Friday, January 02, 2015

(1) لتحضير حقائب السفر بهجة خاصة ....

ع البحر
(1)
أمس فقط تذكرت أنى اشتريت حقيبة جديدة بعد أن طمع عزيز لديّ فى حقيبتى القديمة. لم استوعب أنى قد أعطيته بعض سنوات عمرى معها إلا عندما ضربت خياشيمى رائحة الجلد الجديد. عدد قليل من البشر لا أستطيع أن أغضبهم أو أقول لهم "لا". كان هو واحد منهم.
قال لى صديق: لابد أن تتعلم أن تتهجى حروف كلمة "لأ".
قلت: الحروف قليلة، خفيفة على اللسان ولكن المهم هو ما يتبع كلمة "لأ" من أثقال.
كانت علاقتى مع الحقيبة مشابه لكل علاقاتى الإنسانية، خائفة، مترددة ، ليس بها من الشجاعة ما يكفى. أحياناً كنت أكرها لأنها هى الحاجز المنيع بينى وبين لقاءات ومواعيد لن تتم وبقاء مؤقت لن يدوم. وأحياناً أخرى كنت أهيم بها شغفاً لأنها هى الدليل على قُرب اللقاء.
محطات كثيرة حضرتها معها حقيبتى القديمة. انتكاسات وومضات مسافرة من السعادة. كانت شاهدا على فترات من السلم والعديد من الحروب والمعارك الخاسرة.
أتذكر عندما رحل أبى رحمة الله عليه. سافرت بين نيويورك ومصر أكثر من أربع مرات فى ثلاثة اسابيع. فى المرة الأخيرة، أخذت حقيبتى الشهيرة ومررت بكل سهولة من موظفى الجمارك عديمى الإبتسامة. وجدت سوسن فى انتظارى ترتدى سواد الثياب. أخذتنى فى حضنها الفسيح ولكنى لم أبكِ. حتى الآن لا أعرف كيف أبكى. لابد أن هناك تعريفاً آخر للبكاء غير ذلك المصحوب بالدموع. فارقنى دون ان أشبع منه. الفراق الذى بدون مواعيد هو الأسوأ على الإطلاق. نحن نتعامل مع من نحبهم كأنهم الأهرامات، باقون للأبد، ونستيقظ فجأة على لطمة الفراق كالسياط تضرب أجسامنا دون رحمة حتى تُدميها. فى السنوات القليلة المُنقضية، كان ميعاد السفر بالنسبة لى كميعاد شروق الشمس بعد دهر من الغيوم. أترى العصفور ينتظر الصباح على غُصن واهن حتى يطير دون قيد أو شرط؟ أنظر إلى حقيبتى وأبدأ فى تجهيزها قبل السفر بشهور. أفعل نفس الشئ الآن حتى وإن إختلفت أسباب اللهفة.
بالصغر، عندما كان العُمرمُجرد نظرة من بنت الجيران، قبل أن ننزل البحر فى الشتاء، كنا نضحك من أعماقنا عندما نضع أطراف أقدامنا فى المياه الباردة لنتحسس درجة حرارة الماء. كان منا من يغير رأيه ويرتدى ملابسه وينتظر الصيف. وكان منا الشجاع الذى يرمى بجسده كله فى المياه الباردة حتى يتعود عليها وتصبح حيقيقة وواقع لا يخشاه. هذه السفرية بالنسبة لى الآن هى المياه الباردة التى لزم عليّ التأقلم عليها.
(2)
عندما ضاعت حقيبتى فى أسبانيا  تلك البلاد التى أحلم أن أعيش بها عند بلوغ المعاش...................
قريباً، الجزء الثانى..

0 Comment: