Saturday, August 31, 2013

تلك المدنيه - الجزء 2

new-york-1

يمكنك قراءة الجزء الأول هنا 
تُسابق السياره أعمدة الإناره المتراصه على جانبى الطريق فى خشوع. وأعود إلى ليلة الوداع الأولى عندما قلت لها أنى سأغيب عام أو عامين على الأكثر وأعود محملاً من الأحلام أثمنها. مرت السنون وأصبح العام أعوام ولا أتذكر من الحلم أى ملامح. شنطة السفر كانت تقف جوارى دليلاً واضحاً على عدم صدق وعودى بالرجوع. تكررت ليالى الوداع بعد أن ألفها الجميع وأصبحت حقيقه ثابته ومستمره. وجودى معهم هو الشيئ الذى أصبح مؤقت. فى البدأ كثر عدد المودعين وراقت كلماتهم العذبه عن الفراق ولوعته والوحشه وما يعتريها من آلام، وبمرور الأيام تلاشت هذه الكلمات وإختفت .
فكرت فى عم محمد، ذلك الرجل العجوز الذى شاركته مسكنه فى البدايه، وتذكرت حكايته عندما ودّع زوجته أول مره قائلاً: متعيطيش يا وفاء. يدوب ثلاث سنين وراجع. عندما قصّ علىّ تلك الروايه كان يتمم عامه الثلاثون فى الغربه! كنا نجلس على مائده من الأسماك الفاخره . كنت أستمع إليه وأستشعر نبرة القهر فى صوته وهو يصف الغربه والفراق وعدم إختياره ما هو فيه. كان مؤمن، مُصلىّ، يخشى زوجته. يأكل من طبق الجمبرى أو الإستاكوزا وبعد كل مضغه يقول بصوت فيه خشوع لا أفهمه: ربنا بيحلى للفقير زاده! لم أعترض على تصوفه أو على ماقاله فى حق الجمبرى والإستاكوزا ووصفهما  بأكل الفقير وهما من ذلك براء. كان لا يساورنى أدنى شك أنه يصلى فى جهره وسره حتى تتحقق المعجزه و يعود .
كنت أحب أن أسمعه  آمالاً أن أتفادى أخطائه أو أن أستفيد من خبرته المنقوشه فى تجاعيد وجهه والشيب المنتشر فى رأسه. حكى لى عن النجاح الملموس فى فيلا الساحل وشقة مصر الجديده وعمارة المهندسين. ولكنى لم أرى أى علامات لهذا النجاح فى روحه التى تقتلها السنين يوم بعد اليوم. هربت من السكن معه بعد تسعة شهور خوفاً من رؤية  مستقبلى فى كلماته. كرهت أن أرانى  أسير على نفس الخطوات التعيسه وكأن من أتى بنا إلى هنا كتب علينا أن نكون نفس الشخص، بنفس الروح المستسلمه والغير قادره على المقاومه. قابلته صدفه وفى يده حفيده. لم أساله عن أي شيئ، ولكن نظرة عينيه المستضعفه أجابتنى بأنه لم يعود بعد، بالعكس لقد أرسل لإحضار زوجته وأولاده . والآن أصبح له حفيدين لم ير أى منهما أرض المنبت. وأصبحت الأسره جميعها حالة مؤقته . تبادلنا أرقام التليفونات والعناوين الجديده وتعاهدنا على مواعيد ولقاءات ومهاتفات لن تتم .
إستعرضت كل هذه الرؤي وأنا خلف عجلة القياده في السيارة . وحيدا أطوف شوارع نيويورك . أنتظر مرور تلك السويعات القليله من الليل لتشرق الشمس آذنه ببدأ حياة أخرى جديده .....
قريباً  الجزء الثالث

0 Comment: