Thursday, March 29, 2012

ســاعْه



دق صوت جرس الإنذار الذى طال انتظاره. هو الدليل على توقف القتال. هدأت أصوات المدافع وطلقات الرصاص. إبتسامات يشوبها الخجل تعتلى الوجوه التى لم تر المياه منذ أسابيع. معنى القدرة على الإبتسامه فى هذا المقام هو بقائك على قيد الحياة. يبحث الخِل عن خليله والصاحب عن عشيرته. تُحلّق العيون الحائره فى الجثث الملقاه على الأرض. تساؤلات ليس لها ردود. بأى ذنب ذُهقت هذه الأرواح؟ ليس ذلك بمهم الآن، الأهم أنك على قيد الحياه تتنفس الهواء المملوء برائحة الذخيره وعبير الدم. صوت القائد يصرخ فى جنوده بأن هناك ساعة راحة حتى يعود القتال. ساعة واحدة فقط هى كل ما تبْقى من الحياة. ساعة كاملة لن يُقتل أو يُجرح فيها أحداً. هكذا تم إختصار العمر كله فى ستين دقيقه. نظر الى رفاقه من الجُند وتأمل. فوجد من يأكل بشراسه حُب الحياة والبقاء فيها ومن يدخن بشراهه من مُقبل على الموت وليس هناك ما يخسره ويخشاه،  ومن جلس بمفرده وحيداً يقوم بتنظيف سلاحه وملأه بالذخيره. دخل خيمته وسأل نفسه الف سؤال عن ماذا يفعل بتلك الساعه الثمينه. وقف وسط الخيمه ينظر الى متعلقاته عسى أن تهديه الدليل الى ما يفعل. فتح مخلته والقى كل ما فيها على سريرة الصغير. لم ير أى شئ ذى أهميه فى محتوياتها غير تلك الأجنده السوداء التى يتحتفظ بها منذ أيام الصبا. إبتسم اليها إبتسامة الأسف على التجاهل الغير مُتعمد والطالب للعفو والغُفران. فتحها وقلب صفحاتها ليقرأ ملاحظات قد كتبها عنها وفيها. أراح ظهره على السرير الذى طالما إشتكى من ملمسه، بدأ يتذكر لما كتب تلك الكلمات ومتى قرأها ومتى قرر إرسالها إليها ولما لم يقم بذلك وكيف أنه لم يشرح لها كل هذا وفضّل الهروب والإبتعاد . نظر فى آخر الاجنده ووجد رقم تليفون كان يحفظه عن ظهر قلب. اسرع الى التليفون حتى يشرح لها كل شئ . الحياة لم يبق منها إلا ساعه ووجب عليه وضع نهايات وخواتيم لما قد بدأ ونسى.  وقف فى طابور التليفون الطويل يرتب أفكاره ويختار مفردات كلماته التى سيبدأ بها أهم مكالمة فى حياته. يسير الطابور ببطئ السنين وهو مازال يختار ويحذف بعض الكلمات من عقله وخياله. طال الطابور، وهناك دموع وكلمات وداع وتذكرة بالخير ووصية بالاهل والاولاد. غيّر مره أخرى من المفردات التى سيستخدمها معها عندما ترد على مكالمته وتقول بصوت ملائكى ألو. ثلاثة حروف ستغيّر من حتمية الموت المؤكده الى المحبه والنظر الى اللقاء فى الجنة. أتى دوره أخيراً وبدأ فى طلب الرقم، وسمع ضربات قلبه متسارعه متتاليه كرصاصات طائشه ليس لها هدف. ردت هى  على الهاتف وقالت ألو، وقبل أن ينطق بحرف واحد، دق جرس الإنذار معلناً انتهاء الساعه وما تبقى فيها من حياة

25 نوفمبر 2009 

0 Comment: