Monday, February 13, 2012

! ولِلصَبْر عَطَارّاً

دخل صلاح كلية الطب مُلبياً رغبة أبيه العطار الكبير الذى طالما حلم أن يناديه الأهل و الخلان بأبو الدكتور. كان الحاج عمران من أكبر العطارين و التجار وكان رجل كريم خيّر. كان مؤمن كل الإيمان بأن الفرق الوحيد بين دكانته البسيطه و كلية الطب هى الشهادة الجامعيه فقط. فكلية الطب تعلم الطلبه كيفية مداواة الجراح و العلل و كذلك دكانة العطاره التى ورثها أباً عن جد. بل آمن الرجل بأن دكان العطارة أعظم شأناً و أرفع مقاما حيث يوجد فى هذه الدكانه علاج لأمراض لا يعرفها الطب مثل السهد و الفراق! فكان صلاح بالنسبة للحاج عمران هو الشهادة الجامعيه التى ستتمم موسوعة دكانة العطاره وبها سيحفر إسم الدكانه فى الخلود الأبدى

تعود صلاح أن يقضى أجازته الصيفيه فى الدكانه منذ المرحله الإبتدائيه، كبر فى الدكانه و عرف ما بها من أسرار و عبر. عرف أن 
هناك نوعا من العطاره لعلاج المعده و هناك صنف آخر للصداع و هذه تحويجه لجلب الرزق و البنين و الأزواج! كان صلاح أديباً كارهاً للطب و العلوم، يعشق الكتابه والآداب فكتب عن العطاره و أصنافها و ما ذُكر عنها و فيها. كتب عن جميع الأصناف  و الأنواع الموجوده فى الدكانه و لم يترك شيئاً غير تلك العُلبه النحاسيه التى وصفها والده بأن فيها خلاصة الصبر فى دواء القلب! لم يهتم صلاح بهذا الإسم بل سخر منه أحيانا حتى دخل كلية الطب و أصبح طبيباً متخصصا فى القلب و آهاته. و عندها بدأ صلاح يسأل نفسه عن علاقة القلب بالصبر و تمادى الشاب فى حيرته. و ما علاقة الصبر بالعطارين و العطاره من الأساس؟ كلما زادت الأسئله فى عقل الطبيب العطار، كلما زادت رغبته فى فتح تلك العلبه النحاسيه عسى أن يجد بداخلها الجواب.

بدأ صلاح فى كتابة ما يمر بخياله عن تلك العلاقات و إقتنع بأن القلب هو أكثر أعضاء الجسم صبراً و جلداً. و لما لا؟ و هو العضله الوحيده التى لا يراها أحد عندما تكون موجوعه بألم الفراق و هو أيضاً العضله الوحيده التى اذا صلحت، صلح الجسد كله.
أصبح ذلك شغله و شاغله. راقب والده مراراً فى كل مره يفتح فيها تلك العلبه النحاسيه و يعطى زبائنه بعض منها و على وجهه إبتسامة الحكيم المُقتدر. لاحظ صلاح بعد عدة شهور من التدوين عن العلبه النحاسيه أن معظم الراغبين فيما بها هن شابات يملأ الحزن أعينهن رغم إستحواذهن على ما تبقى فى هذه الدنيا من جمال. 

كانت تلك السمراء أجملهن بلا منازع أو نظير. زاد جمالها درجات كما زاد الحزن الساكن فى عينيها! إستمرت فى القدوم للدكانه يوماً بعد الآخر بلا يأس، تدمع عيناها و يقوم والده بفتح العلبه المسحوره و إعطائها القليل من ما بداخلها بعد أن يهز رأسه يميناً و يساراً تضامناً مع حزنها و رفقاً بما وصلت إليه. لم يستطع صلاح تشخيص حالة السمراء بالنظر إليها فقط، فكل ما كان يراه هو دموع تتساقط على إستحياء من عينيها الواسعتين. و كيف له معرفة ما تشكو منه السمراء و هو بعلوم القلب مازال حالماً ! إذا كانت العلبه النحاسيه هى 
خلاصه الصبر فى علاج القلب كما يدعى والده فكيف بهذه الفتاه ان تأتى كل يوم؟ و لما لم تُشفى بعد؟

لم يجد الشاب بداً غير أن يتتبع السمراء بعد أن خرجت من الدكانه لمعرفة مقصدها و وجهتها. خرج ورائها من الدكانه يراقب خطواتها الضعيف الثابته حتى وصلت الى نقطه هادئه على شاطىئ البحر و وجدت صخرة كُتب عليها شعارات غراميه و إتخذت منها مجلساً و مقاماً. اخرجت من حقيبتها كتاب ما و أخذت تقرأ من الكتاب و تنظر ألى البحر و كأنها أم شابه تقرأ قصه قبل النوم لطفلها الصغير. ازداد صلاح حيرة فوق حيرته و لم يع شئ مما رأى. و مع غروب الشمس تركت السمراء مقعدها و ذهبت الى منزلها القريب من البحر. وقف صلاح قليلاً أمام المنزل آملاً أن يرى شيئاً يساعده فى معرفة القليل عن السمراء الجميله و قبل أن يغادر مكانه وجدها تفتح شباك المنزل المطل على البحر و أخرجت نفس  الكتاب و أخذت تقرأ!

عاد صلاح الى منزله هو الأخر تقتله الفضيله و الحيره معاً . قضى ليلته يفكر فى تلك الفتاه الحزينه و ما تخفيه ضلوعها الواهنه من اسرار! اللعنه على العلبه النحاسيه وما تحتويه . اللعنه على دكانة العطاره وكلية الطب ! بل اللعنه على النفس البشريه التى تعقدت و تشعبت  فأصبح من المستحيل فهم ما تحويه من مشاعر و ألغاز
تكررت زياراتها للصخره الموعوده و مراقبة صلاح لها .حتى قرر فى يوم ان يتحدث إليها ويسألها عن ما بها وما هو السبب وراء ما آلت اليه. 

بلا شك سوف يعرف ما بالعلبه النحاسيه اذا عرف العله والشكوى. تبعها حتى جلست الى الصخره وقبل أن تخرج كتابها رأت صلاح واقف أمامها كملاك الموت الذى لا يقبل سبباً ولا معذره. قبل ان يفتح فمه بكلمة رفعت هى عينيها ناظرة اليه
وقالت: أنت الدكتور صلاح ابن عم عمران العطار. صح؟
صلاح: أيوه انا.أنا صلاح .. كنت عاوز ....
السمراء: كنت عاوز ايه يادكتور؟ وإيه اللى جابك هنا فى المكان ده؟
صلاح: بصراحه .. انا بقالى كام يوم بأمشى وراكى بعد ما شفتك فى الدكانه. و عرفت انك بتقعدى هنا
السمراء: خير يا دكتور عاوز تعرف ايه؟
صلاح: عاوز اعرف انت ليه دايما بتعيطى وليه حزينه كده و  الحاج عمران بيديكى ايه من العلبه دى؟ وايه الكتاب اللى بتقريه ده؟ و بتقريه لمين؟
بكت السمراء وكأن صلاح قد أخذ خنجراً وطعنها به فى القلب! لم يعرف ماذا يصنع بعد ان سألها هذه الأسئله. ودّ ان يجرى هرباً أو يعتذر أو يلقى بنفسه فى البحر العميق من الخجل. من أنت حتى تتدخل فى خصوصية من لا تعرف؟ كيف لك أن تتعدى على شئ مدفون فى الأعماق وأتيت أنت تزيح ما قد غطاه من ايام و تغتال ما به من ذكرى. إعتذر صلاح للسمراء و طلب الصفح و الغفران وشرح لها أنه لم يقصد ان يضايفها. وهمّ بالرحيل ولكنها استوقفته قائله
انا بقالى 3 سنين باجى هنا فى المكان ده. البحر خطف شخص عزيز فى المنطقه دى و هو بيقرأ الكتاب ده. و كل يوم اجى هنا و أقرأ له م الكتاب يمكن يرجع تانى أو على الأقل البحر يوصل له كلامى ده.
صلاح: يعنى الشخص ده اتوفى الى رحمة الله ؟ غرق فى البحر؟
اجابته بدمعتين ليس أكثر لتكتب بهما كلمة : نعم
صلاح: طيب.. البقاء لله وربنا يصبرك. بس إيه علاقة اللى الحاج عمران بيدهولك من العبله النحاس؟
السمراء: الحاج عمران بيدينى خلطه للأمل .. ترجع اللى غايب واللى راح
صلاح و قد بدت على وجهه آلاء الغضب والإستنفار: ترجع اللى غايب ازاى؟ والحاج عمران قالك ايه عن اللى فى العلبه دى؟
السمراء: انت بتسألنى أنا يا دكتور. المفروض تكون انت عاروف اكتر منى. دا  الدكانه بتاعتك وعم عمران ابوك
تركها صلاح و لم ينطق بحرف آخر. كيف بخلطة الامل أن ترجع من مات وغرق و كيف لإنسان عاقل مهما كان مصابه و وجعيته ان يصدق بشئ كهذا. اللعنه على النفس البشريه

وجد صلاح نفسه واقفا امام ذلك الرف الذى تسكنه العلبه النحاسيه. ينظر الى تلك العلبه التى يعلم الله و الحاج عمران ما بداخلها. اقترب صلاح منها وهمّ ان يفتحها حين أوقفه صوت ابيه آمراً
بتعمل ايه يا صلاح؟
صلاح: عاوز اعرف ايه اللى فى العلبه دى يا حاج؟ ايه خلاصة الصبر وايه الامل الموجود فى علبة قديمه زى دى. انا قابلت البنت السمرا ء وحكت لى على كل حاجه. والمسكينه كل يوم تروح البحر تقرأ م الكتاب عشمانه ان الغريق يرجع
الحاج عمران: و ايه المشكله فى كده يابنى ؟ البنت دى زيها زى غيرها كتير من الناس. زى و زيك. عارفين ان الحقيقه شئ بس بيدور على اى حاجه فىها امل حتى ولو خيال
صلاح: انت بتنصب على البنات دول يا حاج !! الحاجه اللى فى العلبه دى عمرها ما هترجع ميت ولا تكتر رزق ولا تغير مكتوب.

كانت هذه الكلمات آخر ما قال صلاح فى دكانة العطاره. بل آخر ما كلم به والده الحاج عمران. اخذ صلاح العلبه النحاسيه معه و ترك نفسه لخطواته الحائره. يمشى على كورنيش البحر متأملاً الوجوه البائسه متسائلا عما اذا كان اى من تلك الوجوه قد زار الحاج عمران طالبا الأمل والمستحيل. ودّ صلاح ان يقف فى قارعة الطريق صارخاً بان العلبه النحاسيه التى يحملها فى يده ما هى إلا كذب و إدعاء. ودّ الطبيب الشاب ان يشرح لك من يقابله بأن الموت حق و الفراق حق. ذهب صلاح الى الصخره التى تجلس عليها الحسناء السمراء و فى يديه العلبه النحاسيه التى ظل طيلة حياته يتسآل عما بداخلها. أخذ ينظر الى تلك العلبه كطفل صغير فى ليلة العيد يتأمل الهدية التى وعده والده إياها. يقلبها ذات اليمين وذات الشمال و هو قابع على الصخره التى أصبح اثقل منها وزناً وهماً. قام صلاح من مقعده و لعن النفس البشريه مرة أخرى و نظر نظرة أخيره إلى العلبه النحاسيه التى رماها فى أعماق البحر

نيويورك نوفمبر 2011

0 Comment: