Showing posts with label قصة. Show all posts
Showing posts with label قصة. Show all posts

لماذا قتلت يوسف؟

أمطرتْ في عيون "غالية" السوداء الواسعة سحابة حزن. لم تتكحل كالعادة وتبعثرت رموشها الطويله فى عشوائية:

-    لماذا قتلتْ يوسف؟

سألتني وألقت بجسدها على مقعد أمام مكتبي:

-    كان لابد أن يموت.. لقد أخطأ

-    لو قتلتْ كل الخطائين، انقرض البشر من الأرض

-    لكنه أخطأ في حق من يحب

-    كل العشاق مذنبون

-    إذن، ينال عقابه

-    في أي دنيا تعيش؟ انظر حولك.. يحكمنا المجرمون

-    أنا أحقق العدالة بين طيّات الورق

-    لن أقرأ لك سطرًا بعد اليوم

-    لا أصدقكِ

قامت وأشهرت سبابتها في وجهي:

-    غيّر النهاية إذن وتذكّر جيدًا، لن يبق لنا شيئا إن خلت الكتب من السعادة!

 

أخذتُ ورقة بيضاء، ورُحتُ أقتل يوسف بألف طريقة جديدة



غالب غريب - خاضعًا للعقل (8)

 


أراد غالب غريب مؤخرًا التمرد على العقل نفسه الذي خضع له طوال حياته، ورغب في الخروج عليه حتى وإن كان بصورة مؤقتة.

يلعن ضعفه المتجسد في حنايا قلبه وقسوته المنتشرة في فصوص عقله

الخير والشر فتنة. قال لنفسه 

نعم.. هما فتنة زرعها الإله في الإنسان .أي حياة تلك التي كلها اختيارات.. وأي إله هذا الذي خلق الإنسان كي يختبره؟

لعن أيامه ونزل إلى العمل


غالب غريب - الحب والمقاومة: الاستمتاع بحزن العالم (3)

 



استيقظ غالب غريب وهو يشعر أن في رأسه كرة مطاطية تضربها مضارب كثيرة. تمنى لو أن يصرخ وهو يستمتع بحزن العالم يتسرب أسفل قدميه مثل حمم بركانية لبركان هائج.

استحضر ما قالته لينا عصفور ذات مساء:

  • أنت تحرم نفسك من الأفضليّن

  • الأفضليّن؟

  • نعم.. الحب والصراخ

سكت. لا يفهم.

  • الحب نجاة، فانجو بالحب ولا تكن غبيًا. والصراخ مقاومة فلا تحرم نفسك -على الأقل- من الصراخ في وجه العالم


مرت سنين على كلامها، ولا زال غالب عاجزًا عن الاقتراب من أي من الفعلين.. الحب أو المقاومة


لا غائب يعود

 


نُشرت في موقع 100 كلمة 3 أغسطس 2023
------------------------------------------

في 8 يوليو 1998، ودعتُ أمي:

"سوف أنتهي من دراسة الماجستير وأعود."

في شقة نيويورك لم أتسامر مع سُكانها التسعة إلا قريبي الذي استضافني وعجوز اسمه محمد فالح الذي كان عائدا إلى البلاد في إجازة بعد عدة أسابيع من وصولي. حكى لي وهو يقوم بتحضير حقائبه بعد شراء الهدايا والطلبات:

".كانت زوجتي تبكي وأنا أودعها أول مرة. قلت لها لا تبكي يا وفاء، سنتين وأعود"

كان يقص عليّ هذه الحكاية وهو يتمم ثلاثين عامًا في الغربة.

دخل مكتبي في الجامعة اليوم، 28 يونيو 2023، طالبًا من البلاد يطلب توقيعا. سألته:

-جديد؟

-أسبوع.

-وكم ستبقى؟

-سوف أنتهى من الماجستير وأعود.

غالب غريب - لحظات قديمة سعيدة (6)




 استيقظ غالب غريب هذا الصباح منتشيًا بعد أن اكتشف أن هناك لحظات سعادة قديمة لا يمكن أن تمحوها الأيام. كيف عرفتهُ وكيف عرفها، كيف أحبتهُ "لوليّة" وكيف أحبها، وكيف تركتهُ وكيف ترك لها في عقله وقلبه فراغ مُريح.

هندم ملابسه وتجاهل وهو ينظر في المرآة إلى  ما فعلته السنين في وجهه وشعره:
-  هذا يوم سعيد

ضحكَةَ أُمِّهَا

 


بعد شهور من الصدمة ومحاولة فهم كيف تموت الأمهات. نعم.. مجرد الفهم لا التقبل. فهي رفضت قبول هذا الرحيل.. على الأقل في الوقت الراهن. تنتظر ما يقولونه عن الزمن وفعل النسيان. تُقسم أشياء أمها في صناديق ومجموعات تحتفظ ببعضها وتتبرع بالكثير. مع كل قطعة ملابس، حذاء، اكسسوارات، كانت تستدعي ذكرى وتبتسم. المهمة التي المفروض أن تستغرق عشر دقائق، أخذت أكثر من ساعة. تجلس على طرف السرير وفي يدها قطعة ملابس. تشم فيها رائحة أمها. للأمهات رائحة مميزة مكتسبة من الجدّات حتى وإن اختلفت الرائحة. انتهت في بداية المساء.. فتحت شباك الغرفة أملا في الخلاص من رائحة الموت ولزوجة الفراق. عندما ملأت صدرها بهواء الشتاء البارد، وقع نظرها على صورة قابعة على طاولة صغيرة بجوار السرير تتوسط الكثير من علب الأدوية التي نست أن تضعها مع الأدوية التي ستتخلص منها. تضحك أمها في الصورة وهي تضع ذراعها على كتفها. عادت مرة أخرى إلى حرف السرير الذي لا زال يحمل شكل ودفئ مؤخرتها . رأت في الصورة تفاصيل الضحكة لكنها لم تسمعها. اعتدلت في جلستها وتمللت محاولة مرة أخرى أن تستدعي من مقاعد الذاكرة نغمات هذه السعادة التي نطلقها عند الفرح. راحت تبكي.. تبكي ليس لأنها لم تبك عندما ماتت أمها، بل تبكي لأنها لا تتذكر صوت ضحكة أمها


(مُترجم)- قصة قصيرة : (روي سبيفي)





جلستُ مرتين بجانب رجل مشهور على متن طائرة.  الرجل الأول كان (جيسون كيد)، لاعب كرة السلة في فريق (نيوجيرسي نتس). سألته لماذا لم يسافر في الدرجة الأولى؟

 فقال إن: ابن عمه يعمل مع خطوط يونايتد.

- ألن يكون هذا سببًا إضافيًا للحصول على الدرجة الأولى؟

 قال وهو يمدد ساقيه في الممر:

- عادي

لم أعلّق على ما قاله، لأن ما الذي أعرفه أنا عن خصوصيات وعموميات كونك أحد المشاهير في عالم الرياضة؟  لم نتحدث بقية الرحلة. 

لا أستطيع ذِكْر اسم الشخص المشهور الثاني، لكني سأقول إنه من نجوم هوليود الذين تخفق لهم القلب ومتزوج من نجمة واعدة شابة جميلة. أيضا، يوجد الحرف "V" في اسمه الأول.  هذا كل ما أستطيع... لا يمكنني قول أكثر من ذلك. فكرّ في التجسس.  حسنًا، أخيرًا، وهذا كل شيء حقًا.. سأطلق عليه اسم (رُوي سبيفي)، وهذا جناس مطابق لاسمه تقريبًا.

لو كنتُ شخصًا أكثر ثقة بنفسي، لما كنت تطوعت للتخلي عن مقعدي في رحلة مزدحمة، ولما تم ترقية مقعدي إلى الدرجة الأولى، ولم أكن لأجلس بجانبه.  كانت هذه مكافأتي لكوني ضعيفة لا أعترض.  لقد نام طوال الساعة الأولى، وكان من المذهل رؤية وجه مشهور يبدو ضعيفًا وفارغًا هكذا.  كان مقعده بجوار النافذة ومقعدي على الممر، وشعرت كما لو كنت أراقبه، أحميه من الأضواء الساطعة والمصورين.  

نم، أيها الحاسوس الصغير، نم.  في الواقع، إنه ليس صغيراً، لكننا جميعًا أطفال عندما ننام.  لهذا السبب، كنت أترك الرجال الذين أواعدهم يروني وأنا نائمة في بداية علاقتنا.  هذا يجعلهم يدركون أنه على الرغم من أني خمسة أقدام وأحد عشر بوصة طولا، فأنا ضعيفة وأحتاج إلى العناية.  الرجل الذي يستطيع أن يرى الضعف في “عملاق" يُعرف عنه أنه رجل بالفعل وسرعان ما تجعله النساء القصيرات يشعر بالضيق تقريبًا، وهو من الآن لديه نقطة انجذاب للنساء طويلات القامة.

تحرك (روي سبيفي) في مقعده وهو يستيقظ.  أغلقتُ عينيّ بسرعة، ثم فتحتهما ببطء، كما لو كنت أنا أيضا نائمة، لكنه لم يفتح عينيه بعد.  أغلقت عينيّ مرة أخرى وفتحهما على الفور، ببطء، وهو يفتح عينيه ببطء. والتقت أعيننا، وبدا كما لو أننا قد استيقظنا من نوم واحد، من حلم حياتنا كلها.  أنا، امرأة طويلة ولكن غير مميزة؛ وهو جاسوس مميز، في الحقيقة، لم يكن مجرد ممثل، لم يكن مجرد رجل، ربما مجرد صبي.  هذه هي الطريقة الأخرى التي يمكن أن يؤثر بها طولي على الرجال: الطريقة الأكثر شيوعًا: أن أصبح أمًا لهم.

تحدثنا بلا انقطاع لمدة الساعتين التاليتين، كانت محادثة تدور حول كل شيء على وجه التحديد.  أخبرني بتفاصيل حميمة عن زوجته الجميلة، (السيدة م). من كان يظن أنها بكل هذا الاضطراب؟

- "أوه ، نعم ، كل شيء في التابلويد "الصحف الصفراء" صحيح."
- صحيح؟
- نعم، خاصة فيما يتعلق باضطرابات الأكل. "
- لكن الخيانة الزوجية؟
- لا. لا خيانة زوجية. بالطبع لا. لا يمكن أن تصدقي (الكآبة) الجرائد الصفراء. أو علامات التبويب ".
- كآبة؟
- نسمي صحافة الجرائد الصفراء بالتابلويد: الكآبة.  أو علامات التبويب. 

عندما تم تقديم الوجبات، شعرت كما لو أننا نتناول الإفطار في السرير معًا، ولمّا قمت من مقعدي لاستخدام الحمام قال مازحا:

- ستتركينني!

قلت:

- "سأعود

وبينما كنت أسير في الممر، كان العديد من الركاب يحدقون بي، وخاصة النساء.  انتشر الخبر بسرعة في هذه القرية الصغيرة الطائرة.  ربما كان هناك حتى بعض كتاب "الكآبة'' على متن الرحلة.  بالتأكيد، كان هناك بعض قراء "الكآبة والصحف الصفراء".  هل كنا نتحدث بصوت عال؟  بدا لي أننا كنا نهمس.  نظرت في المرآة أثناء التبول وتساءلت عما إذا كنت أبسط شخص تحدث إليه على الإطلاق.  

خلعت بلوزتي وحاولت أن أغسل تحت ذراعي، وهو أمر غير ممكن حقًا في مثل هذا الحمام الصغير.  رميت حفنة من الماء باتجاه الإبطين ولكن الماء سقط على تنورتي المصنوعة من نوع القماش الذي يتحول إلى لون أغمق عندما يتبلل.  كان هذا موقفًا صعبا وضعت نفسي فيه.  تصرفت بسرعة، خلعت تنورتي ونقعتها كلها في الحوض، ثم عصرتها وارتديتها مرة أخرى بعد أن قمت بفردها بيديّ.  كانت التنورة كلها غامقة اللون الآن.  مشيت عائدة في الممر وأنا حريصة على عدم لمس أي شخص بتنورتي الغامقة.

عندما رآني (روي سبيفي) صرخ:

- قد عدتِ
- ضحكتُ وهو يقول:
- ماذا حدث لتنورتك؟

جلستُ وشرحت الأمر برمته، بداية من الإبطين.  كان يستمع بهدوء حتى انتهيت.

- فهل تمكنت من غسل إبطيكِ في النهاية؟ 
- لا
- هل رائحتهما كريهة؟
- أعتقد ذلك
- أستطيع أن أشمهم وأخبرك
- لا!
- لا بأس.  إنه جزء من العمل في السينما
- حقا؟
- نعم.. هيا دعيني...

انحنى وضغط أنفه على بلوزتي:

- إنها كريهة الرائحة.
- حسنًا، لقد حاولت غسلهما

لكنه كان واقفًا الآن، يتسلق من جانبي إلى الممر ويفتش في كابينة الحقائب العلوية.  سقط مرة أخرى في مقعده بشكل درامي، ممسكًا بزجاجة في رأسها مضخة.

- إنها معطر الجو" فيبريز “.
- أوه، لقد سمعت عن ذلك
- "يجف في ثوان، ويأخذ معه الرائحة. ارفعي ذراعيكِ

رفعت ذراعي وبتركيز كبير قام بضخ ثلاث بخاخات طويلة تحت كل كُم

- من الأفضل إبقاء ذراعيكِ متباعدين حتى يجف ".

فردت ذراعي حتى امتدت إحداهما إلى الممر وذراع أخرى عبرت فوق صدره، حتى ضغطت يدي على النافذة.  أصبح من الواضح فجأة كم كنت طولية.  فقط امرأة طويلة جدًا يمكنها تحمل مثل هذا الجناح.  حدق في ذراعي أمام صدره للحظة، ثم زمجر وعضها.  ثم ضحك، وضحكت أنا أيضًا، لكنني لم أعرف ما كان هذا، عض ذراعي!

- ما كان هذا؟
- هذا يعني أنني معجب بك!
- أوك
- هل تريدين عضيّ؟
- لا
- ألستِ معجبة بي؟
- بلا.. أنا معجبة بك
- هل لأنني مشهور؟
- لا
- فقط لأنني مشهور لا يعني أنني لست بحاجة إلى ما يحتاجه الآخرون.  هيا، عضني في أي مكان.. عضي كتفي

أزاح سترته للخلف، وفك الأزرار الأربعة الأولى من قميصه، وسحبه للوراء، وكشف عن كتفًا كبيرًا مدبوغًا.  انحنيتُ بسرعة كبيرة وعضضت كتفة بخفة، ثم التقطت كتالوج SkyMall الخاص بي وبدأت في القراءة.  بعد دقيقة، قام بإغلاق الأزرار، وقام ببطء بالتقاط نسخته من SkyMall.  قمنا بالقراءة لمدة نصف ساعة كاملة.


خلال هذا الوقت كنت حريصة على عدم التفكير في حياتي التي كانت بعيدة عنا، في مبنى سكني من الجص البرتقالي الوردي.  بدا الأمر كما لو أنني لن أضطر إلى العودة إليها الآن.  تدفق طعم ملح كتفه على طرف لساني.  قد لا أقف مرة أخرى في منتصف غرفة المعيشة وأتساءل ماذا أفعل بعد ذلك.  كنت أقف هناك أحيانًا لمدة تصل إلى ساعتين، غير قادر على توليد الزخم الكافي لتناول الطعام، والخروج، والتنظيف، والنوم.  بدا من غير المحتمل أن الشخص الذي عضْ وعضهُ أحد المشاهير ستواجه هذا النوع من المشاكل.

قرأت عن مكانس كهربائية مصممة لامتصاص الحشرات من الهواء. درست رفوف مناشف ذاتية التسخين، والأحجار المزيفة التي يمكن أن تخفي تحتها المفتاح. كنا نبدأ الهبوط. قمنا بتعديل مقاعدنا وطاولات الطعام. 


التفت (روي سبيفي) فجأة إليّ وقال:

- "مهلا.. هاي 

أنا أيضا قلت:

- هاي

قال:
- لقد قضيت وقتًا رائعًا معكِ
- وأنا كذلك 
- سأكتب رقمًا، وأريدكِ أن تحرسيهِ بحياتكِ
- أوك
- لو وقع رقم هذا الهاتف في يدي الشخص الخطأ، سأضطر إلى جعل شخص ما القيام بتغيره، وهذا صداع كبير
- أوك


كتب الرقم على صفحة من كتالوج Skymall وقطعها ووضعها في راحة يدي

- هذا هو الخط الشخصي لمربية أطفالي. الأشخاص الوحيدون الذين يتصلون بها على هذا الخط هم صديقها وابنها. لذلك هي تجيب عليه دائما. سوف تجعلك تمرين دائمًا. وهي تعرف دائما أين أنا


نظرتُ إلى رقم الهاتف وقلت له:

- إنه ناقص رقم
- أعرف ذلك. أريدك أن تحفظي الرقم الأخير. أوك؟
- أوك
- الرقم الناقص هو "أربعة"

حولنا وجوهنا إلى مقدمة الطائرة، وأخذ (روي سبيفي) يدي بلطف. كنت لا أزال أمسك الورقة بالرقم، فحملها معي. شعرت بالدفء والبساطة. لا يمكن أن يحدث لي أي شيء سيء ويدي ممسكة بيده، وعندما أتركها، سيكون معي الرقم المُنتهي ب "أربعة". أردت رقمًا كهذا طوال حياتي. هبطت الطائرة بأمان، مثل خط مرسوم بسهولة. ساعدني في إنزال حقيبتي المحمولة – التي بدت مألوفة بشكل فاحش- من الكابينة العلوية.


- سوف ينتظرني فريقي هناك بالخارج، لذلك لن أتمكن من قول وداعًا على الوجه الصحيح
- أعرف هذا. لا بأس 
- لا... إنه أمر سخيف 
- لكنى متفهمة
- أوك.. هذا ما سأفعله. قبل مغادرة المطار مباشرة، سوف أتي إليك وأقول، "هل تعملي هنا؟
- أوك.. مفهوم
- لا، هذا مهم بالنسبة لي. سأقول،" هل تعملي هنا؟ " ثم تقولي الجزء الخاص بك 
- ما هو الجزء الخاص بي؟
- تقولي: لا
- وسأعرف ما تعنيه. سنعرف المعنى السري.
- أوك


نظرنا إلى عيون بعضنا البعض بطريقة تقول إنه لا شيء آخر مهم بقدر أهميتنا نحن. سألت نفسي إذا كنت سأقتل والديّ لإنقاذ حياته، وهو سؤال كنت أطرحه منذ أن كان عمري 15 عامًا. كان الجواب دائمًا نعم. ولكن في الوقت المناسب تلاشى جميع هؤلاء الأولاد، ووالديّ كانا لا يزالان هناك. كنت الآن أقل وأقل استعدادًا لقتلهم لأجل أي شخص؛ في الواقع، أنا قلقة على صحتهم. في هذه الحالة، ومع ذلك، كان عليّ أن أقول نعم. نعم، كنت سأفعل.

مشينا في النفق بين الطائرة والحياة الحقيقية، وابتعد عني بعد ذلك، دون النظر تجاهي 

حاولت ألا أبحث عنه في منطقة استلام الحقائب.  سوف يجدني قبل مغادرته. ذهبت إلى الحمام. اخذت حقيبتي. شربت من نافورة الماء. شاهدت الأطفال يضربون بعضهم البعض. أخيرًا، تركت عيني تزحف على الجميع. كانوا جميعا إلا هو، كل واحد منهم. لكنهم كانوا يعرفون اسمه. أولئك الذين كانوا موهوبين في الرسم كان يمكنهم رسمهُ من الذاكرة، ومن الممكن أن يصفه الجميع بالتأكيد، إذا كان طُلب منهم ذلك. المكفوفين فقط هم الأشخاص الوحيدون الذين لم يعرفوا ما هو شكله.

وحتى المكفوفين كانوا يعرفون اسم زوجته، وعدد قليل منهم يعرف اسم البوتيك الذي اشترت منه زوجته بلوزة اللافندر والسروال الذي من نفس النوع. كان (روي سبيفي) موجود في كل مكان وليس له أثر في أي مكان. شخص ما ربت على كتفي:

- المعذرة هل تعملين هنا؟

لقد كان هو. إلا أنه لم يكن هو، لأنه لم يكن هناك صوت في عينيه. كانت عيناه صامتة بلا صوت. كان يمثل. 

قلت الجزء الخاص بي: 

- لا

ظهرت بجانبي مضيفة من المطار صغيرة وجميلة. قالت بحماس:

- أنا أعمل هنا. يمكنني مساعدتك

توقف مؤقتًا لجزء صغير من ثانية ثم قال، "عظيم". 


انتظرت لأرى ما سيأتي به، لكن المضيفة نظرت في وجهي بتوهج كما لو كانت رقبتي مطاطيًة وقد مددتها للتحديق في تطفل بطريقة حمقاء. ثم نظرت إليه وهي تقلب عينيها كما لو كانت تحميه من أشخاص مثلي. أردت أن أصرخ، "لقد كان رمزا بيننا له معنى سري!" لكنني عرفت كيف سيبدو هذا، لذلك تحركت.

في ذلك المساء، وجدتني أقف في منتصف غرفة المعيشة. كنت قد صنعت العشاء وأكلته، وكان لدي فكرة أن أقوم بتنظيف المنزل. لكن في منتصف الطريق إلى المكنسة، توقفت بفعل رغبة ليس لها تفسير، ورُحت أغازل الفراغ في وسط الغرفة. أردت أن أرى ما إذا كان بإمكاني البدء من جديد. لكن، بالطبع، كنت أعرف ما ستكون الإجابة. كلما وقفت هناك، اضطررت للوقوف لفترة أطول. لقد كان هذا الأمر معقدا ومتسارعا. بدوت وكأنني لا أفعل شيئًا، لكنني، في الواقع كنت مشغولة مثل فيزيائي أو سياسي. أضع استراتيجيته لحركتي التالية التي كانت دائمًا عدم التحرك، وهذا لم يجعل الأمر أسهل.


لقد تركت فكرة التنظيف وآملت فقط أن آوي إلى الفراش في وقت معقول. فكرت في (روي سبيفي) وهو في السرير مع (السيدة م). ثم تذكرت الرقم وأخرجته من جيبي. لقد كتب الرقم على صفحة بها صورة ستائر وردية اللون. كانت مصنوعة من نسيج تم تصميمه في الأصل لمكوك فضاء ولكنهم غيروا كثافة القماشة كرد فعل لتقلبات الضوء والحرارة. نطقت جميع الأرقام ثم قلت الرقم المفقود بصوت عالٍ: "أربعة". شعرت بمخاطرة غير مشروعة. صرخت، "أربعة!" انتقلت بسهولة إلى غرفة النوم ولبستُ ثوب النوم، وغسلت أسناني، وخلدتُ إلى الفراش.

استخدمت الرقم عدة مرات على مدار حياتي. ليس رقم الهاتف، فقط رقم "أربعة". عندما قابلت زوجي لأول مرة، اعتدت أن أهمس "أربعة" أثناء الجماع الذي كان مؤلمًا للغاية. ثم تعلمت بعد ذلك عملية صغيرة عسى أن تُكبّر نفسي. همست "أربعة" عندما توفي والدي بسبب سرطان الرئة. وعندما واجهت ابنتي مشكلة ربنا وحده يعلم ما كانت تفعل في مكسيكو سيتي، قلت لنفسي "أربعة" وأنا أعطيها رقم بطاقة الائتمان عبر الهاتف. وكان هذا مربكا أن تفكر في رقم وتنطق برقم آخر. 


يمزح زوجي على رقمي المحظوظ، لكنني لم أخبره أبدًا عن(روي). يجب ألا تقلل من قدرة الرجال عندما يشعرون بالتهديد. ليس شرطًا أن تكوني رائعة الجمال كي يتضارب الرجال عليك. في احتفال "لم الشمل" الخاص بمدرستي الثانوية، أشرتُ إلى معلم كنت معجبة وأنا في المدرسة، وبحلول نهاية الليل، كان هذا المعلم وزوجي يتصارعان في جراج الفندق. قال زوجي إن الأمر يتعلق بالعرق، لكنني عرفت أنه من الأفضل ترك بعض الأشياء غير منطوقة.

هذا الصباح، كنت أقوم بتنظيف صندوق المجوهرات الخاص بي عندما عثرت على قطعة صغيرة من الورق لستائر وردية. اعتقدت أنني فقدتها منذ فترة طويلة، ولكن، لا، ها هي، مطوية أسفل زهرات قرنفل جافة وبعض الأساور الثقيلة التي ليس لها استخدام عملي. لم أهمس "أربعة" منذ سنوات. جعلتني فكرة الحظ أشعر بالقلق قليلاً الآن، مثل أعياد الكريسماس عندما لا تكون في حالة مزاجية مناسبة.

وقفت بجانب النافذة أدرس خط يد (روي سبيفي) أسفل الضوء. أنا أكبر سناً الآن نحن جميعًا، لكنه كان لا يزال يُمثل. لديه مسلسل تلفزيوني خاص به. لم يعد جاسوسًا الآن.، بل يعلب دور والد اثنا عشر أطفال اشقياء. خطر ببالي أنه فاتتني هذه النقطة تمامًا. لقد أرادني أن أتصل به. نظرت من النافذة: كان زوجي في مدخل المنزل، يكنس أرضية السيارة بالمكنسة الكهربائية. جلست على السرير والرقم على ركبتي والهاتف في يدي. طلبت جميع الأرقام، بما في ذلك الرقم غير المرئي الذي كان يراعيني خلال حياتي كبالغة. لم يعد الرقم في الخدمة. بالطبع لم يكن يعمل. كان من غير المنطقي بالنسبة لي أن أفكر في أنه سيظل الخط الخاص بمربية أطفاله. لقد كبر أطفال (روي سبيفي) منذ فترة طويلة. ربما تعمل المربية عند شخص آخر، أو ربما عملت بشكل جيد لنفسها من خلال الالتحاق بمدرسة التمريض أو كلية إدارة الأعمال. جيد لها. نظرت إلى الرقم وشعرت بخسارة تتضخم مثل المد والجزر. كان الوقت قد فات. لقد انتظرت أطول من اللازم.

سمعت صوت زوجي وهو يضرب مشايات السيارة على الرصيف. ضغطت قطتنا العجوز على ساقي رغبة في الطعام. لكن يبدو أننى لا أستطيع الوقوف. مرت دقائق.. ما يقرب من ساعة. يبدأ الظلام الآن. كان زوجي في الطابق السفلي يصنع كأسا وكنت أنا على وشك الوقوف.. كانت الجنادب تزقزق في الفناء وأنا كنت على وشك الوقوف.

-------------------------------------------------------------------------

تم نشر هذه القصة في الطبعة المطبوعة من النيويركر يونيو ٢٠٠٧. ميراندا جولاي هي مخرجة سينمائي وكاتبة لها خمس كتب 
الكاتبة: ميراندا جولاي
ترجمة: رأفت رحيم

حتى جاءت سماح علوان


لم يجزم أحد أنه قد سمع بالفعل صوت سماح علوان وهي تتحدث بجملة طويلة تزيد كلماتها عن نعم ولا. لم تُغنِّ سماح معنا النشيد الوطني في الصباح، ولم تُردّد تحية العلم بحماسة الصبيان، حتى الأساتذة تحاشوّا سؤالها أي شيء خلال الحصص. هناك حكايات عن بحّة صوتها التي تسلبُ القلوب والعقول.
وجود سماح في المدرسة كان مثل «تعويذة مباركة» أو شيء مهم لابد منه، مثل سارية العلم التي قدّسها الأستاذ عبد الله – ناظر المدرسة – حتى كاد أن يقتل زميلنا نبيل دعبس عندما رأه يتبول على القاعدة الأسمنتية لها.

لا  جديد في القرية، تتراص الأيام بجوار بعضها البعض في ثبات جنود جيش ديكتاتور، لا تتحرك حتى يأتي حدث أو يد تُرفع لتعطيها أمرًا بالتحرّك. في ذكريات الطفولة القليلة هناك لحظات لا يمكن نسيانها، منها هذا اليوم المشهود الذي تم فيه تشييد القاعدة الخرسانية التي غُرست فيها سارية العلم.  جاء الأستاذ عبد الله منذ الصباح الباكر يغلبه شعور أنه يقوم ببناء صرح يُخلّد لكل ما قام به  للقرية من أمجاد. تخلّى الرجل عن البدلة البُنية الشهيرة، وارتدي جلبابًا أبيضًا فوق سروال رمادي وشبشب بلاستيك. قاد الأستاذ عبد الله العُمّال وهو يعطيهم تعليمات صارمة بينما هم يصبّون القاعدة الخرسانية التي لم تزد عن مربع صغير متر في متر. قام الأستاذ عبدا لله بغرس السارية بنفسه بزاوية ٤٥ درجة، محاكيًا الصورة الشهيرة لجنودنا في حرب ٧٣ وهم يرفعون العلم فوق أرض سيناء، ثم سهر  الليل كله ليحرس القاعدة الخرسانية حتى لا يقوم أحد الأشقياء أولاد الزواني – يقصدنا نحن التلاميذ – بكتابة حروف  إسمه أو وضع كفّ يد على الأسمنت الطري كما فعلنا من قبل في مصطبة المسجد. قال وهو ينصب خيمة صغيرة بجوار القاعدة الخرسانية:
«هذا جيل من القرود. لا يحترم التاريخ.»  

 كان هذا من أهم الأيام التي شهدتها «مدرسة الشهيد حمامة نوفل» الذي لا يستطيع أحد في القرية كلها أن يعرف من يكون وأين استشهد بالتحديد ولماذا يُزيّن إسمه لافتة المدرسة. أصبحت القاعدة الخرسانية من أهم الإنجازات في القرية التي ماتت فيها الحياة.
كان ذلك في أحد الصباحات الموحلة من شهر يناير. لم تتوقف السماء عن الشتاء وانهزمت الشمس لأكوام سميكة من السحب الرمادية. انتشرت في القرية روائح الوحل المختلط بخراء البهائم. كنا نجلس في الفصل نيام تحفُّنا هالة كبيرة من البؤس. إستيقظنا فجأة على روائح ياسمين ينتصر في ثبات على روائح القمل والبراغيث. حينها، كانت الحاجة حكمت تصرخ في نبيل دعبس:

– لا أريد أن أسمع صوتك يا ابن سيّدة. القيامة قامت وسوف تنطبق السماء على الأرض. اللهم اجعله مطر خير وبركة.. اللهم اجعله مطر خير وبركة.
لا نعرف بالتحديد طبيعة عمل الحاجة حكمت، فهي لا تقوم بتدريس أي مادة، دائمًا موجودة في غرفة المدرّسات، وكانت تقوم بملئ فراغ بعض الحصص عندما يغيب أحد الأساتذة؛ تأتي إلى الفصل وتجلس على المقعد تسبّح الله على مسبحتها الطويلة حتى ينتهي وقت الحصة.
أخذت روائح الياسمين تقترب أكثر فأكثر، وازدادت حيرتنا عندما رأينا الأستاذ عبد الله يقف أمام الفصل. مستحيل أن يكون هو مصدر هذه الروائح الجميلة، فهو دائمًا وأبدًا له رائحة الحلبة الساخنة. تبدّدت الحيرة والشكوك في أن الأستاذ عبدالله هو مصدر عبير الياسمين عندما رأيناه أمام الباب وهو يزيح عن حذاءه بقايا من خراء البهائم العالق في الكعب. بعد قليل عرفنا مصدر روائح الياسمين عندما وقفت سماح علوان خلفه على باب الفصل.
إنتفضت الحاجة حكمت من مقعدها وأزاحت عن كتفيها الشال الأسود الذي كانت تتدفأ به وصرخت فينا من أعماقها:
– قيام
أزحنا القمل والبراغيث من على أكتافنا ولبّينا الأمر في حماسة نادرة الحدوث وعيوننا مُعلقة بهذا الكائن البديع الواقف خلف الأستاذ عبد الله الذي  دخل الفصل وأشاح بيده في اتجاهنا يأمرنا بالجلوس، ودار بعينيه الغائرتين في فضاء الفصل الضيّق حتى وجد غايته. اقترب من تختة أيمن البردان وأمره بالقيام:
– قُم يا ساقط يا ابن الساقط. احمل هذه التختة وضعها في أول الصف.
كان أيمن اكبرنا سنًا. لا نعلم كم عدد المرّات التي رسب فيها في الصف السادس الإبتدائي قبل أن ينتقل معنا إلى الإعدادية.
اعترض أيمن وسأل الأستاذ عبد الله:
– وأين أجلس أنا يا أستاذ؟
لم يفكر الأستاذ عبد الله، بل صرخ فيه قائلاً:
– أحضر معك غدًا بردعة حمار أبوك واجلس عليها يا أشطر طالب تلميذ في المحافظة. أنت حصلت على الإبتدائية في عشر سنوات يا بغل!

وضع أيمن البردان التختة مطرح ما أمره الأستاذ عبد الله، وأكمل اليوم الدراسي واقفًا على قدميه وأنهى العام الدراسي كله جالسًا على قفص من البوص، وآخر جعله طاولة يكتب عليها كلما لزم الأمر.
ابتسم الأستاذ عبد الله لسماح وقال لها بنبرة حنونة لم نسمعها من قبل:
– تفضلي يا سماح يا ابنتى. هذا هو مكانك.

دخلت سماح يسبقها عبير الياسمين. إكتسى وجهها تعبيرًا ينمّ عن عدم الإكتراث بأي شيء حولها، كأنها تعيش في عالم آخر. شمخت أنفها في كبرياء وهي تخطو تلك الخطوات الضيّقة من الباب إلى التختة. بدت أنثى ناضجة، تركت لشعرها الأسود الطويل العنان حتى لامس مؤخرتها المستديرة. كانت طويلة ذات عيون مكحلة، واسعة، خالية من العماص  ورموش لم نرَ لها مثيل. إرتدت بنطلونًا أسودًا وبلوزةً بيضاء ضاقت وهي تعافر لتحتوي النهدين الناضجين. جلست في تختة أيمن الذي علت وجهه ابتسامة بلهاء غير مُصدق بأن هذه المؤخرة البديعة تجلس الآن في نفس المكان الذي جلست عليه مؤخرته التي أكلها القمل والناموس. جلست سماح وحيدة وهكذا بقيت لا يستطيع أحد الإقتراب منها أو التحدّث إليها. لم يستطع أحد التحجّج باستعارة كتاب. لم تبتسم لأحد ولم تعيرنا أي اهتمام، بدت كأنها هنا في مهمة رسمية ولفترة مؤقتة.

استرجع الأستاذ عبدالله نبرته الآمره التي عهدناها وهو يحدّثنا. رسم على وجهه المثلث علامات الغضب:
– هذه سماح علوان زميلتكم الجديدة. سوف تحضر معكم الدروس مؤقتًا حتى نستلم أوراق تحويلها  من القاهرة إلى مدرسة الشهيد حمامة نوفل. أي شيطان منكم يحاول يضايقها سوف أقصف رقبته إلى نصفين.
خرج الأستاذ عبد الله من الفصل تتبعه الحاجة حكمت، وأخذت تتحدّث معه لبعض الوقت ثم رجعت الفصل لا تعرف ماذا تفعل! تركنا الأستاذ عبدالله وترك كلمة القاهرة ترن صداها في فضاء الفصل الضيّق المعطر بالياسمين وبقايا خراء ووحل. كلمة القاهرة كان لها فعل السحر على عقولنا الصغيرة، بدت القاهرة بالنسبة لنا دائمًا بعيدة، كيف لها أن توضع في جملة واحدة مع مدرسة الشهيد حمامة نوفل؟ ذهب الأستاذ عبد الله تاركًا خلفه لغزًا يجلس في أول تختة في الصف الأول، وعندما يكون هناك لغز نجهل حقيقته، يشتغل الخيال.

في المساء اجتمعنا كالعادة تحت شجرة التوت أمام بركة المياه التي تعجّ بجثث الكلاب والبهائم. لا يوجد في القرية أماكن كثيرة للترفيه. القرية كلها عبارة عن شارع كبير والمدرسة والمسجد والوحدة الصحيّة التي هجرها الطبيب منذ شهور. نحن طلبة المدارس نجتمع دائمًا تحت شجرة التوت، المُدرّسون والقليل من الموظفين يتسامرون حول سارية العلم في المدرسة مع الأستاذ عبد الله، أما باقي الفلاحون فيذهبون إلى كشك مغاوري لتدخين الشيشة وتناول الشاي.تحت شجرة التوت كنا نحلّل مباريات الكرة في بعض الأوقات، لكن في المساء نتنافس في قتل الناموس ونعلن في نهاية السهرة عن الفائز الذي استطاع قتل أكبر عدد منها. تنوّعت أسلحة القتل، ولم يكن هناك أي ممنوعات في اختيار الأسلحة. كنا دائمًا وأبدا ننتصر على الناموس، كل مساء، إلى أن جاءت سماح علوان. تغيّرت أحاديثنا تحت شجرة التوت، تسلّلت إلى قاموسنا الصغير أبجديات جديدة، مثل مشاعر وسهر واشتياق. نضُجت أعضاؤنا الجنسية فجأة واكتشفنا أن لها وظائف أخرى غير التبوّل. لم ننتصر أبدًا على الناموس منذ هذا اليوم. كان يصيبنا بخدر بديع ونحن نتخيل سماح عارية. يأكل الناموس أجسادنا ويرتع بكل أريحية ونحن في نشوة ساكرة.أصبح وصول سماح علوان تاريخ جديد تؤرخ به الحياة في القرية. في الحالات النادرة التي كنّا نتحدث فيها عن أي شيء غيرها، كان لابد أن نقحم اسمها فيه. مثلا قال نبيل دعبس ذات مساء:
– آخر مرة فاز فيها الزمالك على الأهلي كانت قبل وصول سماح.
أو:
– لم تُمطر السماء مثل ذلك اليوم الذي دخل فيه الأستاذ عبدالله الفصل ومعه سماح علوان.
 كانت الحياة شيئًا قبل سماح علوان، وأصبحت شيئًا أخرًا بعد سماح علوان.

٢
حول القاعدة الأسمنتية في فناء المدرسة جلس إبراهيم أبو ودان مفتونًا بحديث الأستاذ عبد الله عن علوان السميدي والد سماح. عشق إبراهيم البنت عندما كان يراقبها من بلكونة منزله القريب من المدرسة وهي تقف في الفناء أثناء الفسحة، وعشق أباها وهو يرى حياة جديدة باهرة مع كل حرف من حكاية علوان السميدي. قصة نجاح مثل التي تحدث في الأفلام: هاجر علوان القرية في الصبا، استقر في العاصمة وتزوج تلك القاهرية التي علّمته الحب. كافح حتى أصبح من الأغنياء والأن يعود إلى مسقط رأسه مقدّمًا مشروعًا كبيرًا تتصدره سماح.
 رأي إبراهيم نفسه هو الآخر يهرب من القرية ولكنه لن يعود إليها أبدًا. عمله كموظف في شركة الكهرباء في مركز المدينة فتّح عيونه على الممكن. أصبح ناقمًا على القرية والبؤس الراقد بين وحلها وناموسها. كان إبراهيم من النخبة المختارة من المدرسين والقليل من متعلمي القرية الذين يحظون بالجلوس في حضرة الأستاذ عبد الله.

 إبراهيم ثلاثيني يرتدي القميص والبنطلون، أصبحَ أفنديا يلجأ إليه الكثير من أبناء القرية عندما يحتاجون إلى أي شيء خاص بالحكومة، إلاّ أنّه لا يساعد أحدًا أبدًا فأطلقوا عليه لقب «وجه الغراب». ورث عن أبيه فدّان أرض جعله من الأعيان، لم يتزوج لأنه ببساطة لم يجد في القرية فتاة تليق بحامل دبلوم وموظف مثله، إلى أن جاءت سماح، وهنا بدأت الأحلام تراوده. كان يسأل نفسه: لكنها رجعت من القاهرة إلى القرية وهو يريد الهروب. يطمئن نفسه: سوف تذهب معه أينما أراد. هي زوجة في النهاية وسوف تطيع رغبات زوجها. 

لا أحد يعرف طبيعة وتفاصيل مشروع علوان السميدي. عندما رجع إلى القرية قصد زميل دراسته القديم الأستاذ عبد الله وحكى له حكايته التي لا يعرفها أحد منذ أن غادر القرية. طبعًا الأستاذ عبد الله أضاف للحكاية حكايات حتى جعل من علوان السميدي بطل اقتصاد يحمل معه الخير للقرية البائسة ويتفوق على طلعت حرب في وطنيته.

استيقظ إبراهيم من نشوة أحلامة عندما لدغته ناموسه في أنفه الغليظ ولسعته سيجارة بين أصابعه لم يأخذ منها نفسا واحدا. كان حضرة الناظر يطلب  من المدرسين الإهتمام قليلا بالنظافة. وخصوصًا نظافة التلاميذ:

– القمل والبراغيث في تكاثر وروائح خراء البهائم في انتصار. مدرسة الشهيد حمامة نوفل الآن محط أنظار الإدارة التعليمية في القاهرة وبيننا الآن طلبة جدد شكلهم نظيف. كما أن هناك مشروع قومي كبير في الطريق. بالتأكيد سوف نرى إذاعة وصحافة. على الأقل لابد أن يغسل التلاميذ عماص النوم.

ضحك الشيخ عبد الرازق إمام المسجد ومأذون القرية ومدرّس اللغة العربية والدين:
– عندك حق يا حضرة الناظر. المدرسة أصبحت منقسمة،  فصل رائحته تنعم بالياسمين وفصل آخر معبق بالخراء.
ضحك الحضور على نكتة الشيخ عبد الرازق إلا إبراهيم الذي شعر أن في النكته تلميح وإهانة لزوجة المستقبل. وعندما لمح الشيخ عبد الرازق ابتسامة الأستاذ عبد الله رأى أنها إشارة ليتمادى ويسأله:
– سمعنا يا حضرة الناظر أن علوان السميدي والد سماح اشترى قطعة الأرض الكبيرة فى مدخل البلد من أجل المشروع الكبير رغم أن الأرض مملوكة للدولة. هل هذا الكلام صحيح؟
تنحنح الأستاذ عبد الله في جلسته وأخذ ذيل جلبابه يصنع منه مروحه يهش بها الناموس الذي نحر ساقه، ثم تحدث بنبرة خبير يعرف الأسرار:
– أنا لا أستبعد هذا يا شيخ عبد الرازق، علوان السميدي له علاقات كثيرة مع الحكومة، هو الآن في القاهرة لحضور أحد اجتماعات اللجنة الإقتصادية في مجلس النواب لأنه يبحث عن شركاء لتمويل المشروع ويريد أن تساعده الحكومة.
التقط إبراهيم كلمة «شركاء» ورسم بها ألف كُبري يصل بهم إلى أحضان سماح. رأى إبراهيم نفسه جالسًا الآن مع اللجنة الاقتصادية في مجلس النواب يخطّط المستقبل الإقتصادي للقرية.

٣

لا يعرف أحد أين زوجة علوان السميدي. تشّكل السؤال في غرفة المدرّسات عندما استنكرت الحاجة حكمت هذه المرأة التي تركت زوجها وحيدًا وسمحت لإبنتها بارتداء هذه الملابس. راح الهدوء الذي كانت تنعم به الحاجّة حكمت قبل مجئ سماح. كانت تتحدث مع أستاذة الرسم تحية والأستاذة عواطف؛ أستاذة الدراسات، خلعت الأستاذة حكمت من على وجهها نظارة كبيرة ولكنها ظلّت معلقة بسلسلة معدنية على عنقها. تحدثت بغضب واستنكار:
– هذه البنت لها ثدي إمرأة حبلى في الشهر التاسع. كيف لها أن تكون في الإعدادية.
ردت عليها تحية:
– معك حق بناتنا مثل عود القصب، يأكلهن الصدأ بلا صدر أو مؤخرات .
قاطعتها عواطف:
– بناتنا يخبزن وينظفن وراء البهائم والرجال. هل تعرف هي أي شيء سوى الأحمر والأبيض الذي تتزين به؟  كما أني أعتقد أنها رسبت أكثر من سنة وعمرها أكبر من ذلك.
ردت عليها حكمت:
– لم يأت ملفها من القاهرة للتأكد من تاريخ الميلاد. لقد سألت الأستاذ عبد الله عن الملف مرارًا خصوصًا وأن الإمتحانات على الأبواب، وفي كل مرة يجيبني بأن  والدة سماح تقوم بإنهاء بعض المتعلقات في القاهرة وسوف تحضره معها في وقت قريب جدًا.
أضافت تحية:
– لا تنسي أيضًا أن الأكل في المدن كله هرمونات، أنظري للفراخ البيضاء.
قالت عواطف:
– أنها ترتدي ذهبًا يكفي أن يكون شبكة خمسة عرائس.

طار السؤال من غرفة المدرّسات إلى  شجرة التوت عندما تساءل أيمن البردان عن  شكل تلك المرأة التي قدّمت للدنيا فتاة مثل سماح. سماح بالتأكيد هي خليط من الأب والأم. علوان كما ترى مجرد زيتونه كما أطلق عليه أهل القرية في الصبا. رأس مستديرة وبشرة سوداء وشعر أكرت. سماح لا تشبهه على الإطلاق.لابد أنها تشبه أمها.

على كشك مغاوري لم تحظَ سماح بنفس الأهمية التي حظيت بها في غرفة المدرّسات ولم تشعل اللهيب الذي أشعلته  تحت شجرة  التوت. الفلاحون الذين أهلكتهم الشمس والبهائم لا تغريهم امرأة. لقد فقدوا الرغبة، إذ كان كل ما يشتاقون إليه  هو سد الأفواه الجائعة.  جاء مشروع علوان كمعجزة انتشلتهم من القحط الذي يعيشون فيه. يقع الكشك على حدود القرية، ويطل على قطعة الأرض الفارغة التي اشتراها علوان السميدي للمشروع الكبير. قبل وصول علوان السميدي كانت قطعة الأرض مبولة ضخمة استخدمها جميع رواد الكشك لقضاء حاجتهم. مُلئت الأرض بأكوام الخراء وروائح البول. لكن بعد خبر المشروع، حافظ مغاوري ورواد الكشك على نظافة الأرض  حتى صار الفلاحون يلومون بعضهم: كيف تشُخ في أرض المشروع؟

عندما كان علوان يعيش في القرية، كان مجرد علوان ابن السميدي العلّاف الذي يعلف البهائم وينظف خلفها، كره القرية وفرّ منها ومن وظيفة والده التي لم يحترمها أحد. بعد كل هذه السنين يعود علوان الذي لم يتوقع أحد عودته. لماذا يعود الآن فهو لم يرجع حتى لحضور دفنة أبيه؟ بعد الكشف عن نيّته في مساعدة القرية بمشروع ضخم أصبح لقبه الأستاذ علوان، وعندما بدأت تفاصيل المشروع تعلو للآفاق، صار الباشمهندس علوان. شُوهد في البلد حاملًا حقيبة يد،  ورسومات هندسية وعلى كتفه كاميرا فيديو. أخذ يخطط ويعيد بناء القرية في رأسه. لم يهدأ علوان، في كل يوم تجده في مكان ما، يذهب إلى الطريق العموم ثم أرض المشروع ثم المسجد والمدرسة. لم يترك جزءًا من القرية إلا وطأته قدماه. في كل المشاوير كان معه الأستاذ عبدالله، ثم انضم إليهما إبراهيم وجه الغراب أبو ودان. 

٤

كانت هذه هي المرة الأولى- في تاريخنا الدراسي – التي نتطلع فيها لإنتهاء العطلة والعودة إلى المدرسة. بعد أن سافرت سماح إلى القاهرة لقضاء الإجازة، تركَتْ فراغًا باردًا تحت شجرة التوت.
ذهب علوان السميدي  إلى القاهرة ولكنه عاد سريعًا وبدأ يتحدث مع الفلاحين عن المشروع. كان يعقد اجتماعات مع الأهالي في المسجد وكشك مغاوري وفي المدرسة حول القاعدة الإسمنتية. ابراهيم وجه الغراب أبو ودان والأستاذ عبد الله لا يفارقانه. تحدث علوان عن الخير القادم وعن مزرعة الحيوانات التي سوف تحتوي على العديد من الأجهزة التي تعلف البهائم وتحلب اللبن. سوف يكون هناك العديد من الوظائف في مصنع البيض والدّواجن، وفي مصنع للغلال، وسوف يقوم برصف الطرق وإدخال شبكة صرف حديثة، وإنشاء مصنع آخر للألبان. لابد أن تصبح القرية مثل قرى الريف الأسباني، ولكن المشكلة الوحيدة هي ضعف التمويل. بعد أن اشترى علوان أرض الحكومة لم يعد معه ما يكفي من سيولة مالية.

قذف علوان بأرقام هائلة في أوجه الفلاحين. القرش سوف يكسب مائة قرش. الجنيه سوف يكسب مائة جنيه. هذه قريتنا ولن يساعدنا أحد. الحكومة مشكورة وافقت أنها تبيع لي قطعة الأرض الكبيرة وأصدرت كل التصاريح اللازمة ولكن لابد أن نساعد أنفسنا. خطب الشيخ عبد الرازق في الناس، حثّهم الأستاذ عبدالله على العمل الوطني، أخافهم إبراهيم وجه الغراب حتى يخرجوا جنيهاتهم القليلة. 
لم يتبرع أحد لأنهم بكل بساطة لا يملكون أي شيء. لم يسمع أحد للشيخ عبد الرازق وكلماته عن العطاء والإيمان. لم يقف الإيمان يومًا في جانب الفقراء الذين يؤمنون بأسباب فقرهم منذ بدء الخليقة. رأى إبراهيم حضن سماح يصير بعيدًا عندما سمع كلمات علوان السميدي التي غلفّها اليأس. قال علوان في أحد جلسات سارية العلم أنه سوف يبيع الأرض ويعود إلى العاصمة لأنه فشل في مشروعه. هبّ إبراهيم من جلسته صابًا غضبه على أهل القرية أولاد القحاب الذين يبخلون على أنفسهم بمشروع مثل هذا. كيف لسماح أن تضيع بهذه السهولة؟

٥

وقف إبراهيم وجه الغراب في بلكونة منزله ينظر إلى الحقول التي غطاها الندى. روائح البرتقال تملأ الأجواء لكنها لا تُقارن بعبير الياسمين الذي سكر منه ليلة أمس. أرض المشروع في الأفق تحمل المستقبل الموعود. أشعل سيجارة وفي يده كوب من الشاي وعلى وجهه ابتسامة الإنتصار. كانت شمس النهار تعافر ما تبقى من ظلام الليل. صلاة الفجر انتهت، صوت الشيخ عبد الرازق وهو يختم الصلاة مسموع رغم السعال القادم من الميكروفون القديم. 
تجاهل القليل من الفلاحيين صلاة الفجر كما يتجاهلها إبراهيم دائمًا. كان يتابع بعض الفلاحين يجرّون  بهائمهم إلى الحقول عندما شاهد سيّارة فارهة يقودها شاب خول – هكذا وصفه لاحقًا. مرّت السيارة التي تطلّع إبراهيم إلى رُكابها  فالتقت عيناه بعينى سماح الجالسة قرب السائق، وعلوان السميدي يجلس في المقعد الخلفي. 

كان ذلك يومًا آخر لن تنساه عندما استيقظت القرية على إبراهيم وجه الغراب مرتديًا لباسًا أبيضًا وفانلة داخلية وهو يجري حافي القدمين في اتجاه المسجد قادمًا من غرفة العلاّف القديمة التي يقيم فيها علوان وسماح مؤقتا. كان علوان قد أخبر حضرة الناظر بأنه سيبني منزلًا مناسبًا فيما بعد، ولكن الآن سوف يقيم في غرفة والده القديمة المعروفة باسم غرفة العلاّف.

كان الأستاذ عبدالله يُحولق وهو يختم الصلاة عندما انقضّ عليه إبراهيم  وركب فوقه واعتلاه ناعتًا اياه بالنصاب شريك النصاب. 
قام لفيف من المصلين لتخليص الرجلين فحملوا إبراهيم بعيدًا بعد أن سقط لباسه وبدأت مؤخرته في الظهور. في مساء ذلك اليوم، قصّ إبراهيم حكايته وأصبحت حديث القرية لأسابيع طويلة. يُحكى أن الشيخ عبد الرازق قد شخر من الضحك ووقع من على مقعده وخبط رأسه في قاعدة السارية مما دعاه لزيارة الطبيب في القرية المجاورة، لأن الأمر استلزم بعض الغُرز. جلس إبراهيم في هذه الليلة حول سارية العلم بعد أن اعتذر للشيخ وطلب منه السماح والمغفرة لأنه معذور. ثم قص عليهم الحكاية:
– عندما  رأى إبراهيم علوان وسماح يجلسان في سيارة هذا الشاب – الخول ذو الشعر الطويل الناعم، أهلكتهُ الظنون فذهب إلى غرفة العلاّف القديمة. وجد الباب مفتوحا فدخل. فتّش في الغرف فلم يجد حتى ملابسهم ولا أي دليل على رغبتهم في العودة. سقط قلب إبراهيم في قدميه عندما فسّر مشهد هروبهما في هذا الوقت من اليوم.
سأله الشيخ عبد الرازق في تعجب:
– وماذا يعنيك إذا كانا هربا أو أنهما لن يعودا؟ لماذا كل هذا الإهتمام؟

تمالك إبراهيم نفسه وأخذ يستجمع شيئًا من الشجاعة. تنحنح قليلا وأشعل سيجارة أخرى رغم أن السيجارة التي في يده مازالت بأكملها. حاول أن يبلع ريقه ولم يستطع. شعر بأن لسانه قد تضخم داخل فمه ولم يعد يقدر على الكلام. بعد أن دخّن عدة سجائر في صمت، قصّ لهم في خجل أنه بعد أن سمع بأن علوان يراوده اليأس وينوي العودة إلى القاهرة إذا فشل في تمويل المشروع، قام بزيارته في غرفة العلاّف دون أن يخبر الناظر أو أي جليس من جلساء سارية العلم. تزين وجه الغراب وارتدي أجمل ما يملك. بعد أن جلس على مقعد متهالك، جاءت سماح بالشاي و سلّمت عليه وطبعت في يده روائح ياسمين لم يستنشق مثلها في حياته. كانت ترتدي فستانًا منزلي جعلها أبهى واشهى. عندما رآها وجه الغراب في هذه الهيأة، رسم شهور عسلٍ في رأسه وضاجعها ألف مرة في ألف موضع في تلك اللحظات القليلة بينما هي تضع الشاي على الطاولة وتبتسم في غنج.

 سبب زيارة إبراهيم لعلوان هو أولا عدم رغبته في أن تذهب سماح. ثانيًا المشروع: لقد باع ابراهيم الفدان وجاء بالمال  لعلوان كي يكمل مشروعه. لمّح إبراهيم وجه الغراب إلى رغبته في سماح، وافق علوان في الحال وقال له أنه كان يتوقع طلبه هذا حتى أن سماح قد لاحظته من المدرسه وهو يتابعها من بلكونة منزله. نادى علوان على سماح وزفّ لها بشرى الخطوبة وطلب منها أن تصنع شايًا  جديدًا. لم يحك وجه الغراب لمخلوق لأن علوان طلب منه التكتم حتى لا يحسده أحد. حاول علوان أن يعطي وجه الغراب وصل أمانه بالمبلغ لكن وجه الغراب رفض بكل شهامة. فلا يجوز أن يأخذ من نسيب المستقبل وصلًا. إذا كان يأمنه على سماح كيف له ألاّ يستأمنه على ثمن فدان أرض.
أن تهرب الأماني من قريتنا، فهذا هو العادى والطبيعى، لذلك لم يعبأ الناس بهروب علوان وسماح، بلدنا مش وجه خير. هم مؤمنون بذلك منذ القدم.

لم يشعر أحد بالأسف لخسارة إبراهيم وجه الغراب ثمن فدان الأرض. لم يهتم أحد بالبحث والعثور على علوان أو مساعدة إبراهيم في استرداد ماله. اعتلت جبال الخراء قطعة الأرض أمام كشك مغاوري مرة أخرى. هدأت غرفة المدرّسات ورجعت الحاجة حكمت للتسبيح. تحت شجرة التوت عادت انتصاراتنا على الناموس بعد أن قلّت سيرة سماح يومًا بعد الآخر عن أحاديثنا حتى اصبحنا لا نتذكرها إلا فيما ندر. انقطع وجه الغراب عن اجتماعات سارية العلم وصار يجلس وحيدًا في بلكونته ينظر إلى المدرسة التي حضنت يوما حلمه في الهروب. عادت الحياة إلى القرية هادئة بلا أمل كما عهدناها حتى جاء الدكتور بهاء….
-----------------------
نُشرت في موقع (آخر قصة) 


لا يوجد يوم جيّد للفراق #قصة





كان هناك شوقا غير مفهوم عندما جلستْ على مقعدها أمامي. لكني توصلت في لحظة ما إلى أن الشوق ربما يأتي من معرفتنا بأنها المرة الأخيرة.
كانت الطاولة بجوار شباك زجاجي كبير. في الشارع، خلف الزجاج، كان هناك حياة وفي المطعم كان الموت يتسلل ببطئ مثل بخار الطعام القائم أمامنا. لم يتحدث أي منا، مجرد محاولات لمضغ الطعام واستهلاك دقائق من الزمن يتم وصفها فيما بعد بمحاولة لم يُكتب لها النجاح.

كلما أردت الانتصار على الصمت الذي يشاركنا الطعام، هربت بنظري إلى الشارع خلف الشباك الزجاجي. قطرات المطر تغسل المباني في همّة ثم تتساقط، بعد أن تفقد عنفوانها، في سكينة جسد يحتضر دون صخب. اشتدت الريح قليلا لتحمل المطر في الهواء قبل أن يصل إلى الأرض وتصنع منه موجات مستديرة. ربما كان الجو الجنائزي بالخارج هو امتداد للموت الذي نتنفسه داخل المطعم، ولكنني نفيت هذا الاستنتاج الساذج في الحال. السماء حيادية لا تشرق شمسها لأفراحنا ولا تُغيم سُحبها لأحزاننا. نحن الأغبياء، نفسر الطبيعة طبقا لأهواء قلوبنا.

قامت من مقعدها بعد أن شخبطت هذه الدقائق في دفاتر العشاق. بكل هدوء، بدأت في لمّ  شعرها للخلف، ومع خصلات شعرها الأسود الطويل، كانت  تُلملم بقايا الزمن وكل ما كان لها هنا، كانت مُصممة ألا تترك خلفها شيئًا لي أتذكرها به.

نظرت إليّ وهي واقفة وأنا جالس مكاني في مظهر المذنب. بدت عملاقة، رغم قِصر قامتها الذي أحبه فيها. أغلقت عيونها الواسعة لثواني لتحتفظ بصورتي وأنا جالس أمامها على مقعد البؤس في انهزام. بالتأكيد سوف تُلقي بصورتي هذه في منطقة غير مؤهلة بالحياة في ذاكرتها التي لا تعرف الصفح أو النسيان. لم أتحرك. اخذت حقيبتها ومظلّة المطر وذهبت. لن تعود أبدًا بعد هذه الليلة.

كان المطر في النهايات عندما ظهر متشرد في الشارع في يده ساندوتش يريد أن يبيعه. يأكل منه جزءا ويقوم بعرض الباقي منه على المارة الذين تأففوا ونهروه وهم يتفادون المطر في استعجال.

تابعت النظر للمتشرد، كلانا يحاول عقد صفقة رابحة بشروط مستحيلة. حاولت حينها استحضار فكرة لامعة وحزينة تناسب حالة الفقدان التي تمت منذ دقائق أو على الأقل تُشعرني بأن كل شيء سيكون على مايرام ولكن شيئًا لم يحدث!
دفعت حساب المطعم وذهبت. طبعًا لم أُفكر في احضار مظلة للمطر وكان هذا النسيان تجسيدا ثلاثي الأبعاد لعلاقتنا: هي تخطط وتحسب كل خطوة. كل فعل وكل شيء هو معادلة متساوية الأطراف فيها ربح وخسارة؟ أما أنا فقد نسيت حتى أن أحضرالجاكتب في أسوأ ليالي نيويورك شتاءا

دفعت للمتشرد دولارين وأخذت منه الساندوتش وجعلته الرابح الوحيد في ليلةٍ كلها خسائر. على عتبات المترو وجدت متشرد آخر يستجدي مالًا. تركت له بقايا الساندوتش وركبت أول مترو قادم دون جهة محددة.

جلستُ على أحد المقاعد مُبللًا مثل عصفور خرج لتوّه من بحر الوحل. ثبتُ نظري على قطرات الماء وهي تتساقط من جسدي على أرض المترو ومع كل قطرة مطر تسقط، كان يسقط معها أشياء كثيرة لن تعود.  قطع خلوتي مع تعداد قطرات المطر صوت فتاة كانت تجلس على المقعد المقابل. لم الاحظ جمالها عندما دخلت العربة. قالت:
- يا له من يومٍ سيئ
اتفقت معها :
- نعم إنه يوم سيئ
ثم أكملت الجملة لنفسي بصوت خفيض:
- إنه يوم سيئ للفراق
سألتني:
- ماذا قلت؟ لم أسمعك
أعدت عليها ما قلته بصوتٍ عالٍ كاد ينتصر على صوت عجلات القطار وهي تضرب القضبان:
- إنه يوم سيئ للفراق
ضحكت وهي تُلملك أشياءها استعدادا للنزول في المحطة القادمة:
- لا يوجد يوم جيد لتلك الأشياء. مساءك سعيد

! ظل يرقص

وجدته جالسا على عتبات مسرح بيرم التونسى ينظر إلى الجانب الآخر من الشارع حيث كازينو الشاطبى الذى راحت معالمه وأصبح خرابة. صار الكازينو استعارة حقيقية وانعكاسًا ملموسًا لحالته الجديدة، لحية كثة وهندام ضائع وعلى وجهه مسحة حُزن. أخذ يُدندن وهو يرثي الأطلال التي يراها أمامه:
عجبى على بنت بيضة
جايه من بــلاد المغــرب
تقلع وتلبس ..
وتتزوق من المغرب
وجوزها راجل عبيط
بينام من المغـــــرب

ابتسمت له وقبل أن أنطق بحرف، قاطعني شارحًا:

بهذا الموال كان يبدأ المطرب جابر النمر فقرته الغنائية. يقف فى الظلام خلف المسرح، وفى يده الميكروفون الهوائى، يشعل خيال الجمهور الذكورى بمواويل يمكن تأويل معظمها إلى أحلام ومشاهد جنسية. وبعد أن تشتغل الآهات وضحكات السكارى الذين يسخرون من هذا البغل الذى ينام من المغرب، يظهر جابر النمر كالفارس المنتصر، ويسحب خلفه الراقصة سحر حمدى التى كانت تقضى على ما تبقى من عقل فى الرؤس الثملة. جابر كان " مسخناتي" لم يكن هو النجم الأول. كان ظهوره دائما فى الثلث الأول من الليل حيث لا يزال الحضور خفيف.
عندما ينتهى جابر من مهمته فى تسخين الحضور، تخفت الأضواء وتتعدد ألوانها إستعدادا لظهور البدر. شاويش المسرح يصرخ من أعماقه بصوت مُتحشرج: طلع البدر علينا.. طلع البدر علينا….

كان ينظر إلى الكازينو وهو حزين ربما لأن ذكرياته الراقصة تختفي في جدران الكازينو الذي يحتضر أمامه.
واصل كلامه بنفس النبرة الثابتة:

فى الطفولة، كنا ننظر إلى سواد البحر ونرى نقطة مضيئة فى الآفاق البعيدة. كنا نعرف أنها سفينة ونتساءل، كيف لهذة السفينة أن تعرف طريقها فى الظلمات؟ كانت الفنانة شفيقة كتلك السفينة، واثقة، ثابتة عندما تظهر على المسرح. تحمل الميكروفون فى يد، وفى يدها الأخرى سيجارة حشيش أطول من ليل المظلوم. موسيقى جابر النمر وأغانيه كانت مثل ذلك الشعور الذى يعتريك بعد أن تشرب كأس ويسكي رخيص، خبطة مفاجأة فى الرأس ثم تهدأ بعدها ممسكا برأسك شاكياً من مُرّ الصداع. أما شفيقة فكانت مثل سيجارة الحشيش الفاخر، تطير بك بين السحب إلى عوالم. تبدأ شفيقة طقوسها على المسرح بأخذ نفس عميق من السيجارة التى لا تنتهى ، ثم تحى الحضور والجمع السعيد. تبتسم لذلك الأستاذ الجالس هناك، تبعث بقبلة هوائية طائرة لهذا المعلم الواقف بعيدا. ثم تبدأ تتنحنح قليلا، تغمض عيناها إعجاباً عندما يبدأ عازف الأكورديون فى لعب نغم عفوى حزين. يرد عليه عازف الكمنجة بنغم أكثر بؤسا. دائما وابدأ سأعشق الأكورديون والكمنجة. يوما ما سيأتى عالم موسيقى ليكشف لنا العلاقة بين البحر والكمنجة والأكورديون وتعاسة العُشاق.

فجأة يهدأ المكان ولا تسمع سوى أنين الكمنجة عندما يضاجع نغم الأكورديون على موجات البحر، وتبدأ شفيقة :
دق الهوى دقة
فتحت له الشقة
سألنى قال خالى؟
أنا قلت له لأه
بعد اللى هنانى
احب من تانى؟
دى حتى مش لايقه
دق الهوى دقة

كازينو الشاطبى كان بهجة رخيصة بالنسبة لي، انظر إليه الآن. يقول الناس، أن رجل أعمال اشتراه حتى يعيد ترميمه وافتتاحه. لكنه ضحك على الحكومة وتركه مُهمل حتى يقع ويبنى مكانه عمارة أو برج سكنى قبيح. القُبح دائما ينتصر!

صمت فجأة وكأنه يستحضر الذكريات من أعماق البحر الساكن أمامنا. بدت آلاء إبتسامة واهنة تشق طريقها بصعوبة في مساحات الحزن الذى يحتل وجهه. قام من جلسته مستندا على عصاه، وأخذ يرقص فى منتصف الشارع بدون موسيقى. وظّل يرقص!

نيويورك- 2014

سلامة سلامة


(1)

رجع سلامة من السفر. لكنه لم يكن نفس" سلامة" الذي ودعته. نحل عوده وانطفأت روحه واحتلت هالات السواد فؤاده قبل عيونه.
 رحبتُ به وسألته  بلهفةٍ عن أخبار الأهل والبلاد. جلس على حافة سريره وهو يخلع عن جسده جاكت قديم ضاعت ملامحه. وضع بين قدميه  شنطة صغيرة هي كل ما رجع بها. فتحها وأخرج منها كيس لب أسمر:
هذا نصيبك. خُذه!

بعد "يناير"، لبّى سلامة نداءات العودة، بهرته بساطة الأماني بالعدل والحرية، فقرر أن يعود. باع محل الورد الذي يملكه فى نيويورك وسافر لبناء البلد كما كان يقول. سيطر الحماس على صوته وهو يرميني  بنظرات تتهمني بالخيانة وعدم الولاء للبلد الأم:
وجب علينا العودة والمساهمة فى البناء. 
ماذا عن ورودك التي تعشقها؟
هل رأيت منظر الورود البديع وهم يقومون بتنظيف الميدان وإعادة طلائه؟
لماذا لا تقوم الحكومة بذلك؟
أنت أناني لا تفكر إلا فى نفسك.
بل أنا أعول كوم من اللحم. إن غامرت بنفسي فلا أستطيع المقامرة بمستقبلهم.

حَزُنَ عندما باع المحل. كان يعشق الورود ويعرف أصنافها وتواريخها. يعامل الأزهار كدواء يشفي الأمراض. يسأل المشتري عن المناسبة لشراء الزهور، يستفسر عن الأسباب والأعراض والأغراض، وأخيرًا يقوم بترشيح الورود المناسبة تمامًا مثل الطبيب الذي يشخص الحالة قبل أن يكتب الروشتة. كانت له ضحكة رنانة عندما يبيع ورود لفتاة جميلة:
هذه الفتاة تنوي أن تصالح حبيبها بلا شك وإلا ما إشترت هذه الورود الحمراء! لكل حالة إنسانية لون، ولكل شعور وردة. حتى الموت له وروده. في بلادنا يبكون الموت وانتهاء الحياة، أما هنا فإنهم يحتفلون بالحياة السعيدة التي عاشها الفقيد.
وإن كانت حياة الفقيد شقاء، فبما يحتفلون؟
رمقني بنظرة تنعتني بالقسوة وعدم اجادة أي شيء إلا الأرقام والحقائق الموجعة.

اختلفنا في حُب البلد وسافر سلامة محملًا بأثقال من الآمال الكافية لتحرير قارة وبناء جيل كامل من المخلصين:
سوف يتولى الشباب الحقائب الوزارية. سوف نناقش ميزانية الجيش في برلمان قوي يراقب الحكومة ويحاسبها. سوف يكون هناك قضاء حُر. الشرطة حقًا ستكون فى خدمة الشعب، أخيرًا سيكون لدينا رئيس مدنيّ منتخب!

(2)

طار سلامة إلى البلاد متعجلًا الوصول، استبدل مقعده على الطائرة  بأجنحة أحلامه الوردية . نذر نفسه وماله للتغيير والبناء في الوطن المثالي الجديد. ذهبت أودعه فى المطار وابتسامة الفخر لا تفارق وجهه. كرّر طلبه:
فكّر جيدًا في أمر العودة. لقد عشنا حياتنا القصيرة نحلم بهذا اليوم. وُلدنا عندما وُلد قانون الطوارئ. لم نرَ سوى القهر والظلم. البلد الآن فى حاجة إلى أمثالنا.
لم أعرف ماذا يقصد بـ أمثالنا. هل يقصد أصحاب المال والدولارات؟ أم أصحاب الشهادات؟  أم أولئك الذين هجروا الأرض والأهل بلا هدف سوى الهروب؟

لم أتواصل مع سلامة ولم يتصل بي هو الآخر. فقط كنت أتابع الأخبار وأفكر فيه وفي أحلامه. بمرور كل يوم، أرى العديد أمثال سلامة ممن ماتوا أو اختفوا دون أن يعلم عنهم أحد شئيًا أو إنتهى بهم المطاف خلف القضبان!

السحب التي حَبُلت يومًا بالأمل، أمطرت وحلًا. رغبة المشاركة في البناء، تبدلت إلى محاولات جادة للنجاة. بعد سنوات قليلة، هاتفني بصوتٍ مهزوم يطلب مني أن أشتري له تذكرة حتى يعود! لم أعترض بُخلًا مني و لكني سألته عن ماله الكثير الذي حوله قبل سفره وأخذه معه:
سرقوا كل شئ. المال كان أرخص المسروقات!

أرسلت له التذكرة. اليوم استقبلته عائدًا بلا ابتسامة، بلا حماسة، بلا أحلام. اشتريت له زهورًا عديدة مختلفة الألوان ترحيبًا بعودته. أخذها مني ثم رماها في صفيحة القمامة  ونحن في طريقنا إلى السيارة.




شباك أم سامي

نُشرت فى عربي ٢٢


(1)
عشقت أم سامي الموسيقى ولذلك لم تعترض عندما قال لها سامي أنه سوف يمتنع عن الذهاب إلى المدرسة حتى يتمكن من تشكيل فرقة موسيقى لإحياء حفلات الأفراح.

ورثت أم سامي عن المرحوم زوجها عمارة صغيرة من خمسة طوابق ودكانين صغيرين. قامت بتأجير العمارة كلها عدا الدكانين، تركتهما لسامي يستثمرهما عندما يصبح رجل. سكنت هي وسامي في فى الدور الأرضي حيث يوجد شباك الصالة الذي يطل على الشارع وما يدور به من حياة. تجلس على كرسي متهالك تنظر من الشباك وبيدها سيجارة دائمة وفنجان قهوة انتشرت عليه ورود حمراء وفى الخلفية ،رغم ضجيج الشارع، تسمع صدى أغنيات قديمة لمطربين من الأسكندرية لا يعرفهم الكثيرون أمثال حسن حسان وإبراهيم عبد الشفيع.

ردت على طلب سامي بعد أن ألقت السيجارة فى الشارع:
لابد أن تكون فرقة موسيقية مختلفة. إذا كنت سوف تغني "بسم الله الرحمن الرحيم نبدأ الليلة" مثل عوكل وفتحي يوسف ومحمود أبو لطعة، البقاء في المدرسة أفيد لك ولنا جميعًا.

هنا قدمني سامي كدليل حي على أن الفرقة الموسيقية سوف تغني فقط كل ما هو جديد. قال لها أني سوف أقوم بكتابة أغنيات جديدة للفرقة. طلبت مني أن ألقي عليها بعض ما كتبت وهي تُشعل سيجارة جديدة. لم أعلم حينها أني أمام لجنة إستماع للحكم على ما أكتب من أشعار. بعد المحاولة الثالثة مع الكبريت، نجحت أم سامي في إشعال السيجارة وأمرتني بصوت يقطعه دخان النفس الأول:
أطربني يا ولاه


(2)
ظهرت نتيجة الإعدادية في الرابعة فجرًا. كان صيف الأسكندرية يزفر نارًا في الثانية ظهرًا عندما وقفت أمام المدرسة منتظرًا إعلان النتيجة. يخرج عم مختار فرّاش المدرسة يصبرنا كل نصف ساعة بأن النتيجة سوف تظهر في الساعة القادمة. لم تأتِ هذه الساعة إلا عندما جاء نداء الفجر من مساجد بعيدة متفرقة وعندها خرج عم مختار بالبشارة. رجعت البيت ومعي من الفخر ما لا أستطيع أن أحمله. فقد جاء ترتيبي الأول على المدرسة.

لم يأخذ أبي بالأسباب، ولم تنتصر نتيجة تفوقي على غضبة. كان يقف فى شرفة منزلنا غاضبًا ليس قلقًا على غيابي ولكن لأنه تأخر عن ميعاد نومه واستماعه طوال الليل إلى بكاء أمي وقلقها وقصصها التي لا تنتهي عن أولاد فى مثل عمري غرقوا في البحر أو تم خطفهم عن طريق أحد العصابات. 

 فتح ابي الباب وكان على وشك أن يصفعني. لو أراد أن يصفعني حقًا، لفعلها بسهولة. ولكنه أخذ وقته حتى يعطي أمي الفرصة كي تقوم من مجلسها لتدافع عني بكل جسارة بعد أن ملئت رأسه طول الليل بالغضب تجاهي. في محاولة هروبي السلهة وأنا أحتمي خلف أمي لوّحت له بالشهادة في يدي وبيان الدرجات معلنًا أني الأول على المدرسة. كان قد قرر فى نفسه أن يذهب لينام وأنه واجبه قد انتهى فى هذا المشهد الدرامي الناجح، بعد أخذ خطوتين في طريقه إلى غرفته،قال لي ساخرًا:
هل سيتم تعينك غدًا فى الديوان بالإعدادية غدًا يا ابن الكلب.

(3)
قلت لأم سامي أن ما أكتبه الآن يختلف بالتأكيد عما سوف أكتبه لفرقة سامي الموسيقية. قالت لي وهي تنظر إلى نقطة مجهولة في الشارع:
الشيخ سيد وبدارة كانا يغنيان في الأفراح. أسمعني أي شيء مما كتبت
لم أكن جاهزًا لهذا الإمتحان وبعد أن استدعيت أجمل ما أحفظ، قاطعتني أم سامي بعد الجملة الأولى وهي تضحك:
يا ولاه هذه الأشعار تضحك بها على البنت ابتهال بنت توحة كي تجر قدمها إلى السرير. ما لهذا الكلام بالأفراح.
ثم تركت أم سامي مقعدها الشهير خلف الشباك وتحركت في اتجاه أحد كنبات الصالة لتُخرج من تحتها صندوق أبيض صغير وأخذت منه شريط كاسيت لصباح:
أسمر أسمر.. طيب ماله..هو سماره ..سر جماله
ثم تبع صباح أغاني غزل كثيرة لأصحاب البشرة السمراء
(4)
لم يحتاج سامي لأغنية واحدة من أشعاري. كثرت صناديق أم سامي البيضاء وأخرجت كنوزها المدفونة من الأغاني. علمّت سامي أغاني عايدة الشاعر وليلى نظمي وأغاني أخرى من التراث السكندري التي لا علاقة لها بالأفراح. بدأ سامي فى البروفات فى أحد دكاكينه المغلقة. تخلّت أم سامي عن الكاسيت الذي كان دائمًا في خلفية  شباكها وبدأت تسمع لسامي وفرقته يغنون الأغاني التي تحبها. لم تؤتي الفرقة بثمارها. لم يغني سامي في فرح واحد. البروفات مستمرة لإشباع رغبة أم سامي في سماع ما تحب من أغاني.

بعدما تلاحقت أيام الصيف وتسلل الخريف ينفث في سماء الإسكندرية نسمات رقيقة ويلوّن السماء باللون الأبيض، لم يكن فراقي عن شباك أم سامي سهلًا. علم أبي بفرقة شباك أم سامي وجاء ذات أصيل يطلب من أمي أن تهنئني لأني أصبحت شاعرًا لفرقة عوالم قد الدنيا.

 الحق أقول، لم يخش أي من أبي أو أمي انحرافي وكانا شديدي الثقة بتفوقي لذلك لم أنقطع عن شباك أم سامي الذي لم يمثل أي انحراف على الإطلاق. أذهب إليها متى استطعت استمع إلى تعليقاتها على الأغاني القادمة من الدكان. تنظر إلى نفس النقطة المجهولة في الشارع وهي تدندن مع سامي أغنيات فى جمال السُمر. تسألني وهي تشعل أحد سجائرها إذا كنت قد ضاجعت ابتهال بعد؟ أبتسم خجلا فتضحك هي وتلوم هذا التأخير على أشعاري الرديئة.

حكايات صاحب البلغة - 3


(3)-شمس فضالي وشمس إبراهيم




عاد الصعيدي أبو سِنّة من ليبيا حاملًا أحلامًا كبيرة تحميها القليل من الدنانير. اشتري قيراط من الأرض بنا على نصفه دار صغيرة وزرع النصف الآخر. قامت الحكومة بإزالة أساس الدار التي بُنيت على أرض زراعية مُجرّفة. يوم الإزالة فقد الصعيدي ولده الأكبر مُعمِر الذي سمًاه حُبًا في مُعمِر القذافي. عندما أتت قوة الإزالة وبدأ الجراف فى خبط الأساسات، رمى مُعمِر نفسه أمر الجرّافة فى سينمائية ندم عليها. ظن الولد أن سائق الجرّافه سوف يقف بالطبع، ولكنه لم يراه وفرمه حتى أصبح جزء من الأسمنت والطوب الأحمر وسط ذهول أهل القرية جميًعا الذين شهدوا هذا اليوم! انقلبت البلد رأسًا على عقب وكادت تفتك بالضابط والعساكر وسائق الجرّافة. حمل كل فلاح من الشهود ما ملكت يده من فأس ومنجل وبدأو فى مهاجمة حملة الإزالة. بدأ الضابط فى الهروب جريًا وخلفه باقي القوة والأهالي خلفهم فى مطاردة لن تتكرر كثيرًا. منذ هذا اليوم المشهود وحضور الشرطة فى قرية الخّواف حضور خفيف متمثل فى ضابط نقطة الشرطة وبعض الخفراء الذين لا يغادرون النقطة إلا فى الضرورات.
دار أبو سنة من البيوت القليلة فى البلد التي لمستها العصرّية والحداثة متجسدة فى ألواح الرخام التى انتشرت فى عشوائية قبيحة على كل جدار. فى الجانب الأيمن من باب الدار الحديدي، بنا أبو سِنّة مصطبة عريضة كي يتفاخر بها كما يتفاخر بركات أبو محيسن بمنظرته الكبيرة. فرش أبو سِنّة المصطبة بالحصير البلاستيك الأخضر وبعض المساند التي اتكأ أبو سنة على أحدهم وهو يدخن النارجيلة وعارض الشيخ زغاوة الجالس أمامه مع جمع من الفلاحين:                                                                         
- لم لا يا شيخ زغاوة. سيدنا إبراهيم نفسه قد عبد الشمس قبل أن يرى نور الهداية
- أنتم مجانين وتأتون ببدع هى أقرب إلى الكفر من الإيمان
ضحك أبو سِنّة وفتح فاه خال تمام من الأسنان:
- وما الضير فيما...
قاطعه الشيخ زغاوة غاضبًا:
- يا بهيم إن الشمس والقمر والكواكب كلها لله. لا توجد شمس فلان وقمر علّان
- ولكن..
ثم قام الشيخ زغاوة مستندًا على عصاة متجاهلًا أبو سِنة وعصابته وهو يلعن الجميع. شعر بالبغلة تقترب من جموع الناس، قام أبو سِنّة من مقعده مُرحبًا بالبغلة:
- أهلًا أهلًا برائحة الحبيب الغائب. وسّع يا ولد أنت وهو
ثم قام بعض الفلاحون من مجلسهم كي يفسحوا مكانًا للبغلة!
لم يصدق الشيخ زغاوة ترحيب الفلاحون بالبغلة:
- الآن تعبدون الشمس والبهائم يا بقر! لعنكم الله جميعًا قرية ظالمة راحت بركتها
ضحك أبو سِنّة:
- أنت معترف إذن أن البركة ضاعت مع فضالي

منذ أن راح فضالي وبات غيابة يقينًا محسوسًا ، بدأ أهل القرية يخشون الشمس! انتشر الحذر فى الأجواء مثل رائحة غريبة. كيف للفلاح أن يخاف الشمس؟  يسأل الشيخ زغاوة ولا مجيب. عندما تستدير الشمس وتتلون بالحُمرة، يلزم الفلاحون ديارهم حتى لا يحدث لهم مثلما حدث لفضالي. أصبحت الشمس الكاملة المستديرة اسمها "شمس فضالي" والشموس الأخرى مجرد شمس عادية. سُحب  سوداء تُمطر يأس على القرية..هل تتابع الخيبات كما عهدتها القرية قبل ظهور فضالي؟ وجد الجميع اجابة لحاجته عند فضالي حتى بدون دعاء، دون طلب أو استجداء. علم فضالي ما في قلوبهم فاستجاب.

عندما ترك الشيخ زغاوة مصطبة أبو سِنّة قصد الحقول الخضراء. فى الأفق، كانت السماء حبلى بشمس فضالي. على السكة الترابية ترى الفلاحون يسرعون الخطى عائدون من الحقول تفاديًا شمس فضالي والشيخ زغاوة يمشي عكسهم قاصدًا الشمس والحقول. تناديه أصوات خائفة:
- ارجع يا شيخ زغاوة
- فليذهب أحد يأخذ بيده ربما لا يرى الطريق الصحيح
- لا حول ولا قوة إلا بالله. الشيخ زغاوة سوف يضيع

فى مؤخرة طابور الفلاحين، كان بركات أبو محيسن-الرأسمالي الوحيد في القرية-  راكبًا حصانه الأبيض عائدًا هو الآخر. عندما رأي الشيخ زغاوة نزل من على الحصان وقال له فى غضب:
-  الفّلاحون لا يعملون يوم كامل يا شيخ زغاوة بسبب شمس فضالي
- لايوجد شيء اسمه شمس فضالي يا حاج بركات. الشمس شمس الله
- ملعون فضالي فى حضوره وغيابه. سوف يصيبنى الخراب والمحصول هيضيع. لا حكم لي الآن على الفلاحين.
ظهرت البغلة البيضاء فجأة واقتربت من الرجلين تأكل ما تحت أقدامهما من بقايا عشب ميت!
ضربها الحاج بركات بعصا يمسكها فى يد وصرخ فى البغلة:
- غوري قبر يلمك أنت وصاحبك. متى أتيتِ إلى هنا. كيف هبطتِ علينا هكذا
أصاب الشيخ زغاوة قليل من التوتر عندما رأي البغلة هكذا لا يعلم من أين أتت:
- لا تغادر الحقل يا حاج بركات. فعندما يراك الفلاحين أنت الآخر تترك الغيط سوف يصدقوا هذه الأسطورة
- ولكن كيف لي أن أتأكد أن هذه الشمس ليست مسحورة يا شيخ زغاوة. ماذا لو كان خوفهم صحيح
- سلام عليكم يا حاج بركات. أنت الآخر لا تقل بصيرة عن ابنك محيسن
ثم تركه هو والبغلة وواصل مسيرته.

عبر الشيخ زغاوة السكة الترابية ومقهى الخولعي. وقد أصابه شئ من الشك. أخذت الأفكار والأسئلة تعبث برأسه. ماذا لوكانت هذه الشمس مسحورة حقًا؟ ماذا لو بلعت فضالي بحق. استغفر الله العظيم. الأنجاس ولاد الكلب سوف يجعلوني أكفر بالواحد الأحد. عن أي شمس تتحدث يا زغاوة. أنت تعرف فضالي وأصله وفصله وتعرف لماذا يؤمنون به وفضائله.
بعد أن عبر زغاوة القرافه اتجه شمالا ناحية الفاخورة و الساقية المهجورة. على بعد خطوات كان هناك بيت متواضع بُني من جذوع النخيل والبوص والخيزران. تحرك الشيخ زغاوة قاصدًا المنزل وقبل أن يصل إلى الباب اعترضته بغلة فضالي! رجع الرجل يتحدث لنفسه مرة أخري لقد ترك البغلة مع الحاج بركات والآن هي أمامه!  
فتح الشيخ زغاوة الباب ودخل المنزل كمن يعرف تفاصيله جيدًا. المنزل جميل من الداخل. نظيف وبه قطع أثاث راقية رغم بساطتها. ثمة مكتب خشبي قديم ومقعد، سرير متواضع ودولاب والعديد من الكتب. جلس زغاوة على السرير ينظر إلى المنزل(الكوخ) وضع عصاه جانبًا وركع على ركبتيه وبحث تحت السرير حتى وجد صندوق نحاسي متوسط الحجم. وضعه على السرير وفتحه وهو ناظر إلي محتوياته. خرجت من الصندوق روائح الماضي المعبقة بالنعيم. صور قديمة ومفاتيح أوراق أصابها الزمن بالاصفرار. رسمت الأشياء على وجه زغاوة ابتسامة نادرًا ما تراها. راحت الابتسامة عندما سمع زغاوة صوت الباب وهو يفتح فنظر ليجد شواهي تدخل عليه. قبل أن يلقي عليها أي تحية قالت له:
- البلغة تحدثني يا عاطف
لم يسمع اسم عاطف منذ زمن مضى، فأضاف الإسم إلى محتويات الصندوق النحاسي حنينًا فوق الحنين:
- سلامة عقلك يا سيدة النساء
- أنت تعرف أنها تحدثني وتنكر
- كيف للبهائم أن تتحدث يا زينة النساء
- قُل لي أنت كيف
- ربما خُيّل عليكِ
- كلما تذكرت فضالي فى أي مكان تظهر لي البغلة دون استئذان كأنها هبطت من السماء
- البلغة مثلنا تشعر بفقدان صاحبها ليس إلا.
سألها مغيرًا مجرى الحديث:
- ماذا جاء بكِ هنا 
- أبحث عن أي شيء يُفسر هذه الغيبة. وأنت جئت تبحث عن الماضي الذي لن يعود
- كنا فى نعيم
- وأنا الذي ضيعته أليس كذلك؟
- لم أقل ذلك يوم
- لا يهم أن تقوله بالحروف
- ليس لكِ ذنب فى أي شيء ويجب أن تكُفي عن هذا
- أين ذهب؟
- أنتِ تعرفينه مثلي تمامًا

- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -- - - - - - - - - - -
الجزء القادم - 4
(4) - رجل غريب فى مقهى الخولعي