Showing posts with label مدينة الألوان. Show all posts
Showing posts with label مدينة الألوان. Show all posts

! ظل يرقص

وجدته جالسا على عتبات مسرح بيرم التونسى ينظر إلى الجانب الآخر من الشارع حيث كازينو الشاطبى الذى راحت معالمه وأصبح خرابة. صار الكازينو استعارة حقيقية وانعكاسًا ملموسًا لحالته الجديدة، لحية كثة وهندام ضائع وعلى وجهه مسحة حُزن. أخذ يُدندن وهو يرثي الأطلال التي يراها أمامه:
عجبى على بنت بيضة
جايه من بــلاد المغــرب
تقلع وتلبس ..
وتتزوق من المغرب
وجوزها راجل عبيط
بينام من المغـــــرب

ابتسمت له وقبل أن أنطق بحرف، قاطعني شارحًا:

بهذا الموال كان يبدأ المطرب جابر النمر فقرته الغنائية. يقف فى الظلام خلف المسرح، وفى يده الميكروفون الهوائى، يشعل خيال الجمهور الذكورى بمواويل يمكن تأويل معظمها إلى أحلام ومشاهد جنسية. وبعد أن تشتغل الآهات وضحكات السكارى الذين يسخرون من هذا البغل الذى ينام من المغرب، يظهر جابر النمر كالفارس المنتصر، ويسحب خلفه الراقصة سحر حمدى التى كانت تقضى على ما تبقى من عقل فى الرؤس الثملة. جابر كان " مسخناتي" لم يكن هو النجم الأول. كان ظهوره دائما فى الثلث الأول من الليل حيث لا يزال الحضور خفيف.
عندما ينتهى جابر من مهمته فى تسخين الحضور، تخفت الأضواء وتتعدد ألوانها إستعدادا لظهور البدر. شاويش المسرح يصرخ من أعماقه بصوت مُتحشرج: طلع البدر علينا.. طلع البدر علينا….

كان ينظر إلى الكازينو وهو حزين ربما لأن ذكرياته الراقصة تختفي في جدران الكازينو الذي يحتضر أمامه.
واصل كلامه بنفس النبرة الثابتة:

فى الطفولة، كنا ننظر إلى سواد البحر ونرى نقطة مضيئة فى الآفاق البعيدة. كنا نعرف أنها سفينة ونتساءل، كيف لهذة السفينة أن تعرف طريقها فى الظلمات؟ كانت الفنانة شفيقة كتلك السفينة، واثقة، ثابتة عندما تظهر على المسرح. تحمل الميكروفون فى يد، وفى يدها الأخرى سيجارة حشيش أطول من ليل المظلوم. موسيقى جابر النمر وأغانيه كانت مثل ذلك الشعور الذى يعتريك بعد أن تشرب كأس ويسكي رخيص، خبطة مفاجأة فى الرأس ثم تهدأ بعدها ممسكا برأسك شاكياً من مُرّ الصداع. أما شفيقة فكانت مثل سيجارة الحشيش الفاخر، تطير بك بين السحب إلى عوالم. تبدأ شفيقة طقوسها على المسرح بأخذ نفس عميق من السيجارة التى لا تنتهى ، ثم تحى الحضور والجمع السعيد. تبتسم لذلك الأستاذ الجالس هناك، تبعث بقبلة هوائية طائرة لهذا المعلم الواقف بعيدا. ثم تبدأ تتنحنح قليلا، تغمض عيناها إعجاباً عندما يبدأ عازف الأكورديون فى لعب نغم عفوى حزين. يرد عليه عازف الكمنجة بنغم أكثر بؤسا. دائما وابدأ سأعشق الأكورديون والكمنجة. يوما ما سيأتى عالم موسيقى ليكشف لنا العلاقة بين البحر والكمنجة والأكورديون وتعاسة العُشاق.

فجأة يهدأ المكان ولا تسمع سوى أنين الكمنجة عندما يضاجع نغم الأكورديون على موجات البحر، وتبدأ شفيقة :
دق الهوى دقة
فتحت له الشقة
سألنى قال خالى؟
أنا قلت له لأه
بعد اللى هنانى
احب من تانى؟
دى حتى مش لايقه
دق الهوى دقة

كازينو الشاطبى كان بهجة رخيصة بالنسبة لي، انظر إليه الآن. يقول الناس، أن رجل أعمال اشتراه حتى يعيد ترميمه وافتتاحه. لكنه ضحك على الحكومة وتركه مُهمل حتى يقع ويبنى مكانه عمارة أو برج سكنى قبيح. القُبح دائما ينتصر!

صمت فجأة وكأنه يستحضر الذكريات من أعماق البحر الساكن أمامنا. بدت آلاء إبتسامة واهنة تشق طريقها بصعوبة في مساحات الحزن الذى يحتل وجهه. قام من جلسته مستندا على عصاه، وأخذ يرقص فى منتصف الشارع بدون موسيقى. وظّل يرقص!

نيويورك- 2014

شباك أم سامي

نُشرت فى عربي ٢٢


(1)
عشقت أم سامي الموسيقى ولذلك لم تعترض عندما قال لها سامي أنه سوف يمتنع عن الذهاب إلى المدرسة حتى يتمكن من تشكيل فرقة موسيقى لإحياء حفلات الأفراح.

ورثت أم سامي عن المرحوم زوجها عمارة صغيرة من خمسة طوابق ودكانين صغيرين. قامت بتأجير العمارة كلها عدا الدكانين، تركتهما لسامي يستثمرهما عندما يصبح رجل. سكنت هي وسامي في فى الدور الأرضي حيث يوجد شباك الصالة الذي يطل على الشارع وما يدور به من حياة. تجلس على كرسي متهالك تنظر من الشباك وبيدها سيجارة دائمة وفنجان قهوة انتشرت عليه ورود حمراء وفى الخلفية ،رغم ضجيج الشارع، تسمع صدى أغنيات قديمة لمطربين من الأسكندرية لا يعرفهم الكثيرون أمثال حسن حسان وإبراهيم عبد الشفيع.

ردت على طلب سامي بعد أن ألقت السيجارة فى الشارع:
لابد أن تكون فرقة موسيقية مختلفة. إذا كنت سوف تغني "بسم الله الرحمن الرحيم نبدأ الليلة" مثل عوكل وفتحي يوسف ومحمود أبو لطعة، البقاء في المدرسة أفيد لك ولنا جميعًا.

هنا قدمني سامي كدليل حي على أن الفرقة الموسيقية سوف تغني فقط كل ما هو جديد. قال لها أني سوف أقوم بكتابة أغنيات جديدة للفرقة. طلبت مني أن ألقي عليها بعض ما كتبت وهي تُشعل سيجارة جديدة. لم أعلم حينها أني أمام لجنة إستماع للحكم على ما أكتب من أشعار. بعد المحاولة الثالثة مع الكبريت، نجحت أم سامي في إشعال السيجارة وأمرتني بصوت يقطعه دخان النفس الأول:
أطربني يا ولاه


(2)
ظهرت نتيجة الإعدادية في الرابعة فجرًا. كان صيف الأسكندرية يزفر نارًا في الثانية ظهرًا عندما وقفت أمام المدرسة منتظرًا إعلان النتيجة. يخرج عم مختار فرّاش المدرسة يصبرنا كل نصف ساعة بأن النتيجة سوف تظهر في الساعة القادمة. لم تأتِ هذه الساعة إلا عندما جاء نداء الفجر من مساجد بعيدة متفرقة وعندها خرج عم مختار بالبشارة. رجعت البيت ومعي من الفخر ما لا أستطيع أن أحمله. فقد جاء ترتيبي الأول على المدرسة.

لم يأخذ أبي بالأسباب، ولم تنتصر نتيجة تفوقي على غضبة. كان يقف فى شرفة منزلنا غاضبًا ليس قلقًا على غيابي ولكن لأنه تأخر عن ميعاد نومه واستماعه طوال الليل إلى بكاء أمي وقلقها وقصصها التي لا تنتهي عن أولاد فى مثل عمري غرقوا في البحر أو تم خطفهم عن طريق أحد العصابات. 

 فتح ابي الباب وكان على وشك أن يصفعني. لو أراد أن يصفعني حقًا، لفعلها بسهولة. ولكنه أخذ وقته حتى يعطي أمي الفرصة كي تقوم من مجلسها لتدافع عني بكل جسارة بعد أن ملئت رأسه طول الليل بالغضب تجاهي. في محاولة هروبي السلهة وأنا أحتمي خلف أمي لوّحت له بالشهادة في يدي وبيان الدرجات معلنًا أني الأول على المدرسة. كان قد قرر فى نفسه أن يذهب لينام وأنه واجبه قد انتهى فى هذا المشهد الدرامي الناجح، بعد أخذ خطوتين في طريقه إلى غرفته،قال لي ساخرًا:
هل سيتم تعينك غدًا فى الديوان بالإعدادية غدًا يا ابن الكلب.

(3)
قلت لأم سامي أن ما أكتبه الآن يختلف بالتأكيد عما سوف أكتبه لفرقة سامي الموسيقية. قالت لي وهي تنظر إلى نقطة مجهولة في الشارع:
الشيخ سيد وبدارة كانا يغنيان في الأفراح. أسمعني أي شيء مما كتبت
لم أكن جاهزًا لهذا الإمتحان وبعد أن استدعيت أجمل ما أحفظ، قاطعتني أم سامي بعد الجملة الأولى وهي تضحك:
يا ولاه هذه الأشعار تضحك بها على البنت ابتهال بنت توحة كي تجر قدمها إلى السرير. ما لهذا الكلام بالأفراح.
ثم تركت أم سامي مقعدها الشهير خلف الشباك وتحركت في اتجاه أحد كنبات الصالة لتُخرج من تحتها صندوق أبيض صغير وأخذت منه شريط كاسيت لصباح:
أسمر أسمر.. طيب ماله..هو سماره ..سر جماله
ثم تبع صباح أغاني غزل كثيرة لأصحاب البشرة السمراء
(4)
لم يحتاج سامي لأغنية واحدة من أشعاري. كثرت صناديق أم سامي البيضاء وأخرجت كنوزها المدفونة من الأغاني. علمّت سامي أغاني عايدة الشاعر وليلى نظمي وأغاني أخرى من التراث السكندري التي لا علاقة لها بالأفراح. بدأ سامي فى البروفات فى أحد دكاكينه المغلقة. تخلّت أم سامي عن الكاسيت الذي كان دائمًا في خلفية  شباكها وبدأت تسمع لسامي وفرقته يغنون الأغاني التي تحبها. لم تؤتي الفرقة بثمارها. لم يغني سامي في فرح واحد. البروفات مستمرة لإشباع رغبة أم سامي في سماع ما تحب من أغاني.

بعدما تلاحقت أيام الصيف وتسلل الخريف ينفث في سماء الإسكندرية نسمات رقيقة ويلوّن السماء باللون الأبيض، لم يكن فراقي عن شباك أم سامي سهلًا. علم أبي بفرقة شباك أم سامي وجاء ذات أصيل يطلب من أمي أن تهنئني لأني أصبحت شاعرًا لفرقة عوالم قد الدنيا.

 الحق أقول، لم يخش أي من أبي أو أمي انحرافي وكانا شديدي الثقة بتفوقي لذلك لم أنقطع عن شباك أم سامي الذي لم يمثل أي انحراف على الإطلاق. أذهب إليها متى استطعت استمع إلى تعليقاتها على الأغاني القادمة من الدكان. تنظر إلى نفس النقطة المجهولة في الشارع وهي تدندن مع سامي أغنيات فى جمال السُمر. تسألني وهي تشعل أحد سجائرها إذا كنت قد ضاجعت ابتهال بعد؟ أبتسم خجلا فتضحك هي وتلوم هذا التأخير على أشعاري الرديئة.

شُجعان الذكريات

سوف نذهب إلى شارع ضيّق مُظلم على بعد خطوات من النهر. إنعكاسات الأنوار من الجانب الآخر سوف تُذكّرك بمدينتك الأصلية. بعدها سوف نذهب إلى بائع فلافل ربما تختلف عن مدينتك ولكنها ستذكرك بها.
أتذكر هذه الأغنية؟ أول مرة سمعناها؟
أتذكر عبير هذا العطر؟
أتذكر تلك القهوة البسيطة فى شارع القصر العينى؟ بائعة الورد الصغيرة؟ رائحة عادم السيارات؟ الكُشرى ؟ محل الذهب؟ 
أتذكر عندما خبطت يدك أردافى دون قصد وتحوّل وجهك إلى الأحمر؟
ماذا عن هذا الكتاب الذى إشتريته من النبى دانيال وفتحته تقرأ فيه وأنا أمشى جوارك، وعندما وصلنا إلى الكورنيش رميته بغضب فى البحر دون أن تصل إلى صفحته العشرين؟
أتذكر كل هذا؟
لا أذكر أي من هذا! لا أريد.
أتعرفين من هم الشُجعان يا فاطمة؟
أولئك الذين يغوصون فى بحور ذكرياتهم بلا تردد. يُزيحون ما عليها من أتربة كمن يتحسس أجنحة فراشة يخشى عليها من الإندثار و يبحثون عن ضحكة هنا ودمعة هناك دون خوف أو رهبة. اما انا وأمثالى، نردم على الذكريات فى آبار عميقة حتى تموت ولا نراها مرة أخرى. أنا من هؤلاء يا فاطمة، الذين قال عنهم الحكيم: الجُبناء فى الذكريات

سلام على السمراوات

white dress

سلام على السمراوات صاحبات الأفئدة البيضاء
سلام على من قُلن لضوء النهار هل من مزيد
سلام على عاشقات النور، محبات الحُرية
سلام على من داعبت الشمس وجوهن فى شبق
سلام عليهن فى قلوب العاشقين وأسفار المنشدين
سلام على الفراشات ذوات القلوب الواهنة
سلام على من عشقن فى صخب وفارقن فى صمت
سلام على أصل الجمال ومصدره

(1) لتحضير حقائب السفر بهجة خاصة ....

ع البحر
(1)
أمس فقط تذكرت أنى اشتريت حقيبة جديدة بعد أن طمع عزيز لديّ فى حقيبتى القديمة. لم استوعب أنى قد أعطيته بعض سنوات عمرى معها إلا عندما ضربت خياشيمى رائحة الجلد الجديد. عدد قليل من البشر لا أستطيع أن أغضبهم أو أقول لهم "لا". كان هو واحد منهم.
قال لى صديق: لابد أن تتعلم أن تتهجى حروف كلمة "لأ".
قلت: الحروف قليلة، خفيفة على اللسان ولكن المهم هو ما يتبع كلمة "لأ" من أثقال.
كانت علاقتى مع الحقيبة مشابه لكل علاقاتى الإنسانية، خائفة، مترددة ، ليس بها من الشجاعة ما يكفى. أحياناً كنت أكرها لأنها هى الحاجز المنيع بينى وبين لقاءات ومواعيد لن تتم وبقاء مؤقت لن يدوم. وأحياناً أخرى كنت أهيم بها شغفاً لأنها هى الدليل على قُرب اللقاء.
محطات كثيرة حضرتها معها حقيبتى القديمة. انتكاسات وومضات مسافرة من السعادة. كانت شاهدا على فترات من السلم والعديد من الحروب والمعارك الخاسرة.
أتذكر عندما رحل أبى رحمة الله عليه. سافرت بين نيويورك ومصر أكثر من أربع مرات فى ثلاثة اسابيع. فى المرة الأخيرة، أخذت حقيبتى الشهيرة ومررت بكل سهولة من موظفى الجمارك عديمى الإبتسامة. وجدت سوسن فى انتظارى ترتدى سواد الثياب. أخذتنى فى حضنها الفسيح ولكنى لم أبكِ. حتى الآن لا أعرف كيف أبكى. لابد أن هناك تعريفاً آخر للبكاء غير ذلك المصحوب بالدموع. فارقنى دون ان أشبع منه. الفراق الذى بدون مواعيد هو الأسوأ على الإطلاق. نحن نتعامل مع من نحبهم كأنهم الأهرامات، باقون للأبد، ونستيقظ فجأة على لطمة الفراق كالسياط تضرب أجسامنا دون رحمة حتى تُدميها. فى السنوات القليلة المُنقضية، كان ميعاد السفر بالنسبة لى كميعاد شروق الشمس بعد دهر من الغيوم. أترى العصفور ينتظر الصباح على غُصن واهن حتى يطير دون قيد أو شرط؟ أنظر إلى حقيبتى وأبدأ فى تجهيزها قبل السفر بشهور. أفعل نفس الشئ الآن حتى وإن إختلفت أسباب اللهفة.
بالصغر، عندما كان العُمرمُجرد نظرة من بنت الجيران، قبل أن ننزل البحر فى الشتاء، كنا نضحك من أعماقنا عندما نضع أطراف أقدامنا فى المياه الباردة لنتحسس درجة حرارة الماء. كان منا من يغير رأيه ويرتدى ملابسه وينتظر الصيف. وكان منا الشجاع الذى يرمى بجسده كله فى المياه الباردة حتى يتعود عليها وتصبح حيقيقة وواقع لا يخشاه. هذه السفرية بالنسبة لى الآن هى المياه الباردة التى لزم عليّ التأقلم عليها.
(2)
عندما ضاعت حقيبتى فى أسبانيا  تلك البلاد التى أحلم أن أعيش بها عند بلوغ المعاش...................
قريباً، الجزء الثانى..

لو لقيتو راجل بيوزع بعابيص ببلاش، هتروحو تقفو فى الصف!

Alexandria_by_SherifShaaban

عم أحمد كان بيتهته فى الكلام، وكان بيسخر من نفسه أحيانا لأنه سمع المنتصر بالله بيقول مره فى التلفزيون حب عيبك يحبك. من ساعتها بقى يقول لنفسه، إذا كان الأحول مش همه حاجه، هازعل أنا ليه؟ بعد ما يخلص شغله ويلم إيراد المحل، كان بيروح قهوة متواضعة فى شارع جانبى من كورنيش البحر.
كان بيكره القهواى اللى على الكورنيش. دايماً كان يقول عليها قهاوى الغرباء السياحية. بس ما كنش ده السبب الأساسى اللى بيمنعه إنه يروح هناك. كان بيخاف من النسوان اللى لابسه عبايات سوده وحطه كُحل كتير فى عيونها. كان دايماً مفكر إن واحده فيهم هى جنيّة البحر، طالعه على الكورنييش تخطف واحد، وتنزل بيه. كان دايماً يقول هو فى واحده حواجبها سمره وشعرها احمر غير العفاريت!
يروح للقهوة الغلبانه يشرب معسل ويقعد مع شلة مقاطيع نادر أما حد فيهم بيشتغل، بس كان بيحبهم لانهم كانوا مصدر بهجه رخيصه. ضحكة من القلب، أو نكته قبيحه. وهو رايح القهوه كان بياخد معاه سندوتشات كبده وسدق وشاورما. كان بيعمل حساب المقاطيع لأنهم دايما جعانين وعمرهم ما قالوا لأ. حتى صباع الحشيش اللى كان بيجيبه كل يوم خميس، كان بيعمل حسابهم فيه. ضحكاتهم كانت تملاء فضاء الشارع الضلمه اللى القهوه فيه، مش بس كده، كانت بتجلجل وتسافر لقهواى الكورنيش السياحية حيث العفاريت الصامته!
ذات مساء خاص، تغير تاريخ عم أحمد، قفل المحل واخد السندوتشات وراح القهوه كعادته. طلع السندوتشات وأكل مع شلة المقاطيع اللى باصين له فى كل حاجه. وهو بيشرب الشاى، طلع من جيبه برشامه للصداع، بعد ما فتح البرطمان لقى ايادى شلة المقاطيع كلها ممدوده. هم كمان عاوزين برشام من اللى بياخده. هم مش عارفين برشام إيه ولإيه، بس هم عاوزين وخلاص!
غضب عم أحمد وثار، وبعد ما شخر وقال الكام أحيه اللى ربنا قّدره عليهم، رمي برطمان البرشام فى الأرض ووقف لهه على الكرسى يصرخ ويخطب فيهم: يعنى ياولاد القحبة، سندوتشات بأجيب، حشيش بأديكم، معسل وشاى بأحاسب عليه، حتى برشامة الصداع باصين لى فيها؟
على الطلاق لو لقيتوا راجل بيوزع بعابيص على البحر ببلاش، هتروحوا تقلعوا وتقفوا فى الصف!
بعدها، عم أحمد ما بقاش يروح القهوة الغلبانه بتاعة المقاطيع. سلم أمره لجنيّة من ذوات الشعر الأحمر والحواجب السوداء، وقعد على قهوة على الكورنيش دون أن يضحك.

عن كُفته وشفيقة وغياب الأحبة

IMG_4076


(1)
عُدت من السفر. إتصلت بمن أحب وأهوى.
(2)
قال حمادة كُفته: إرتاح الآن، وبالمساء سوف نسهر سهرة من أيام الماضى.
(3)
سرق سيارة والدة المرسيديس، واقتحمنا عُذرية الكورنيش عند الغروب. المدينة تبدو غريبة ولكنى أحبها حُب الأُلفة والعشرة القديمة ومواطن الذكريات. جلسنا عند بير مسعود. يُدخن قطعة حشيش وجدها فى سيارة أبيه. وأنا أنظر إلى البحر والناس بإنبهار.
كنا فى إنتظار رباب وحياة ومروى. لا أعرف أيا منهن ولا أدرى لماذا نتظرهن هنا. هجم علينا ثلاثة شباب بمطاوٍ .طلبوا مفاتيح السيارة وساعات اليد وكل ما يرتديه كفته من مجوهرات فى يديه وعنقه أو أصابعه. حاولت المقاومة بسذاجة الغرباء فنهرنى. أخرج كل شئ وأعطاه لهؤلاء بهدوء دون أدى إعتراض.
(4)
أخذنا تاكسى، وذهبنا إلى سيدى بشر قبلى. عقلى باشا كان هو الشارع المرجو. لم يكن معنا مال، فقد أخذوه. قابلنا صديق إسمه حمادة دوكو. دفع أجرة التاكسى وشكر السائق على سعة صدره . حكى كُفته لحمادة دوكو عن ما صار فى بير مسعود. لازال الإنبهار يتملكنى. بالأمس كنت فى نيويورك. أما اليوم فأنا فى عالم آخر. ضحك حمادة دوكو من أعماقة وسخر من كفته ومن الخواجه صديقة الذى هو انا! إتصل دوكو بصديق آخر إسمه حسن سوكه. وقصصنا عليه الحكاية مرة أخرى. شارك دوكو سخريته وإمتلأت صدورهم بالابتسام. كنت أنا الوحيد الذى بدت علىّ علامات القلق!
(5)
أخيراً، ركبنا فى سيارة حسن سوكا وذهبنا جميعا إلى شخص تبدو على ملامحه الأهميه. كان نوبى، صعب تحديد عُمره الحقيقى. يجلس فى محل فارغ لا يبيع أي شئ  يدُخن الشيشه بمفرده. إلى جواره طفل صغير يهتم بتغيير الشيشة والإعتناء بالنار. لم يضحك عندما قصصنا عليه القصة. نادى على الطفل الصغير، وقال له أن يذهب إلى قهوة المزلقان وأن ينادى التوتو بكر. بعد دقائق معدودة، عاد الطفل يسبقة شاب من الثلاثة شبان الذين سرقوا أشياءنا. قمت مندفعا ، فلكزنى دوكو لكزة مفادة إخرس واجلس مكانك.
(6)
طلب الرجل النوبى ذوالهمة من التوتو بكر أن يرد إلينا مسروقتنا. إعتذر التوتو بكر لفعلته . كان عُذره أنى أبدو كغريب وسائح وهذا شجعهم على فعتلهم. شرح لهم النوبى أن كفته إبن المنطقة وهذا تصرف لا يليق بالرجال! عندها فقط شعرت بالإنبهار ينبش فى مؤخرتى! إنصرفنا أنا وكفته وتركنا دوكو وحسن سوكه مع النوبى والتوتو بكر.
(7)
أخذنا تاكسى آخر، وذهبنا حيث أمرنا التوتو بكر حيث وجدنا سيارة والد كفته هناك. نسى مروة ورباب وحياة. ووقف
أمام كازينو الشاطبى. دخلنا لنرى شفيقة تعتلى خشبة المسرح فى إفتخار وهى تغنى : غابوا الأحبّة
(8)
لماذا لم نأتِ هنا من البداية!

تلك المدنيه - الجزء 2

new-york-1

يمكنك قراءة الجزء الأول هنا 
تُسابق السياره أعمدة الإناره المتراصه على جانبى الطريق فى خشوع. وأعود إلى ليلة الوداع الأولى عندما قلت لها أنى سأغيب عام أو عامين على الأكثر وأعود محملاً من الأحلام أثمنها. مرت السنون وأصبح العام أعوام ولا أتذكر من الحلم أى ملامح. شنطة السفر كانت تقف جوارى دليلاً واضحاً على عدم صدق وعودى بالرجوع. تكررت ليالى الوداع بعد أن ألفها الجميع وأصبحت حقيقه ثابته ومستمره. وجودى معهم هو الشيئ الذى أصبح مؤقت. فى البدأ كثر عدد المودعين وراقت كلماتهم العذبه عن الفراق ولوعته والوحشه وما يعتريها من آلام، وبمرور الأيام تلاشت هذه الكلمات وإختفت .
فكرت فى عم محمد، ذلك الرجل العجوز الذى شاركته مسكنه فى البدايه، وتذكرت حكايته عندما ودّع زوجته أول مره قائلاً: متعيطيش يا وفاء. يدوب ثلاث سنين وراجع. عندما قصّ علىّ تلك الروايه كان يتمم عامه الثلاثون فى الغربه! كنا نجلس على مائده من الأسماك الفاخره . كنت أستمع إليه وأستشعر نبرة القهر فى صوته وهو يصف الغربه والفراق وعدم إختياره ما هو فيه. كان مؤمن، مُصلىّ، يخشى زوجته. يأكل من طبق الجمبرى أو الإستاكوزا وبعد كل مضغه يقول بصوت فيه خشوع لا أفهمه: ربنا بيحلى للفقير زاده! لم أعترض على تصوفه أو على ماقاله فى حق الجمبرى والإستاكوزا ووصفهما  بأكل الفقير وهما من ذلك براء. كان لا يساورنى أدنى شك أنه يصلى فى جهره وسره حتى تتحقق المعجزه و يعود .
كنت أحب أن أسمعه  آمالاً أن أتفادى أخطائه أو أن أستفيد من خبرته المنقوشه فى تجاعيد وجهه والشيب المنتشر فى رأسه. حكى لى عن النجاح الملموس فى فيلا الساحل وشقة مصر الجديده وعمارة المهندسين. ولكنى لم أرى أى علامات لهذا النجاح فى روحه التى تقتلها السنين يوم بعد اليوم. هربت من السكن معه بعد تسعة شهور خوفاً من رؤية  مستقبلى فى كلماته. كرهت أن أرانى  أسير على نفس الخطوات التعيسه وكأن من أتى بنا إلى هنا كتب علينا أن نكون نفس الشخص، بنفس الروح المستسلمه والغير قادره على المقاومه. قابلته صدفه وفى يده حفيده. لم أساله عن أي شيئ، ولكن نظرة عينيه المستضعفه أجابتنى بأنه لم يعود بعد، بالعكس لقد أرسل لإحضار زوجته وأولاده . والآن أصبح له حفيدين لم ير أى منهما أرض المنبت. وأصبحت الأسره جميعها حالة مؤقته . تبادلنا أرقام التليفونات والعناوين الجديده وتعاهدنا على مواعيد ولقاءات ومهاتفات لن تتم .
إستعرضت كل هذه الرؤي وأنا خلف عجلة القياده في السيارة . وحيدا أطوف شوارع نيويورك . أنتظر مرور تلك السويعات القليله من الليل لتشرق الشمس آذنه ببدأ حياة أخرى جديده .....
قريباً  الجزء الثالث

تلك المدينه (١)

new-york-1


ربما لا أحبها مخلصاً لذاتها. فلا يوجد في العشق زاهد. وربما كان هذا الشعور لأنها فقط تُذكرني "بالأخري". إذن هى الأُلفه. فالحب يزول ويسقط ولكن الأُلفه لا يطويها بُعد أو أسفار. ثمة تفاصيل قديمة تأبى أن تزول أو تندثر.
نسمات شتويه بارده تتسلل من نافذة السيارة بلا إستأذان. لفحات ضعيفه متباعدة لها فعل السياط علي وجهي. لم أحاول رفع زجاج النافذة ولم يظهر علي وجهي إعتراض. رسائل قديمة تحتل الآفاق وتنازعني في تلك المساحة. تتداعي الذكريات في إضطراب. ثقيل معظمها بوزن الذنوب وخفيف بعضها كأرواح العشاق عند اللقاء.
نغمات خجوله صادره من كاسيت السيارة تتعانق مع تلك النسمات ليتحجرّ الوقت وتُصلب آلة الزمن. فأسافر علي بساط مسحور إلي تلك النقطه التي تمنيت أن لا تتحرك بعدها الحياة وأن يطوف الكون ويتعبد في محرابها.
تعترينى نشوة ورديه. وأرانى  أرفع رآيات النصر عندما أمتلك شوارع المدينة بلا غريم .وحدى فى النزع الأخير من الليل، تُبحر السيارة مثل قارب فى محيط بلا أمواج. فجأه أتذكر أنى من هؤلاء الذين يشعرون بالذنب عند السعاده. فتضيع الإبتسامه الموقته. ألوذ إلى صمت الطريق الذى لا يقتله سوى كلمات الأغنيه الجميله، فينبعث فى سواد الليل حياة. نسب الأغانى إلى المطرب جريمة مستمره. أين " أنت عمرى " بدون أحمد شفيق كامل؟ كيف حال " الهوى غلاّب " دون بيرم التونسى؟ يقول جمال الدين الأفغانى : الأديب فى الشرق يموت حياً ويحيا ميتاً. هذا هو حال الأديب فما بالك بكاتب الأغانى.
تسابق السياره أعمدة الإناره المتراصه على جانبى الطريق فى خشوع، وأعود إلى ليلة الوداع الأولى عندما قلت لها........

قريباً: الجــزء الثانى

الحكمة قتلتنى والبحر شكله حزين

الحكمه قتلتنى والبحر شكله حزين
النفس الإنسانيه معقده .. متشعبة التفاصيل .. باهتة الملامح والألوان كلوحه من لوحات الفن السيريالى الذى أبغضه. البلاغه، الحروف، 
الهمزه، الشده  الفصله، الكسره، الوزن، العروض، السكون، إستعارة مكنيه لرسم شئ جميل أعمدته من القبح وأساساته من الفجور

الحكمة قتلتنى والبحر شكله حزين
الطريق أصبح شاقاً رغم قصر المسافات. مناهده.. حروب بلا سلاح..خسائر فى الأرواح رغم نفاذ الدم.. بداية منتهيه ..مناهده
غادرت المدينه ولكنها لم تغادرنى. لم تعد هى لى. هى لهؤلاء الذين تعيش وسطهم وتشعر بشئ ذي قيمه فى عنوان، وظيفه، وكارت صغير به إيميل ورقم تليفون. نأخذ أرفام التليفونات كى ننساها. نسعى إلى مواعيد ولقاءات لن تتم. علاقة لا علاقة لها بما يجرى داخلنا. عندها فقط يبقى للصمت معنى بليغ

الحكمه قتلتنى والبحر شكله حزين
أوهام وغربه فى العظام أشد من غربة الديار. أصبحت حرف، نقطه، لمسه، شعور بل إسم ومعنى أسافر ورائه وأبحث عنه فى دوواين الشعراء المليئه بالكذب وكلمات لبعض الصادقين. كتب التاريخ ظالمه ، مؤلمه تتوه فى طرقات النسيان ولا يبقى منها سوى تفاصيل لبعض الفرسان. أرانى  فارس مغوار يتخذ من الجبن سلاحاً ومن غيث البحر حصن منيع. يا معشر الجبناء: إتحدوا

الحكمه قتلتنى والبحر شكله حزين
ماتت صديقة الصبا والشباب والحب الأول والسهرات القمريه وليالى الأحلام. ماتت دون أراها ولم أرغب أن أراها.  قتلت الأبواب المفتوحه، والخلفيه والأماميه والمقدسه. قتلت أبواب الأمال ومصادر أمطار الخير ورياح السلم وقت الحرب. . أحتضن بين ذراعى وهمّ وخدعه وكلمات مسحوره وعيد من أعياد الشعور

الحكمه قتلتنى والبحر شكله حزين
الطريق أصبح شاقاً رقم قصر المسافات. لا وقت للراحه فهناك فى الأفق ضوء لجنازة شاب مات ولم يحلم. دموع أم جُزّ من كبدها فص من الفصوص الغاليه. همهمة المصليين تخلق سحابه كثيفه تحُف المشيعون. أينما ذهبتم يلاحقكم الحزن. أنظر من الشباك لأرى وجه مرسوم بأكوام السحاب الرماديه. عيون واسعه ملأت السموات السبع والأراضين. شعر يصل قمم الجبال بقمم السحاب. عاصفه تمسح الوجه وتقطع الوصال 

الحكمه قتلتنى والبحر شكله حزين

أين أنت يا بائع الفريسكا ؟






(1)
 كنت أراقبه قبل إندلاع الثوره. يتخذ من كورنيش البحر فى سان ستيفانو مستقرا ومقاما. يعطى ظهره إلى البحر ناظراً الى الشارع وبجواره صندوق الفريسكا الزجاجى النظيف. عجوز قديم، أقدم من البحر وما به من أسرار وصدفات. على وجهه تاريخ وعلامات مفحوره فى تجاعيده الصادقه. لا يتكلم ولكن تقوم إبتسامته بهذه البلاغه بدون حروف
(2) 
خلال أيام الثوره الأولى ، غيّر العجوز من مقعده، فأعطى ظهره إلى الشارع والمتظاهرين ووجهه إلى البحر. ساكن فى مجلسه كصندوق الفريسكا بجواره. لا يتحرك وكأنه فى حوار عميق مع الموجات الزرقاء التى تفقد عنفوانها على رمل الشاطئ الناعم
آلاف المسيرات تمر من عليه وسط هتافات حاره مطالبة بسقوط النظام وهو لا يزال متأملا للبحر متجاهلا النداءات الصادره عن المتظاهرين.
(3) 
فى اليوم الثالث، يجلس فى نفس مكانه ولكنه الآن يصطاد! إتهمته بالجنون وعدم المبالاه والسلبيه. لماذا لا ينضم إلى تلك الحشود العظيمه. لا يوجد غيره على كورنيش البحر. الجميع غاضب مشارك فى التظاهرات فى جميع أنحاء البلاد حتى البحر كان غاضب مشاركا فى التظاهرات بموجات مرتفعه
(4) 
مع إختفاء الشرطه ودخول الجيش إلى المدينه وظهور أول دبابه فى شوارع الإسكندريه، كان الهتاف فى القاهره الجيش والشعب إيد واحده، وصدّق الرجل العجوز على هذا الهتاف بعد أن قام من مكانه وعزلته وأخذ فى توزيع الفريسكا مجاناً على الجنود! فى مساء نفس اليوم، رأيت ظابط فى الجيش يصفع فتاة بالقلم فى حيوانية واضحه لأنها إعترضت على سؤاله لها عن وجهتها. رأيت أيضا ظابط آخر يقوم بتركيع شاب صغير على ركبتيه فى ذلة ومهانه. حاولت تصورير المشهدين خلسة وهربت بعد أن رآنى الظابط وأمر جنوده بمطاردتى.
(5) 
فى صباح اليوم التالى، رجعت أبحث عن بائع الفريسكا كى أ حدثه عن الجيش الذى يعطيه الفريسكا مجانا وماذا فعل بالأمس، لكنى لم أجده. ذهبت كثيرا ولم أجده. ربما مات، أو كفر بالجيش والثوره والدنيا والحياه، ربما غرق فى البحر وصادق الصدفات، أو ربما قتلوه عن طريق الخطأ

وَكيفَ حالُ القاهِرةْ بدُونها؟

(١)
حتى البحر، ظهرت عليه آلاء السقوط. أصبح وحيداً مثلى يكابد علامات الشيخوخه محاطاً بمبانى قبيحه. الطريق من ميامى إلى سيدى جابر فى هذا التوقيت من الفجر دائما كان رائع. عندما أمتلك الكورنيش والشاطئ بمفردى. الآن إحساس جديد بأن الحبال القويه التى كانت تربطنى بهذا لشاطئ قد تقطعت وتلاشت .طقوس ليلة السفر لم تتغير، أقوم بقص شعرى فلا أجعله قصير فهى تحبه طويل لأسباب لا يفقهها إلا هى. يكتشف الحلاّق شعره أخرى بيضاء، جديده، طويله قويه قائمه بمفردها فى عناد وتحدى. أتذكر أول مره أكتشف شعرة بيضاء فى شعرى وذهبت مهرولاً إليها بأن العمر قد وليّ ولم يبق منه قدر ما قد فات، إبتسمت نافيه، وقالت كلا: بل هناك أربع شعرات بيضاء وليست شعرة واحده! آمنت لها وإستسلمت فهى تعرف كل شئ، حتى عدد شعرات رأسى ،فهى تعرفها أكثر منى
(٢)
إنتهت التشطيبات والإصلاحات فى محطة سيدى جابر، هى الأخرى تغيرت وأصبحت أجمل. لم أهتم من قبل بجمال الأشياء أو قبحها ولا أدرى ما قيمة شئ جميل يتوسط القبح؟ صوت منادى القطارات الداخلى به ألفه معهوده. لم أقابله ولا أعرف شكله ولكنى أحب أن اسمع صوته عندما ينادى عن قطار الإسكندريه المتجه إلى القاهره القائم من على رصيف 3، أشعر بأنها رسالة خاصة بى وحدى. أشعر بأن هناك قاهرة أخرى يحجّ إليها كل البشر. أما أنا فلى قاهرة  أخرى ، خمريه كحنين الماضى وصدق المبشرين، ناعمه كورقة شجر لمسها ندى الفجريه ،برونزيه كرمال عانقتها الشمس لعقود، سمراء بلون القهر ودعاء المظلومين، بسيطه ،قويه ،ضعيفه، عاقله كالأم، مجنونه كالعاشقه، دافئة تبعث فى نفسى قوة الجيوش وجسارة الفرسان.
(٣)
أجلس على مقعدى متأملاً من الشباك منظر الحقول الخضراء الجميله التى تتناقص مساحتها فى كل زيارة . أرغب فى أن اقفز من القطار إلى تلك المزراع الخضراء وأن أنطلق فيها مدافعا عن قدسيتها التى إنتهكت من الكتل الخرسانيه والطوب الأحمر. كانت المزارع الخضراء دوماً وابدا هى مثال المعجزات والبساطه بالنسبه لى. أرض طينيه، حبوب، شمس ومياه. لمستهم جميعا قدرة الخالق فخرج هذا المنتج البديع. حتى هذا أصبح يتلاشى. وكأن الكتل الخرسانيه أهم من المعجزات ولمسات الخالق السحريه
(٤)
يصل القطار فى سرعة غيرمتفق عليها. ربما شعرت بهذه السرعه اليوم لأنى تمنيت عدم الوصول. كنت أصلى أن يصيب القطار عطل فنى غير قابل للإصلاح يكون سبب فى ألغاء الرحله. وأعود ضاحكاً على نفسى مقتنعا بأنى قد حاولت وشرف المحاوله يكفى. ولكنه وصل في ميعاده بالظبط. أصل إلى مدينة الرماد باحثاً عن النقطه الملونه لكنى لم أجدها. أذهب إلى ذلك المكان الذى كانت تتنظرنى فيه لأجده خالى رغمه زحامة بالبشر، كان ساكن، هادئ، صامت رغم الضوصاء وصفير القطارات. أخذت التاكسى الأبيض كما قد أمرت . فالغريب مثلى لا يأمن غير التاكسى الأبيض ذو العداد. أجلس فى المقعد الخلفى أنظر خارج الشباب إلى بحور البشر. حياة أخرى وعالم أخر. أول مره ألاحظ هذا الزحام. ربما تكون أول مره أنظر من خارج شباك التاكسى. لماذا لم أنظر من الشباك بالماضى؟ لماذا ألاحظ الآن كل هذه التفاصيل؟ الرحلة من محطه مصر إلى الأوتيل لم تستغرق دقائق معددوده.
(٥)
أدخل فى غرفتى لا أفعل أي شئ سوى الجلوس على مؤخرة السرير المنظم.غرفة الفندق الآن مجرد أربعة جدران مؤقته ليست بيتى وليست ملكى .الهواء البارد الناتج عن التكيف ينتصر أخيراً بعد أن كان مهزوما مغلوب على أمره من اللحظه التى تطأ قدميها أرض الغرفه. لمسة واحده من يديها الصغير تحول جبال الثلج إلى شموس ملتهبه. أنظر الى الأشياء المألوفه داخل الغرفه ولكنها بدت غريبه عنى. أنظر الى  النيل من الشرفه فاذا به غاضباً منى يعاملنى بجفاء وكأنه أول مره يرانى. أنام على الجانب الأيمن من السرير، وأترك الجانب الأيسر مرتب منظم أمالاً فى معجزه. فى الثلث الأول من  الليل، نزلت إلى كورنيش النيل، جلست على ذلك المقعد فى نفس المكان. أتت بائعة الفل الصغيره، إبتسمت لها إبتسامة الترجى " ألا تعرفينينى؟ أنا من إشتريت منك ثلاث وردات بالماضى". تجاهلتنى هى الأخرى نفس تجاهل النيل وجدران الغرفه. أذهب الى محل السمك .. الكشرى .. هذه القهوه البسيطه فى شارع القصر العينى .. الكافيه الآخر فى التحرير .. الأوبرا ..النادى الأهلى ..خان الخليلى ... محطة المترو.. تجاهلنى الجميع وكأنى نسياً منسيا
(٦)
بحلول الثلث الأخير من الليل أصبحت أسمع أصوات قادمة من أضرحة المشايخ وأهل البيت ومكتوبه على رسائل المحبين تأمرنى بأن أعود من حيث أتيت. فهذه هى القاهرة بدونها.وعدت وحيداً كفرع يابس تتخطفه الرياح.



نداء عاجل : هيبة الدوله تملأ إستاد برج العرب

بعد أن تمت إقامة مبارة كأس السوبر التى أعادت للدولة هيبتها وكرامتها، يتوجهه كل من الساده : السيد وزير الشباب والرياضه والسيد رئيس الوزراء والسيد وزير الداخليه والسيد رئيس إتحاد الكره والسيد رئيس مجلس إدارة النادى  الأهلى بنداء خاص إلى شعب مصر الوفىّ وإلى المواطنين الشرفاء، بالتوجهه فوراً إلى إستاد برج العرب بمحافظة الإسكندريه وكل واحد يكون معاه حلّه أو جردل وأضعف الإيمان كيس بلاستيك صغير  من أجل تعبئة هيبة مصر من الإستاد.  لأن هيبة مصر رطرطت هناك وطفحت على الإستاد والشوارع المحيطه به ويتوقع الساده أن هناك إحتمال بأن  هيبة مصر الزائده ستتنتقل من برج العرب إلى مدينة الإسكندريه والمدن المجاوره إذا لم يتم السيطره على هيبة الدوله الزايده. الجدير بالذكر أن الساده المسؤولين لم يتوقعو أن هيبة مصر ستكون بهذه الكمية الرهيبة وهناك إقتراحات بتصديرها إلى الدول المجاوره التى تحتاج أى هيبة زياده

فضيحة اخري لمصر للطيران

بعض الركاب يحاولون تهدئة موظف مصر للطيران

عندما بدا الركاب بمغادرة الطياره




بعد رحله نيويورك التي وصلت الي القاهره في تمام الساعه الحادية عشر والنصف صباحا. انتظرت في المطار حتي قيام رحلة القاهره برج العرب التي كان مقرر لها ان تقوم في الساعه ٣ الا ثلث عصرا. ويالها من مسخرة وفضيحة لا تحدث في اي بلد في العالم
بعد ان أخذ الركاب مقاعدهم لا حظ الجميع عدم تحرك الطائره وذلك بسبب ان موظفي مصر للطيران من الرحلات الأخري يرغبون في الركوب معنا في نفس الرحله رغم عدم وجود اماكن كافيه لهم او لامتعتهم. حاول الموظفون علي الطائره خلق اماكن لزملائهم الموجودين بالخارج ولكنهم فشلو. تأخرت الرحله التي تستغرق اقل من ٤٥ دقيقه لساعات .مما جعل الركاب يتسائلون في غضب عن سبب التأخير . ثار الركاب علي طاقم الرحله الذين لم يراعو مصالح الناس وفضلو مصالح زملائهم فوق الجميع. هنا غضب موظفو مصر للطيران علي الارض وبدأت النقاشات من نوعية صاحبي وصاحبك واخدمني وأخدمك
ازداد غضب الركاب وصمم الجميع علي عدم ركوب الموظفين الزياده عن العدد وذلك للناحيه الامنيه ودواعي السلامه وعندها فقط طلب الكابتن من جميع موظفي مصر للطيران مغادرة الطائره !
بعد ان غادر الموظفين الطائره للخارج استمرت المفاوضات لمدة ٤٥ دقيقه اخري وكانت نتيجة المفاوضات هو قبول الكابتن(ابراهيم سليم)بركوب بعض من الموظفين بامتعتهم. ولكن الركاب لم يقبلو بذلك نظرا للأعداد الزايده من الامتعه للموظفين وعدم الإحساس بالامان. قام الركاب بمغادرة الطائره وتركها للموظفين وامتعتهم. زادت الاحتجاجات حده وقمنا بالاتصال بالأمن لتحرير محضر بالواقعه واثبات الحاله. عندما حضر الأمن طلبنا منه بإنزال كل الاعداد الزايده من الموظفين وقد كان. بعد ان غادر الموظفين الطائره وسط كلمات الاستنكار من الركاب ، قامت الرحله متاخره عن ميعادها
لا اخفي عليك مدي الخجل والعار الذي شعرت به وخصوصا ان الرحله كان بها العديد من السياح الذي اقسم بعضهم انهم لن يركبو مصر للطيران بعد اليوم وهناك سيده انجليزيه اقسمت انها لن تعود لمصر مره اخري. كيف يحدث مثل هذا التهريج في شركة حكوميه صدعتنا بها جميع الحكومات المتعاقبه.
لابد من تفسير واضح وتعقيب من المسولين علي تلك الفضيحة


ظُــنُونْ

ظن انه خطيب بليغ يضاهى عبد الله النديم فى الثوره العرابيه. ظن ان سوق زنانيرى هو ميدان عابدين القديم وان الباعة والتجار هم الخديوى وحاشيته وحُرّاسه . وقف على قفص طماطم بعد ان ظن انه مسرح كبير:
أيها الناس .. فإن كبيركم وصغيركم .. رجالكم ونسائكم .. عزيزكم ووضيعكم ..غنيكم وفقيركم .. فعندى سواء. فأما الدم فله حُرمته وللقلب فجيعته ووجعته . واليوم، وأنا أعتلى منصتى هذه وفى يدى سيفى هذا، فأنى قد وليّت نفسى عليكم فقيها ووزيراً وعالماً وحسيباً. سيقول السفهاء منكم، من ولاّك علينا، ويقول العقلاء منكم ياله من يوم للزينه. فأما العدل فأنا أهله وخليله، والظلم فأنا قاتله وقاتل نائبه ووكيله. فمن إتخذ صراطى منهجا نجى من المهالك ومن حاد عنه فهو هالك. اللهم قد بلغت، اللهم فاشهد
ظن ان الطماطم المتطايره تجاهه هى رصاصات قاتله، فهرب وفرّ وأخذ منها ساتراً وحجاباً.. وصرخ مناديا: ياحراس ..ياحراس. فلم يجد غير يدى عبد الرحيم مُخبر القسم يلسعه على قفاه قائلاً : انت تانى

!! فــنون البضانه وأولئك الذين طلبو من الدنيا بهجتها


فى سيدى بشر قبلى، تقول الأسطوره بأن عم حربى عشق عروس البحر وهام بها شوقاً وولعاً. فى إحدى لقاءاته الحميمه بها، ضربته عروس البحر بذيلها المسحور عندما رغب فى مآرب أخرى غير العشق والهوى. جُنْ عم حربى وفقد عقله ولم يبق منه غير إبتسامة دائمه وشعرة صغيره فى وجهه يبحث عنها بالملقاط ليل نهار. فى شمس النهار، يجلس عم حربى على كرسى صغير ناظراً الى االبحر، فى يده اليمنى الملقاط الشهير الذى يبحث به عن تلك الشعره المجهوله التى لم يراها احد. وفى يده اليسرى، ما تبقى من سيجاره. يقول البعض أنها غير مشتعله وإنما يحتفظ بها لغرض فى نفسه. وفى المساء، يجلس الرجل نفس جلسته متأملاً ضوء القمر عندما يعانق سطح البحر ويرسم لوحة فضيه لا يفقهها إلا عاشق. يجتمع مع عم حربى شباب من الشارع مطالبينه بأن يقص عليهم مغامراته مع عروس البحر. يفرح عم حربى بمطلبهم ويأخذهم بخيال قصّاص بارع إلى اعماق البحر شارحاً لهم أسباب الغرام ومُقدمات اللقاء ولوعة الفراق
كان لقاء هؤلاء الشباب بعم حربى هو ما تبقى له من الدنيا بجانب الملقاط ونصف السيجاره الذى لا ينتهى. يسعد الرجل عندما يرى وجه جديد ينضم إلى حكاوى عروس البحر اليوميه ويضيف الى حكاياته ما يستأثر فؤاد الوافد الجديد. كان كل مساء فى عين عم حربى هو مساء جميل حتى إنضم الى المجلس شاب عليم بفنون البضانه. وأخذ على عاتقه تكذيب روايات عم حربى وإنكار وجود شئ إسمه عروس البحر وأن هذا كله ما هو الإ خرافات وخيال عجوز. حزن عم حربى حزن شديد وإنقطع عن مجلسه وإختفى عن مكانه المفضل من البحر ونسماته. لم يخرج الرجل من شقته المتواضعه حتى مات وحيداً فى يده اليمنى الملقاط وفى مؤخرته الشعرة التى قضى عمره يبحث عنها وفى يده اليسرى نصف السيجاره
وحالنا فى الإعلام الإجتماعى كحال عم حربى. فهناك ذلك الشخص البضين الذى ينكر على صاحب الخيال خياله. فتجده ناعتاً نفسه  بأنه خبير فى شؤون كذا وكذا أو بأنه كاتب مهتم بشؤون كذا وكذا. وهذا البضين دائما هو صوت العقل عندما وجب الكُفر بالمعقول وفُرض الجنون. إنه ذلك الشخص الذى قال نعم عندما كانت اللاء فرضا وصلاة. لم يستوعب هذا البضين أن هناك اناساً أتو الدنيا وإستكنّوا لها وأصبحو للبهجة طالبين وللتهريج راغبين ولفنون البضانة رافضين. ولكنها فلسفة الدنيا القبيحه،  ستستمر البهجه و ألوان التهريج تألقاً وللأسف سيتطور معها علم البضانه 

صَاحَبْة الّفُسْتَان الابْيَضْ


وقفت أمام المرآه لتجفف شعرها الأسود الطويل بعد حمّام دافئ جعل من الغرفة الصغيرة مدينة ضبابيه عزّت فيها الرؤيا . مسحت المرآه بيدها لترى خلفها زوج أختها يدخل الحمّام ليقضى حاجته. صرخت مُستنكره: ماذا تفعل؟ لم ينظر إليها أو يهتم بما قالت و بدأ فى خلع البنطلون. كيف له أن يفعل هذا؟؟ بل كيف له أن يدخل من البدايه وهى قد أغلقت الباب من الداخل بإحكام؟ اللعنه على النسيان. يبدو انها قد نست أن تغلق الباب
خرجت لتجد الأسره كاملة على مائدة الإفطار. قالت: صباح الخير، وأخذت فى عتاب أختها على فعلة زوجها ولكن لم ينظر إليها أحداً . لا يُسمع لها صوت. لا يوجد لها مُتابع وكأنها نسياً منسياً. صرخت .. بدأت تعبث فى الطعام. رمت الأطباق من على المائده.. لم يتحرك ساكن .. لم يرمش جفن. لا يوجد رد فعل لما قامت به. ألا ترونى؟ لماذا التجاهل؟ ماذا فعلت بكم الآن. تركتهم وذهبت إلى غرفة أولاد أختها. وجدتهم يلعبون ولم يتوقف أى منهم عند دخولها. لم يعيريها أى من الصغار إهتماماً وكأنها الهواء لا يراه أحد. ولكن الهواء يشعر به الناس عندما يتلاعب بالشعور أو يصنع من الرمال عواصف. ماذا حدث لها. لماذا لا يشعر أحداً بوجودها على الإطلاق. دخلت غرفتها ونظرت فى مرآتها . تحسست وجهها و شعرها و نهديها. شعرت بوجودهم. فماذا إذن؟ بكت و شعرت بدموعها الدافئه تهبط على خدودها الورديه.
فتحت شباك غرفتها و نظرت منه لترى إبن الجيران الذى طالما سئمت تجسسه عليها ونظراته المتطاوله. ذلك الشباك الذى اغلقته لسنوات هرباً من عيونه التى لا تدعو الى شئ سوى الفجور . وقفت فى الشباك ولكنه لم ينظر إليها !! شاورت بيديها ولم ينظر.. نادته بإسمه فتجاهل النداء.. صرخت ها انا ذا. لماذا لا ترانى الآن وانت من قضيت عمرك طامعاً فى نظره أو إبتسامه.
خلعت ملابسها جميعا ووقفت فى الشباك لتزداد حرارة الجو لهيباً . كشفت عن نهديها المصنوعين من المرمر على يد نحّات بارع. وقفت أمامه عاريه وقالت هيت لك. ولكنه أبى و إستعرض . صرخت: أراغب أنت عنى الآن؟ لماذا تتجمل فى ملابس يوسف الصدّيق وانت من كنت مثالا للفجور
خرجت من غرفتها حائره عاريه . جلست على المائده مع الاسره ولم يلتفت لوجودها احد. خرجت الى البلكونه عاريه لم يهتم الماره بتلك الأنوثه الطاغيه التى كونها الله فى هذا الجسم الذى تعجز عن وصفه الكلمات. نزلت الى الشارع، السوبر ماركت، الجامعه، النادى. مشت فى كل مكان آمله ان يتذكرها أو يراها أحد .عادت الى البيت ويبدو أن الجميع قد نام . أناموا أم ماتو؟ أم ماتت هى؟ ولكن هناك حياة. هناك ناس فى الشوارع. هناك مواصلات وأسواق. هناك أطفال تلعب ومقاهى تعج بالرواد. هناك بحر وشمس وقمر. أفى الموت حياة أيضا ؟
دخلت غرفتها تنظر إلى أشيائها بعد أن جار عليها الجنس الآدمى ومنّ عليها بحق الإعتراف بالكينونه والوجود. نظرت الى سريريها و مكتبها و فتحت دولاب الملابس ووقفت أمامه تتحدث إليه تشكو من نكران البشر . لفت نظرها ذلك الفستان الأبيض الذي لم ترتديه أبداً. وتذكرت اليوم الأسود التى أشترته فيها. وتلك المعركه الحاميه التى قامت فى المنزل من أجله. غضب جميع من فى المنزل من الفستان المكشوف كما وصفه بعض أفراد العائله. كيف لفتاة محترمه أن تظهر مفاتنها بفستان كهذا. إن هذا الفستان الأبيض لا يغطى من الجسد إلا قليلا. بعد أن هدأت العاصفه وضعت الفستان جانباً ولم تنظر اليه من يومها. سألتهم فى سرها ما فائدة المفاتن إذا كان أسمى ما نصبو إليه هو دفنها بقناطير مُقنطرة من الأقمشه. لعنتهم جميعاً فى سرها. ولما السر الآن و لا أحد يسمع ما تقول وتفعل. لعنتهم جميعاً فى العلن. بل ذهبت إلى غرف نومهم واحد تلو الأخر تعلنهم وهم نيام كأهل الكهف
أخذت الفستان الأبيض من الدولاب و لبسته أخيراً بعد أن تزينت وتعطرت وعندها تحولت غرفتها المظلمه إلى قصراً درى يعج بالجمال و البهجه. وما فائدة قصر كهذا اذا كان خالى من الرعيه. ومافائدة ملكة متوجه متوهجه كصاحبة الفستان الأبيض بدون معجبين وخدم وعشاق. لا شئ يهم. نزلت من المنزل ترتدى الفستان الأبيض الذى جعل من بشرتها الخمريه ملحمة فى الجمال لا ينكرها إلا ظالم . يبظ النهدين من الفستان فى إعتراض واضح على مقاس الفستان الصغير. مشت بدون مقصد أو جهه معلومه. ذهبت إلى البحر الذى إعترف بوجودها فور وصولها بموجات عاليه ترتطم بالصخور. إبتسمت الى الموجات ا لمرتفعه و ألقت نفسها فى البحر دون تردد. غريق ..غريق ..غريق ..نادى منادى .. يا حول الله يارب .. يا حول الله يارب يا حول الله يارب.. ردد جموع الناس وهم ينظرون الي الجثه

مِشــْوار عَلى البَحْر


مسك يديها و كأنه مسك الدنيا من مشرقها إلي مغربها : الحلم  و المال و الجاه و السلطه
 . كل ذلك من مجرد لمسة يد. خاف ان يترك يديها لحظه،  فيضيع كل هذا من بين قبضته الحديدية. يسرع من خطواته  و تجد هي صعوبة في مُجاراة تلك الخطوات الواسعه. لا يتمهل أو يبطئ في مشيته العسكريه و كأنه لص  سارق يخشي ان يوقفه شرطي ليسأله من أين لك هذا. اشتكت من الإجهاد و طلبت الراحه فالمشوار لازال طويلا كما قال لها . جلسا علي أريكه مطله علي البحر في نهار شمسه  ساطعه . وقف من مجلسه  ليحمي بشرتها  الورديه من الأشعة الملتهبة . صنع من كتفيه العريضين مظلة . فإن كان الأمر بيده لوضعها في عينيه و أغلق رموشه عليها، أو ربما حلّت هى  مكان قلبه لتنبض بدلا منه لتضخ الدم فى الشرايين . و أضعف الايمان ان يحملها بين ذراعيه في خوف و شفقه كأم حديثة العهد بالأمومه و تخشي علي مولودها الصغير من نسمة الهواء. لا يريد ان يستعجلها و يأخذ من الراحه التي طلبت منها قسطا و نصيبا . و لكنه يريد ان يكمل المشوار . اشفقت عليه من حرارة الشمس التي  لا يزال يتحملها و يحميها منها . هي جالسه علي الأريكه و هو واقف أمامها يغيّر من زاويته عندما تغييّر الشمس من اتجاه أشعتها . نظرت اليه و رمقته بابتسامه تُثلج الصدور و تجعل من جحيم النار بردا و سلاما آمره بتكمله المشوار التي لا تعرف عنه إلا انه معه -  و هذا يكفي . لم تسأله عن القبله و المقصد من المشوار  . تعود خطواته العسكريه لتخبط الأرض في قوه و عنفوان يقابلها رقه و وهن ممن تتعلق بيده كورقة شجر تتلاعب بها النسمات الصيفيه. يخرج من شارع و يدخل آخر و هي معه أمنه مستسلمه  في قلبها الحلم و في يدها الأمن و الأمان . يسرع أكثر من خطواته راكضا  و كأنه يطارد أملا يرغب في الهروب . و هي معه يديها الصغيرة كادت انت تختفى  في يديه الكبيره الدافئه . لم تسأله عن السبب في الإسراع أو الأبطاء في الخطي . و كيف لها و هي من آمنته علي ما هو أغلي وأثمن من عدة خطوات
أبطأ من خطواته عندما دخلا شارع صغير ربما لم يمش فيه أحداً غيرهما من قبل. قال في لهجه فيها انتصار لقد اقتربنا . يخرج من الشارع الصغير الضيق المظلم ليري البحر الفسيح التي ضربت الشمس موجاته بأشعتها الذهبيه لتخلق جو ملائكي . لا تري علي الشاطي سوي منزل صغير علي البحر . ترك يدها لتنطلق هي كسهم صائب يعرف وجهته و مقصوده . تجري كطفله صغيره في مدينه الألعاب المسحوره أو فى متجر للحلوى . و قفت أمام المنزل سائله بصوت طفولى فى خباثة الأطفال عندما يسألو سؤال يعرفون إجابته : لمن هذا ؟ قال : هو لكي ، فقد قلت لكي تمني عليّ ، فأجابتي : بيت علي البجر . إذن فهو بيتك و سلطانك . قالت :هو لنا. فيه نحيا و فيه نموت و فيه نلقي الله



عــِــيدْ مــِيــلادْ سـَعـِيدْ

اخذت الدكتورة آمال أجازة من الجامعه العريقه التى تعمل بها فى أحد الدول الأوربيه. فالأسبوع القادم ستقوم بزيارة وطنها الأم بعد طول إنقطاع وإنتظار. أخيراً، ستقوم بحضور عيد ميلاد شقيقتها الصغرى أحلام التى ستدخل نادى ذوات العشرين وتصبح إمرأه صغيره. مرت الأيام بسرعه البرق يا آمال، ها هى أحلام التى كانت طفلة صغيره تعبث بأوراقك الدراسيه عندما كنتى تذاكري للثانوية العامه قد كبرت و دخلت الجامعه.غداً ستحب و تعشق وربما تتزوج وتصبح أم . لم تر آمال شقيقتها منذ عقود لظروف السفر والدراسه. كانت تتألم عندما تتحدث معها فى التليفون و تسألها الصغيره اذا كانت ستحضر اى من أعياد ميلادها. و كانت الإجابه دائما لا. حيث العمل والغربه والظروف. اللعنه على الظروف. تلك الكلمه البسيطه التى علّق عليها الإنسان الأسباب منذ بداية الخليقه. اللعنه على عوائق الاحلام والمسافات و فروق التوقيت و ما تسبب فيه من فروق فى الحياة

كانت آمال بالنسبه لأختها الصغير أم ثانيه فوق امها الحقيقيه. كان هى من تدلعها وتسمح لها بالممنوعات من شيكولاته وحلوى وعدم إحترام مواعيد النوم الصارمه التى وضعتها والدتهما. و كانت أحلام بالنسبه  لآمال الإبنه التى لم تحمل بها وتلدها. كانت امهم هى رمز الصرامه والقوانين فى الأسره الصغيره. كان صوت الحق و مزمار الغلط والعيب والحلال والحرام. وكان الاب رقيق القلب عادل. قام بتربية الأختين على احسن وجه !كان يعاملهن كولدين احيانا. علمهن الرمايه وحب الرياضه. سمح لآمال بالسفر والغربه بمفردها منذ الصغر حتى حصلت على أرفع درجات التعليم فى جامعات عريقه. نست أو تناست آمال الزواج والحب والجنس الآخر. و لم يجبرها والدها على تقبل اى شئ لم تقتنع هى به. كانت ترى نظرات امها الحزينه لها لعدم رغبتها فى الزواج ولكنها كانت دائما ترسم البسمه والفخر على الوجوه بتفوقها العلمى والدرجات الرفيعه التى وصلت و تدرجت إليها. تذكرت آمال كل هذا و هى تقوم بتحضير حقيبة سفرها و على وجهها ابتسامة قلب مفعم بالإشتياق. تذكرت أيضا تلك الليله الصيفيه الجميله عندما كانت تجلس فيها الأسره فى بلكونه منزلهم المطل على البحر. جلس الأربعه يتسامرون وتعلو الضحكات حتى ساعات الفجر الأولى. عندها تذكرت عندما مزح معها والدها عن سبب تسميتها بإسم آمال ولما إختار أحلام للأخت الصغرى. وكيف أنه رفض أن يبوح لها بسر الإسمين. وقال لها سيأتى اليوم المناسب لمعرفة السبب. حين ذاك لسعتها قشعريرة من بلاد الشرق الدافئه لتنتصر على صقيع الدوله الاوربيه والعيون الزجاجيه.

إنتهت آمال من تجهيز الحقائب وتركت مكاناً خاصاً للهدية التى سوف تقوم بشرائها لأختها الصغرى. لابد من شراء شئ خاص ثمين فى باطنه الحب كله و فى ظاهره اعتذار رقيق على عدم حضور اعياد الميلاد السابقه. لكن ماذا تشترى آمال. فأموال الدنيا لاتغنى عن لحظه جميله مع من تحب او ذكرى ترسم على وجهك الابتسامه. ولكنها الدنيا والظروف الجاهزه دوماً وأبداً لخلق الأعذار
وجدت آمال غايتها ومُقصدها فى سلسلة ذهبية أنيقه تتدلى منها عروس البحر. وكم تحب أحلام عرائس البحر وحتى هذه اللحظه فهى مقتنعه بل مؤمنه كل الإيمان ان عروس البحر كائن موجود ووجوده حق كحقيقة الارض والسماء والشمس والقمر والخير والشر.

ركبت آمال سيارة التاكسى من المطار قاصدة مسكنها فى ذلك الحى العتيق. جلست فى  المقعد الخلفى وهى  تبتسم كطفلة صغيره فى طريقها الى مدينة الالعاب المسحوره. المسافه من المطار الى مسكنها لا تتعدى النصف ساعه ولكنها مرّت كنصف قرن. إنه الإشتياق للأهل ولكل ما قد مضى ولم يبقى منه إلا ذكرى ترسم ابتسامة ما عند الحاجه والضيق.
نزلت آمال من التاكسى واعطت له كل ما تملك من مال وشكرته بحرارة. نظرت الى الشارع ورأت سيارات كثيره تقف على مقربة من منزل الأسره. تعرفت آمال على بعض من السيارات : فهذه سيارة عمها الأكبر وتلك سيارة خالتها وأولادها. أبتسمت آمال وقالت أن الاسره بأجمعها هنا للإحتفال بعيد ميلاد آحلام. يا له من يوم لا ينسى. اندفعت آمال نحو الباب ولكنها وجدته مفتوح ! دخلت بهدوء حتى تفاجئ الجميع بوصولها. لم تجد آمال بالونات  أو شموع أو موسيقى او بهجة الوان عيد الميلاد ولكنها وجدت دموع وملابس سوداء و سكينه هبطت على من بالمنزل جعلتهم كأعجاز نخل خاويه. و قفت آمال فى منتصف الغرفه صامته ساكنه كحقيبة سفرها التى تركتها على الباب. لم تنطق بحرف واحد، و أجاب الحضور صمتها هذا بدموع و آهات مكتومه كصرخات قتيل يتسجير من اعماق الارض. لم تعِ آمال ما قد حدث . لم تسأل عن نوع المُصاب و لكنها نظرت سريعا للوجوه فوجدت الجميع  إلا آحلام صاحبة العُرس، ذات العشرون ربيعاً !!

إستيقظت آمال لتجد نفسها فى سرير لأحد المستشفيات. لا تعرف اين هى وماذا حدث. نظرت على يمينها لتجد محلولا ما قد عُلّق فى يديها ، وعلى يسارها وجدت والدتها نائمه على مقعد قريب من السرير. بكت آمال بكاء المظلوم الذى يستغيث فى منتصف الليل. ايقظت دموعها والدتها لتشاركها البكاء هى الأخرى. لم ينطق اى منهما بجملة مفهومه أو كلمه مفيده تتبع علوم  اللغه من النحو و الإعراب ولكن لغة الدموع هى  اللغه التى تخاطبن بها الإمرأتين. من يصبر الآخر فى موقف كهذا؟ من يمتلك شجاعة العقلاء ليواسى الآخر ويأخذ على يديه؟ ماتت آحلام فى عيد ميلادها العشرين . ما تت احلام من غير أن تراها آمال وتقدم لها عروسة البحر الذهبية. ماتت آحلام من غير أن تتقبل أعتذار آمال على الغياب والإنقطاع بحثاً عن الشهادات والدرجات العلمية الرفيعه. أين أنت يا تلك الظروف حتى أخلق الأعذار؟

وقفت آمال بجوار أبيها أمام قبر آحلام. ترتدى الأسود ، أخفت عينيها الذابله بنظارة سوداء تغطى نصف وجهها. تحمل فى يمينها باقة من الزهور يتوسطها سلسله عروسة البحر الذهبيه. تلك الهديه التى لم تصل لمن كُتبت له. تلك الهديه التى لم يكتب لها أن ترى الإبتسامه فى عينى آحلام عندما تراها. لم تستطع النظارة السوداء من إخفاء الدموع.  ربت الأب على كتفى آمال وقال لها : عندما تضيع الآحلام، سيكون هناك آمال لتخلق آحلام جديده. نظرت اليه آمال بإستغراب ولم تع ما يقول. نظر اليها وهو يمشى بعيداً عن القبر قائلا: كان هذا السبب وراء الإسمين آمال و آحلام.


! ولِلصَبْر عَطَارّاً

دخل صلاح كلية الطب مُلبياً رغبة أبيه العطار الكبير الذى طالما حلم أن يناديه الأهل و الخلان بأبو الدكتور. كان الحاج عمران من أكبر العطارين و التجار وكان رجل كريم خيّر. كان مؤمن كل الإيمان بأن الفرق الوحيد بين دكانته البسيطه و كلية الطب هى الشهادة الجامعيه فقط. فكلية الطب تعلم الطلبه كيفية مداواة الجراح و العلل و كذلك دكانة العطاره التى ورثها أباً عن جد. بل آمن الرجل بأن دكان العطارة أعظم شأناً و أرفع مقاما حيث يوجد فى هذه الدكانه علاج لأمراض لا يعرفها الطب مثل السهد و الفراق! فكان صلاح بالنسبة للحاج عمران هو الشهادة الجامعيه التى ستتمم موسوعة دكانة العطاره وبها سيحفر إسم الدكانه فى الخلود الأبدى

تعود صلاح أن يقضى أجازته الصيفيه فى الدكانه منذ المرحله الإبتدائيه، كبر فى الدكانه و عرف ما بها من أسرار و عبر. عرف أن 
هناك نوعا من العطاره لعلاج المعده و هناك صنف آخر للصداع و هذه تحويجه لجلب الرزق و البنين و الأزواج! كان صلاح أديباً كارهاً للطب و العلوم، يعشق الكتابه والآداب فكتب عن العطاره و أصنافها و ما ذُكر عنها و فيها. كتب عن جميع الأصناف  و الأنواع الموجوده فى الدكانه و لم يترك شيئاً غير تلك العُلبه النحاسيه التى وصفها والده بأن فيها خلاصة الصبر فى دواء القلب! لم يهتم صلاح بهذا الإسم بل سخر منه أحيانا حتى دخل كلية الطب و أصبح طبيباً متخصصا فى القلب و آهاته. و عندها بدأ صلاح يسأل نفسه عن علاقة القلب بالصبر و تمادى الشاب فى حيرته. و ما علاقة الصبر بالعطارين و العطاره من الأساس؟ كلما زادت الأسئله فى عقل الطبيب العطار، كلما زادت رغبته فى فتح تلك العلبه النحاسيه عسى أن يجد بداخلها الجواب.

بدأ صلاح فى كتابة ما يمر بخياله عن تلك العلاقات و إقتنع بأن القلب هو أكثر أعضاء الجسم صبراً و جلداً. و لما لا؟ و هو العضله الوحيده التى لا يراها أحد عندما تكون موجوعه بألم الفراق و هو أيضاً العضله الوحيده التى اذا صلحت، صلح الجسد كله.
أصبح ذلك شغله و شاغله. راقب والده مراراً فى كل مره يفتح فيها تلك العلبه النحاسيه و يعطى زبائنه بعض منها و على وجهه إبتسامة الحكيم المُقتدر. لاحظ صلاح بعد عدة شهور من التدوين عن العلبه النحاسيه أن معظم الراغبين فيما بها هن شابات يملأ الحزن أعينهن رغم إستحواذهن على ما تبقى فى هذه الدنيا من جمال. 

كانت تلك السمراء أجملهن بلا منازع أو نظير. زاد جمالها درجات كما زاد الحزن الساكن فى عينيها! إستمرت فى القدوم للدكانه يوماً بعد الآخر بلا يأس، تدمع عيناها و يقوم والده بفتح العلبه المسحوره و إعطائها القليل من ما بداخلها بعد أن يهز رأسه يميناً و يساراً تضامناً مع حزنها و رفقاً بما وصلت إليه. لم يستطع صلاح تشخيص حالة السمراء بالنظر إليها فقط، فكل ما كان يراه هو دموع تتساقط على إستحياء من عينيها الواسعتين. و كيف له معرفة ما تشكو منه السمراء و هو بعلوم القلب مازال حالماً ! إذا كانت العلبه النحاسيه هى 
خلاصه الصبر فى علاج القلب كما يدعى والده فكيف بهذه الفتاه ان تأتى كل يوم؟ و لما لم تُشفى بعد؟

لم يجد الشاب بداً غير أن يتتبع السمراء بعد أن خرجت من الدكانه لمعرفة مقصدها و وجهتها. خرج ورائها من الدكانه يراقب خطواتها الضعيف الثابته حتى وصلت الى نقطه هادئه على شاطىئ البحر و وجدت صخرة كُتب عليها شعارات غراميه و إتخذت منها مجلساً و مقاماً. اخرجت من حقيبتها كتاب ما و أخذت تقرأ من الكتاب و تنظر ألى البحر و كأنها أم شابه تقرأ قصه قبل النوم لطفلها الصغير. ازداد صلاح حيرة فوق حيرته و لم يع شئ مما رأى. و مع غروب الشمس تركت السمراء مقعدها و ذهبت الى منزلها القريب من البحر. وقف صلاح قليلاً أمام المنزل آملاً أن يرى شيئاً يساعده فى معرفة القليل عن السمراء الجميله و قبل أن يغادر مكانه وجدها تفتح شباك المنزل المطل على البحر و أخرجت نفس  الكتاب و أخذت تقرأ!

عاد صلاح الى منزله هو الأخر تقتله الفضيله و الحيره معاً . قضى ليلته يفكر فى تلك الفتاه الحزينه و ما تخفيه ضلوعها الواهنه من اسرار! اللعنه على العلبه النحاسيه وما تحتويه . اللعنه على دكانة العطاره وكلية الطب ! بل اللعنه على النفس البشريه التى تعقدت و تشعبت  فأصبح من المستحيل فهم ما تحويه من مشاعر و ألغاز
تكررت زياراتها للصخره الموعوده و مراقبة صلاح لها .حتى قرر فى يوم ان يتحدث إليها ويسألها عن ما بها وما هو السبب وراء ما آلت اليه. 

بلا شك سوف يعرف ما بالعلبه النحاسيه اذا عرف العله والشكوى. تبعها حتى جلست الى الصخره وقبل أن تخرج كتابها رأت صلاح واقف أمامها كملاك الموت الذى لا يقبل سبباً ولا معذره. قبل ان يفتح فمه بكلمة رفعت هى عينيها ناظرة اليه
وقالت: أنت الدكتور صلاح ابن عم عمران العطار. صح؟
صلاح: أيوه انا.أنا صلاح .. كنت عاوز ....
السمراء: كنت عاوز ايه يادكتور؟ وإيه اللى جابك هنا فى المكان ده؟
صلاح: بصراحه .. انا بقالى كام يوم بأمشى وراكى بعد ما شفتك فى الدكانه. و عرفت انك بتقعدى هنا
السمراء: خير يا دكتور عاوز تعرف ايه؟
صلاح: عاوز اعرف انت ليه دايما بتعيطى وليه حزينه كده و  الحاج عمران بيديكى ايه من العلبه دى؟ وايه الكتاب اللى بتقريه ده؟ و بتقريه لمين؟
بكت السمراء وكأن صلاح قد أخذ خنجراً وطعنها به فى القلب! لم يعرف ماذا يصنع بعد ان سألها هذه الأسئله. ودّ ان يجرى هرباً أو يعتذر أو يلقى بنفسه فى البحر العميق من الخجل. من أنت حتى تتدخل فى خصوصية من لا تعرف؟ كيف لك أن تتعدى على شئ مدفون فى الأعماق وأتيت أنت تزيح ما قد غطاه من ايام و تغتال ما به من ذكرى. إعتذر صلاح للسمراء و طلب الصفح و الغفران وشرح لها أنه لم يقصد ان يضايفها. وهمّ بالرحيل ولكنها استوقفته قائله
انا بقالى 3 سنين باجى هنا فى المكان ده. البحر خطف شخص عزيز فى المنطقه دى و هو بيقرأ الكتاب ده. و كل يوم اجى هنا و أقرأ له م الكتاب يمكن يرجع تانى أو على الأقل البحر يوصل له كلامى ده.
صلاح: يعنى الشخص ده اتوفى الى رحمة الله ؟ غرق فى البحر؟
اجابته بدمعتين ليس أكثر لتكتب بهما كلمة : نعم
صلاح: طيب.. البقاء لله وربنا يصبرك. بس إيه علاقة اللى الحاج عمران بيدهولك من العبله النحاس؟
السمراء: الحاج عمران بيدينى خلطه للأمل .. ترجع اللى غايب واللى راح
صلاح و قد بدت على وجهه آلاء الغضب والإستنفار: ترجع اللى غايب ازاى؟ والحاج عمران قالك ايه عن اللى فى العلبه دى؟
السمراء: انت بتسألنى أنا يا دكتور. المفروض تكون انت عاروف اكتر منى. دا  الدكانه بتاعتك وعم عمران ابوك
تركها صلاح و لم ينطق بحرف آخر. كيف بخلطة الامل أن ترجع من مات وغرق و كيف لإنسان عاقل مهما كان مصابه و وجعيته ان يصدق بشئ كهذا. اللعنه على النفس البشريه

وجد صلاح نفسه واقفا امام ذلك الرف الذى تسكنه العلبه النحاسيه. ينظر الى تلك العلبه التى يعلم الله و الحاج عمران ما بداخلها. اقترب صلاح منها وهمّ ان يفتحها حين أوقفه صوت ابيه آمراً
بتعمل ايه يا صلاح؟
صلاح: عاوز اعرف ايه اللى فى العلبه دى يا حاج؟ ايه خلاصة الصبر وايه الامل الموجود فى علبة قديمه زى دى. انا قابلت البنت السمرا ء وحكت لى على كل حاجه. والمسكينه كل يوم تروح البحر تقرأ م الكتاب عشمانه ان الغريق يرجع
الحاج عمران: و ايه المشكله فى كده يابنى ؟ البنت دى زيها زى غيرها كتير من الناس. زى و زيك. عارفين ان الحقيقه شئ بس بيدور على اى حاجه فىها امل حتى ولو خيال
صلاح: انت بتنصب على البنات دول يا حاج !! الحاجه اللى فى العلبه دى عمرها ما هترجع ميت ولا تكتر رزق ولا تغير مكتوب.

كانت هذه الكلمات آخر ما قال صلاح فى دكانة العطاره. بل آخر ما كلم به والده الحاج عمران. اخذ صلاح العلبه النحاسيه معه و ترك نفسه لخطواته الحائره. يمشى على كورنيش البحر متأملاً الوجوه البائسه متسائلا عما اذا كان اى من تلك الوجوه قد زار الحاج عمران طالبا الأمل والمستحيل. ودّ صلاح ان يقف فى قارعة الطريق صارخاً بان العلبه النحاسيه التى يحملها فى يده ما هى إلا كذب و إدعاء. ودّ الطبيب الشاب ان يشرح لك من يقابله بأن الموت حق و الفراق حق. ذهب صلاح الى الصخره التى تجلس عليها الحسناء السمراء و فى يديه العلبه النحاسيه التى ظل طيلة حياته يتسآل عما بداخلها. أخذ ينظر الى تلك العلبه كطفل صغير فى ليلة العيد يتأمل الهدية التى وعده والده إياها. يقلبها ذات اليمين وذات الشمال و هو قابع على الصخره التى أصبح اثقل منها وزناً وهماً. قام صلاح من مقعده و لعن النفس البشريه مرة أخرى و نظر نظرة أخيره إلى العلبه النحاسيه التى رماها فى أعماق البحر

نيويورك نوفمبر 2011