Wednesday, August 16, 2017

أستاذتي سعاد

نُشرت فى ثقافة True هنا  
(1)
قالت لي: العُشاق يكرهون الصور. الصور عند الفراق هى دليل على التعاسة وفشل التجارب حتى أننا نضحك كذبًا فى جميع الصور لرسم سعادة غير موجودة.
ثم رحلت..
نظرت حولي وتأكدت أني أحب الصور رغم كل ما قيل على أن الرواة يكرهون الصور تمجيدًا  لصدق الكلمات. هناك صور عديدة لا تفارقني.
(2)
 وقعت عينى على صورة لي مع فريق الإذاعة المدرسية فى المرحلة الإعدادية التقطت يوم عيد ميلادي. لا أتذكر اسماء كل الأعضاء و لا أنسى الكثير. التقط الصورة الأستاذ يحيي مدرسة التربية الزراعية. كان نصف أعمى وله استوديو تصوير يربح منه بعد انتهاء اليوم الدراسي. كنت زعيمًا لفريق الإذاعة المدرسية، أكتب المحتوى ويقرأه أسامة منصور بصوته ذو البحة الإذاعية الجميلة. عندما قرروا تشكيل الإذاعة المدرسية قلت لهم أني أخشى الميكروفون ولكنى أحب الورق والأقلام. قالوا أرنا ماذا تستطيع أن تكتب. كتبت مقدمة عن عظمة ثورة يوليو أشعلت الحماسة فى قلوب الأساتذة الذين كان معظمهم من الأرياف يعشقون كل ما هو ناصري و يملكون الأرض ويحرثونها بفضل قانون التأميم. كنت أغازل وطنيتهم الهشة بكلمات عن العدل والحرية والمساواة وأشياء أخرى يحبون سماعها ولم يجربوها فى حياتهم. أسهر كل مساء لإعداد ما سيقرأه أسامة فى الصباح. إلا هذه الليلة. لم أقم بإعداد أي شئ. فتحت كتاب العلوم الذي سلمته لنا المدرسة و اخترت صفحة بعيدة فى مؤخرة الكتاب ونقلت منها مقدمة عن تطوير التكنولوجيا وكيف أن العلم سيستطيع فى المستقبل القريب أن يجعل من عصير البرتقال وقودًا للسيارات. غدًا هو يوم ميلادي وأريد أن تضحك المدرسة كلها عندما يقرأ أسامة هذه المقدمة.

(3)
تتوسط الصورة الأستاذة سعاد مُدرسة اللغة العربية والمسؤولة عن الإذاعة المدرسية. كانت علاقتها بكافة الأساتذة الذكور علاقة سيئة لأنها كانت من أسرة اقطاعية لازالوا يملكون الأرض والألقاب الحديثة. وكانت علاقتها بالسيدات على نفس الدرجة من السوء لأنها كانت على حد قولهم متحررة مثقفة تعشق القراءة. الأستاذة سعاد كانت كجُملة عربية سليمة كاملة التشكيل. سمراء ذلك السمار الذي يدل على علاقة دائمة بالشمس والبحر. أطلقت شعرها الأسود اللامع حتى وصلت أطرافه إلى مؤخرتها التي نحتها أزميل فنان يعشق النساء. تكتحل بكحل أسود أضاف إلى بحور عيونها الواسعة اتساعا.
لا استطيع نسيان الأستاذة سعاد ما دمت حيا. فى هذا اليوم لم أخبر أحدا فى المدرسة أنه عيد ميلادي. فقط أشتاق إلى العودة إلى المنزل لأرى ما اشتراه أبي لي من أقلام. دخلت الأستاذة سعاد إلى حصة اللغة العربية كعادتها تظلظها سُحب من البهجة وتغسلها عطور من أزهار الجنة. بلا أي مقدمات تحدثت الأستاذة سعاد عن أعياد الميلاد! و سألتنا نحن-المراهقون الذين تعلموا أسماء أعضائهم الذكرية منذ لحظات- عن الحكمة والفلسفة المؤدية إلى الاحتفال بأعياد الميلاد! طبعًا كان سؤال لا ينتظر الإجابة لأنها واصلت كلامها واستنكارها لأولئك الذين يحتفلون بأعياد ميلادهم. قالت عيد ميلادك يعنى مرور سنة من حياتك وأنك أقرب إلى الموت خطوة! وهكذا مع كل عيد ميلاد تدنو أكثر من القبر.
عُدت إلى المنزل غير مشتاق إلى الأقلام ولا أفكر إلا فى هذا القبر الذي اقترب مني أو اقتربت أنا منه. لم أرد على تهنئة أبي بعيد ميلادي. كل ما أفكر فيه هو كيفية التحايل على هذا القبر الذي يلاحقني.
(4)
كبرت وهاجرت وعملت وحملت الصورة معي وكلمات الأستاذة سعاد لا تفارقني. فى الجامعة فى نيويورك كان كل قسم يحتفل بعيد ميلاد طُلّابه. هناك فريق من الطلبة يقوم بتنظيم الحفلات كل شهر علي حسب تواريخ الميلاد. يقوم هذا الفريق بجمع التواريخ من كل الطلبة الجدد. تهرّبت من إعطائهم تاريخ ميلادي وتم استدعائي من رئيسة القسم لسؤالي عن سبب رفضي. قالت نحن نحترم خصوصية الطلاب وأنها رفضت إعطائهم تاريخ ميلادي دون اذني. قصصت على الدكتورة أبيجال حكايتي مع أعياد الميلاد وفلسفة الأستاذة سعاد. ضحكت الدكتورة أبيجال كطفل تعلم الضحك منذ لحظات. وقالت يالها من غبية هذه ال سعاد. إنها فلسفة سوداوية خاطئة بكل تأكيد. لماذا لا ننظر إلى عيد الميلاد على أنه احتفال بعام سعيد مضي وأننا فى انتظار المزيد من السعادة؟
(5)
بحثت عن الأستاذة سعاد بعد نشر مجموعتي القصصية الأولى. سألت عنها فى المدرسة قالوا أنها تزوجت وتحجبّت وأقلعت عن التدريس! بحثت أكثر حتى عثرت على صديق له صديق أخر زوجته هي بنت خالة الأستاذة سعاد. أعطيتها نسخة من الكتاب لتوصيلها للأستاذة مع اهداء:
إلى من علمتني أهمية الهمزة في اللغة العربية و عدم أهمية أعياد الميلاد فى الحياة.. أستاذتي سعاد.

Tuesday, June 13, 2017

لو قال المثقفين"لا" لما استطاعوا أن يسجنونا جميعًا

قال جان بول سارتر:
  • إن مهمة المثقف الأولى هي إزعاج السلطات
**
فى إجتماع للجنة القصة بالمجلس الأعلى للآداب ، كان هناك فى هذا الاجتماع حوالي خمسين من أبرز الكتُاب بعد هزيمة 1967 بأيام. قالت لطيفة الزيات:
  • كل واحد منا مسؤول عن هذه الهزيمة. لو قلنا "لا" للخطأ كلما وقع خطأ ما حلت الهزيمة.
توترت القاعة بالقبول والرفض لكلام لطيفة الزيات. حتى احتج الدكتور حسين فوزي بأن أحدًا لم يملك أن يقول "لا" و أن السجن انتظر من قالها. تُصر لطيفة الزيات على تحمل مسؤولية الهزيمة و تواصل كلامها:
  • لو قال كل المثقفين "لا" لما استطاعوا أن يسجنونا جميعًا.
ثم تسود لحظة صمت حرجة … بعدها يسأل أحدهم: ماذا بعد
فيبدأ توفيق الحكيم فى شرح صلح الحديبية!
ثم…
ثم…
ثم…
...نصل إلى الكابوس الذي نعيشه الآن.

Monday, May 01, 2017

جان ماري غوستاف لو كليزيو-أن تمتلك شيئًا هو شئ مخجل

فى حوار لـ جان لويس مع لوكليزيو، هذه مقتطفات:
لوكليزيو قال أن تملك شئ فهو شئ مخجل. المجتمعات الأمريكوهندية لا تجعل من التملك مبدأ أساسي. فالمجتمعات الأمريكوهندية تعتبر مثلًا مسألة تملك الأرض بمثابة بدعة أو تصرفًا غير معقول. فهذه المجتمعات التي مازالت على قيد الوجود تعتبر دائمًا الأرض هي لكل الناس و هي موجودة لجلب الخيرات للكل ليستفيد منها كل فرد وليس لأحد حق القول إن الأرض تنتمي إليه. فهى ممنوحة إليه مثل الحياة ومثل جميع العناصر كالهواء مثلاً.

هناك جملة قالها قائد هندي لحظة لقائه بالقوات الأمريكية. أنتقد الأمريكان-فى منتصف القرن التاسع عشر- بخصوص سلوكهم مع الطبيعة. قال لهم ما مفاده: " رغبتنا نحن هي أن نترك لأبنائنا الأرض كما وجدناها لقد ورثنا بعض الأشياء، أو أورثوها لنا آباؤنا، و يجب أن نورّثها كما ورثناها".

كلمة هذا القائد الهندي تُعبّر عما أحبه فى " الأرض الخلاء" و فى المساحات الشاسعة. عندي شعور أن فى هذه الأرض شيئًا ما لا ينتمي لأحد، و ربما نستطيع أن نسلمه للأجيال القادمة. خصوصًا و أن الأطفال هم من يستفيد من المساحات الشاسعة. سيكون إرثًا جميلًا

Monday, April 10, 2017

أحد السعف الدموي - طنطا والإسكندرية

هناك رواية بأن الرجل الذي منع الإرهابي من دخول الكنيسة من البوابة الرئيسية عامل فى الكنيسة اسمه عم نسيم. تقول الرواية أن عم نسيم طلب من الإرهابي الدخول من خلال البوابة الإلكترونية. ذهب الإرهابي كما أمره عم نسيم وفجر نفسه.
ترى عندما استيقظ عم نسيم من نومه فى هذا الصباح المشؤوم وذهب إلى عمله كان يعرف انه سوف يتحدث إلى مجرم قاتل؟ عم نسيم تصدي لمصيبة عظمى عندما منع الإرهابي من الدخول. عدد الجثث سيكون أعظم و الدماء أكثر.

فى بعض الدول جثة واحدة كفيلة بتغير حكومة. نقطة دم من مواطن تكون هي الميقات التاريخي لهذه الدولة. فيصبح تاريخ الدولة ما قبل و بعد هذه النقطة. ولكن بالتأكيد هذا ليس الحال لدمائنا.  هل اعتقد عم نسيم أنه بطل عندما مات؟ بطل بالصدفة لم يقصد أن يكون بطل. كان فقط يقوم بتأدية عمله. عندما كان يجلس عم نسيم على الدكة الخشبية التي كان يجلس عليها لسنوات هل كان يفكر فى السعف؟ المسيح؟ المذبح؟ أسبوع الآلام؟ أم أنه قام بذلك ألف مرة ووصل لمرحلة الإيمان الذي يرسم وجهك بابتسامات الرضا؟ لن نعرف أي من هذا لأن عم نسيم كما تقول الرواية قد قتل.

لكن الذي نعرفه جيدًا هو أنه هناك شرير أقنع شاب بأن أقصر طريق للجنة هو الحزام الناسف. لماذا لم "يفكر" الشاب و يسأل نفسه إذا كان الحزام الناسف هو الطريق المؤدي إلى الجنة فلماذا يؤثرني أنا به ولا يقوم هو بتفجيره؟
السّر هنا يكمن فى كلمة "تفكير". تلك الكلمة المسحورة التي تصيب الديكتاتوريات وشيوخ السلاطين بالذعر والرعب المُبين. التفكير حرام.. السؤال .. البحث ..الإعتراض.. الإقناع كلها أبجديات كافرة من عمل الشيطان.

يحكى أنه فى عهد الرئيس الحالي-الذي أتى يمتطي موجات عاتية من التفويض لإنقاذ البلاد والعباد من التشدد الديني الذي كان يدعو له سابقه- قد سجن داعية شاب لأنه تجرأ واستخدم الكلمة المسحورة " التفكير". و يحكى أيضًا أن فى عهد نفس الرئيس قد أحال دكتورة جامعية إلى مجلس تأديب لأنها رقصت فالبلاد تحارب الإرهاب ولا تتحمل سعادة إمرأة رقصت فوق سطح منزلها!

الرئيس الحالي يدعو فى مزحة سخيفة إلى تطوير الخطاب الدينى برعاية البرلمان!

فى مكان قصيّ، لن يسمعه أحد، يصرخ شاب من أعماقه، لابد من تطوير التعليم:
- تنظيف المناهج
- تنظيف المنابر
- تنظيف العقول

سحب داكنة من النفاق المُجتمعي تخيم علي سماء بلادنا التعيسة، فلماذا نستعجب إذن عندما تمطر كراهية ودماء؟ المشكلة قائمة واضحة معرفة و لكن الأغلبية صامتة صمت الأهرامات. بداية حل المشكلة يبدأ بالإيمان فى وجودها. شجاع واحد يشير باللوم إلى السبب الحقيقي إلى ما نحن فيه من بلاء

Thursday, April 06, 2017

تجارب قادمة





فجأة ستصبح المتشائم الأكثر تفاؤلًا فى العالم! إنها عادة الإنسان أن يتخيل عالم أحسن مما لديه و أسوأ من الذي يعيش فيه.
قال ساباتو: أن المتشائم هو رجل مثالي خاب أمله. كان قول ساباتو ردًا على تعريف نيشته للمتشائم عندما قال: أنه رجل مثالي مُست كرامته.
فى النهاية ستتحول كل التجارب القادمة لتلال من الرمال تدفن الكنز الأول والتجربة الأصلية التي أصبحت هي المقياس الذي يدمر كل ما يأتي بعدها من تجارب. ينتهى العمر فى منتصف الطريق دون الوصول إلى الكنز دون إستخراجه و تلميعه ووضعه أمامك فى فترينة عرض تبكى عليه!

Wednesday, April 05, 2017

نظرية فلوبير بخصوص الأسلوب - ممرات الصراخ


إنها الكلمة الملائمة، الطريقة الوحيدة للتعبير بصواب عن الفكرة. لقد كان عليه أن يعثر عليها. لكن كيف عرف أنه توصل إليها؟ قالت له أذنه أن الكلمة "ملائمة" حين "ترن" جيدًا.
هذا هو التوافق التام بين الشكل و المضمون-بين كلمة وفكرة- يتم التعبير عنه فى هرمونية موسيقية. وهكذا كان فلوبير يخضع كل كلمة لامتحان (الصراخ)، فقد كان يتجول و هو يقرأ بأعلي صوته ما كتبه فى إحدي ممرات بيته، سماها " ممرات الصراخ"، هنا كان يقرأ بصوت مرتفع كتابته و أذنه تخبره ما إن نجح أم عليه أن يواصل البحث عن الكلمات و الجُمل إلى أن يبلغ الكمال الفني الذي يبحث عنه بعناد لا هواده فيه.
ماريو فارجاس يوصا عن فلوبير -

Thursday, January 26, 2017

العشق حرب، وكل الحروب جرائم

(١)
هبطت الثلوج في ارتياح في هذا اليوم من شهر ديسمبر. أكوام بيضاء رسمتها الثلوج وعجز موروسيو- عامل النظافة - على إزالتها فقرر أن يأخذ اليوم أجازة حتى ترجع الشمس تخطط الشوارع والبنايات وتساعده في الانتصار على الجليد.
(٢)
اختفي مع هبوط الثلوج ضجيج الحياة خارج شرفتي. لا أحد يعلم ماذا حدث إلا التي قررت الفراق.يسهل الفراق عندما تعرف مواعيده و نقوم بترتيب الطقوس التي تسبقه. قالت حينها:
- لا أمل
- منذ متى والأمل ميت؟
- منذ أن انتظرت أن تصالحني في خصامنا الأخير ولَم تفعل
- ربما كنت أعاقب نفسي
- وبماذا كنت تعاقب نفسك؟
- بالبعد عنكِ ولو لأيام قليلة
لم تفهم ولم اترجاها. صنعت فنجانا آخر من القهوة و أنا أنظر إلي الثلوج وهي تعلو كل شئ حتى بقايا اللقاء الأخير الذي لم أعلم حينها أنه  الأخير
(٣)

مرّت الأيام الأولي - في حزن مقيم - يطليها الصمت بألوان قاتمة. لم يبق سوى الثلوج وحاضر يموت وهو يتغذى على بقايا ماضي عظيم. هل مات الحب لأننا فشلنا في تجديد منابعه؟ ربما مات بسبب العمى و الأخطاء والكبرياء الأحمق. من حسن الحظ عدم وجود محاكم للحب وإلا كان من الممكن أن يساق كل عاشق علي جريمة حبه! العشق حرب و كل الحروب جرائم.وجود محاكم للحب وإلا كان من الممكن أن يساق كل عاشق علي جريمة حبه! العشق حرب و كل الحروب جرائم.