُفسر هذه الغيبة. وأنت جئت تبحث عن الماضي الذي لن يعود
- كنا فى نعيم
- وأنا الذي ضيعته أليس كذلك؟
- لم أقل ذلك يوم
- لا يهم أن تقوله بالحروف
- ليس لكِ ذنب فى أي شيء ويجب أن تكُفي عن هذا
- أين ذهب؟
- أنتِ تعرفينه مثلي تمامًا

- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -- - - - - - - - - - -
الجزء القادم - 4
(4) - رجل غريب فى مقهى الخولعي

Thursday, July 26, 2018

حكايات صاحب البغلة - 2

(2)- مشمش ومقهى الخولعي و بيرة الشيخ زغاوة "النصف أعمى"

- كيف أُطلق على قريتنا إسم قرية الخوّاف يا شيخ زغاوة؟
- لماذا لا تسأل أبوك يا محيسن يا إبن بركات. هو أكبر منّا سنًا وأكثر أهل القرية مالًا وأعز نفرًا. وأنت بسم الله ماشاء الله أسمن من الثور الاسترالي وبلغت من العمر عتيًا ولازلت تافهًا

اهتز جسد محيسن بركات اهتزازات ضاحكة متتالية رجّت جسده البدين فرقصت ثنايا قفاه والشحم القابع أسفل ذقنه ليصنع ذقونًا عديدة دون أن يخرج مبسم النارجيلة من فمه فصدر عنه صوت خفيض كفحيح أفعى تحتضر. غاص الكرسي الخيزراني الذي يجلس عليه فى الأرض الطينية الرطبة التى غطت مقهى الخُولعي:
- لكن أنا أريد أن أسمع منك يا شيخ زغاوة
- سمعت الرعد في آذانك يا محيسن. إذا لم تتركني الآن سوف أترك المقهى وأذهب. أنا جالس بعيدًا  والقهوة خالية لماذا لا تذهب وتجلس مع أشباهك من الثيران في غرفة الدش و تتركني فى حالي؟ 

كان الخولعي قد أحضر الينسون للشيخ زغاوة عندما سمع تهديده بالرحيل:
- ما عاش الذي يتسبب فى زعلك يا شيخ زغاوة. أنت بركة المكان
- راحت البركة فى ريح فضالي
- سوف يعود يا مولانا
- ترك البغلة
- لذلك سوف يعود. لابد أن يعود لها..لابد أن يعود لنا..مستحيل أن يتركنا
قال محيسن ساخرًا فى خبث:
- صدقت يا خولعي. لابد أن يعود البغل يومًا لبلغته
- خِف قليلًا على الشيخ زغاوة يا سي محيسن. الرجل مشتاق إلى صديقة
رمى محيسن ليّ النارجيلة فى غضب وقام من على الكرسي الغائص فى الوحل على فترات:
- حاضر يا خولعي. كلامي أنا فقط الذي يقف فى حلقك مثل الشوك! أنا ذاهب ولن أعود أبدًا إلى هذه البركة الوسخة. سلام عليكم

قام  محيسن  من مقعدة على فترات بعد أن أعاقة كرشة الذي ملأ جلبابه الأسود الثمين وبدأ يتحرك كفيل صغير على أرض وحلة. أخذ الشيخ زغاوة رشفة من كوب الينسون:
- لا سلام عليك أينما حللت. فى ستين داهية يا محيسن. ياريت لو صدقت الوعد هذه المرة وتمسّكت بكلمتك ولا تعود. ولكنك تعود لأنه لا مكان آخر يلمّك سوى مقهى الخولعي. ثمة غوالي لا يعودون ورخيص لا يزول يا ثور

غاب خيال محيسن وبلعه ظلام القرية الذي أطبق أجنحته عليها  منذ عودة الفلاحين لديارهم.  ثم ساد صمت مطلق يقطعه نقيق الضفادع القادم من مصرف المياه الذي يبعد عن القهوة عدة أمتار. بعدت القهوة عن القرية الصغيرة فاتخذت من مدخل البلد مكانًا قصيّا. فى الماضي القريب كانت القهوة مجرد عشة من الخوص يجلس فيها الخولعي هو وصديقه مشمش يشربان البيرة بعيدًا عن أعين أهل البلد التي ترقب كل شيء. أصبحت القهوة رغم بعدها عن البلد معْلْمًا من معالها بعد أن أقام الخولعي جدارًا بعد الآخر حتى تم البناء وصارت مقهي لا شريك له ثم بدأ الروّاد فى قصد عتبته. وعندما اشتري الدش الأوروبي تغير كل شيء فأصبحت هناك غرفة مغلقة تعرض اللحوم البيضاء والآهات المشتعلة التي يجلس أمامها الرجال لشحن البطاريات ثم ينطلق كل منهم إلى لداره لإفراغ ما قد تعلمه.

 يجلس الشيخ زغاوة دائمًا فى موقع استراتيجي خارج المقهى على ربوة عالية مطلة على الشباك الوحيد فى غرفة الدش. بين الحين والآخر يسرق نظرة من خلال الشباك لرؤية ثدي ناهد أو فخذ مستدير أو ما يجود به الدش رغم أنه نصف كفيف أو هكذا يدعيّ ويعامله أهل القرية على أنه كفيف. لبس الشيخ زغاوة دائمًا جلباب رصاصي دارى فيه نحافته الواضحة وقصر قامته.ذو وجه مستطيل وعيون جاحظة يخفى ما تبقى من شعيرات رأسه القليلة تحت طاقية بيضاء. لا أحد يعرف حقيقة بصره أو عدد سنوات عمره إلا فضالي. 

لا يعمل المقهى أحد إلا الخولعي، بينما يأخذ مشمش طلبات البيرة من الزبائن ويذهب إلى داره على دراجته،يضع زجاجات البيرة فى جيب جلبابه ويأتي إلى المقهى ويعطى كل ذي طلب حاجته. بين الحين والآخر يدّعي الشيخ زغاوة العمى الكليّ عندما يصب له مشمش كوب من البيرة ويقول له:
- اشرب يا شيخ زغاوة هذا شعير مفيد لصوتك وصحتك
ثم يضحك مشمش ضحكة أنثوية غنجاء. كان مشمش رفيع الصوت مكتحل العينين يعتني بحواجبه وجماله أشد الاعتناء. يأخذ الشيخ زغاوة الكوب يقول له:
-  يا مشمش لطالما تشابه عليّ صوتك فلا أعرف اذا كان هو صوتك أم صوت شواهي. لعنك الله ولعن من يفعل بك. لك غنج لبؤة بكر
يضحك مشمش في فجور:
- ولكنك تراني يا شيخ زغاوة فكيف يخلط عليك صوتي من صوت شواهي
- بصيرة القلب ثاقبة يا زوج شواهي أما نظر العيون زائل وأنا لا أري شيئًا
- بل أنت ترى ما تحب رؤيته 
- فليكن يا قليل القيمة. دعنى أشرب ماء الشعير في سكينة
يشرب الشيخ زغاوة منكرًا طعم البيرة ويقر في زمته بأن الذنب يعود على مشمش لا عليه. هو شرب على أنه ماء شعير ومشمش هو من خدعه.

زاد نقيق الضفادع وأخرجت غرفة الدش روادها وبدأ الرجال فى العودة  عبر السكة الترابية المظلمة التي تربط البلدة بالمقهى. لا ترى حشود الرجال تمشي فى جماعة هكذا إلا عند الخروج من غرفة الدش أو فى الطريق إلى القرافة لتشيع فقيد أو فى الصباح عندما يقصد السواد الأعظم منهم  حقول الحاج بركات أبو محيسن. همّ الشيخ زغاوة فى القيام فناداه الخولعي من داخل المقهي وهو يقوم بتنظيف المقهى:
- مهلًا يا شيخ زغاوة سوف أنتهى حالًا وأقوم بتوصيلك مثلما أفعل كل مساء فلا تحرمنى من صحبتك يا رجل
- سوف أتسند على عصاي الليلة يا مشمش. أنا فى حاجة للاختلاء بنفسي قليلًا قم أنت بإتمام عملك. لن أقع فى المصرف أو يأكلني ذئب وحتى إن حدث ما الذي يضير..لاشيء..يغيب الغائب ويترك الحيرة للآخرين. 

تحرك الشيخ زغاوة من مقعدة بعد أن سحب عصاه وقصد المصرف. رفع جلبابه وقام بقضاء حاجته. صوت البول يضرب سطح مياه المصرف الراكدة والضفادع لا تتوقف عن النقيق. هّفت على الشيخ زغاوة ذكرى صديقه فضالي:
- لعنك الله يا فضالي. أين ذهبت ولما الآن؟
فُزع الشيخ زغاوة عندما سمع منادي ينادي من السماء:
- لا تلعنه
انقطع بول الشيخ زغاوة عندما  رأي بغلة فضالي البيضاء تكسر ظلام الليل الحالك على الجهة الأخري من المصرف تنظر إليه:
- أعوذ بالله من شياطين الإنس والجن. سبحان من أنطق الجماد ورحم العباد. هل تحدثت البغلة؟ أستغفر الله العظيم. قبّحك الله يا مشمش أنت وشراب الشعير. 

في نفس اللحظة التي كان يلعن فيها الشيخ زغاوة فضالي،كانت هي  كالبدر ليلة التمام. فائرة كبركان جزيرة لا يتوقف عن الفيضان. كحّلت عيونها الواسعة بكحل أسود رخيص بعد أن تحممت ومشطت شعرها الأسود السائح الطويل. كانت هيفاء ولكنها ممتلئه ذلك الامتلاء الساحر، لا نقص شئ من نهودها ولا زاد شيء في فخذيها. لم ترتدي حمّالة للصدر وتركت نهديها يمرحان، فقط جلباب من قماش أزرق انتشرت عليه ورود كثيرة حمراء. كانت الغرفة تفيض لهيبا من حرارة الجو والجسد رغم انتعاشة الجو خارج الغرفة. فتحت شباب الغرفة الذي يطل على حقول البرسيم ونامت على ظهرها تنظر إلى بُقع الرطوبة التى انتشرت فى سقف الغرفة ومصباح الكهرباء الرخيص. تقلبت المرأة عدة مرات وتنهدت ثم حدثت نفسها:
- ما أضيعها من ليالي! آه يا فضالي الكلب. كيف يهون عليك كل هذا
وإذا بسيل أفكارها يرتطم فجأة ببغلة فضالي وهى تطل برأسها من شباك الغرفة. فُزعت شواهي وقامت من مرقدها تضرب صدرها المرمري كأنها تنظف من على جسدها تراب الأفكار التي لم تتركها لحالها منذ رحيل فضالي:
- بسم الله الرحمن الرحيم...
 ----- ----- ------ ------- ------ ----- ---- 
 الجمعة القادمة الجزء 3 


(3)- شمس فضالي وشمس إبراهيم