Thursday, September 07, 2017

المُثقف المقهور


(1)
يسخر بعض المثقفين العرب عندما يتم سؤالهم عن دور المثقف في المجتمع وينكرون جديّة وجوب أي دور للمثقف في مجتمعه. عندما نسمع أي مثقف من هؤلاء «الساخرين» «الكوول» نتذكر ما علمنا إياه الدكتور مصطفى حجازي بأن السخرية في المجتمعات المتخلفة هي أداة من أدوات المقاومة لدى الإنسان المقهور. أي أن المثقف «الكوول» ربما هو في النهاية مثقف مقهور!
(2)
عندما قال سارتر إن وظيفة المثقف الأولى هي إزعاج السلطات، لم يقصد هنا المثقف «الكوول» المقهور أو المثقف الذي تحول إلى مجرد عرّاب للسلطة يصلي بحمدها ويسبح بحسناتها الكاذبة. وأيضًا لم يقصد سارتر هنا مثقف «فوكنر» الذي يكتب أبحاثًا وتقارير ومحاضرات ويجعلها متاحة للشعوب عند الحاجة إليها. فمن يقصد سارتر بهذا المثقف الذي وضع على كاهله وظيفة إزعاج السلطة! ربما قصد لاعب كرة وكاتبًا ورجل دين وممثلًا أو راقصة.
(3)
على بعد مائة متر من مكان عملي في نيويورك، يوجد أحد فنادق ترامب وأماكن إقامته. كل مساء توجد ضده مظاهرة وليس هذا بالغريب، الغريب هو كمية المشاهير التي تحضر المظاهرات كل ليلة من ممثلين ومذيعين وعارضات أزياء فاتنات وصحفيين ورياضيين. كل هؤلاء يشعرون بواجب من نوع ما عندما يلبون دعوة التظاهر التي يطلقها المخرج مايكل مور بين الحين والآخر. بدأنا إذن من الاقتراب من مثقفي سارتر مع الفارق الشاسع بين المجتمع الذي يتظاهر فيه مور ورفاقه وبين المجتمع الذي لا ينطق فيه المثقف الكوول المقهور.
(4)
ف.س. ينيبول قال إن ماركيز عديم الشرف وصديق الطغاة! والسبب في ذلك هو صداقة ماركيز لفيدال كاسترو أوائل الثورة الكوبية. دافع بعض الناس عن ماركيز وقالوا إنه صديق لكاسترو ولكنه لا يؤمن بنظامه. وكان من ضمن هؤلاء المدافعين سلمان رشدي الذي لم يسلم من لسان ينيبورل عندما وصفه – أي سلمان رشدي – بالاستمناء الثقافي! لم يهتم ينيبول بمكانة ماركيز. لم ينافقه. لم يقل إنه ابن مهنتي، لم يظهر معه في برامج ماسخة يعد فقراتها رجال السُلطة.
(5)
لقد تم كتابة العديد من الدراسات والكتب العظيمة عن علاقة المثقفة والفنان بالسلطة في البلاد العربية. لكن ليس كل الناس قُرّاء أكاديميين. حضور الحدث بنفسك وضرب الأمثلة والمشاهدة من أفضل وسائل التعلم. لن تحتاج إلى قراءة بحث حتى تعرف ثورة يناير مثلًا كانت كاشفًا كبيرًا لأنواع المثقفين. لن تحتاج إلى سماع خطبة جافة ومقارنات وأرقام لتتأكد بأن مذبحة رابعة كانت هي الشعرة الفاصلة بين الإنسانية والهمجية. الأحداث التي عاصرناها في السنوات الست الماضية شرحت لنا معاني المثقف المقهور والمفتي المطاوع والبرلماني المهاود. أعرف أصدقاء توقفوا عن سماع محمد منير مثلًا وذلك لخيبة أملهم فيه. الملك، الذي قضى حياته يغني للعدل والحرية، عندما قامت ثورة يناير تمخض ليلد أغنية تافهة يعاتب فيها البلاد بدلًا من أن يسمي القتلة بأسمائهم. عمار الشريعي هو الآخر أخذ يبرر تلحين أوبريت «اخترناه» الشهير بأنه كان أمرًا مباشرًا من رئاسة الجمهورية ولم يستطع رفضه!
ولكن هذا هو مربط الفرس. المثقف يجب أن يرفض. يجب أن يستخدم أدوات النفي والاستفهام والتعجب. الرفض مطلوب بل واجب في هذه الأيام التي تجمع فيها الديكتاتوريات بين كل أنواع السلطة من قضاء وإعلام و شرطة وجيش. لا يوجد أمل إلا في القلة القليلة من مثقفي سارتر الذين ما زالوا قادرين على الرفض. فإن لم تستطع أن تكون من هؤلاء المشاغبين الذين ينوبون عن الشريحة المنسيّة في المجتمعات الديكتاتورية، فلا تكن من المثقفين الكوول المقهورين! بعد هزيمة 1967 بأيام، وفي اجتماع للجنة القصة بالمجلس الأعلى للآداب، كان هناك في هذا الاجتماع حوالي خمسين من أبرز الكتُاب والأدباء. قالت لطيفة الزيات:
«كل واحد منا مسؤول عن هذه الهزيمة. لو قلنا «لا» للخطأ كلما وقع خطأ ما حلت الهزيمة».
توترت القاعة بالقبول والرفض لكلام لطيفة الزيات. حتى احتج الدكتور حسين فوزي بأن أحدًا لم يملك أن يقول «لا» وأن السجن انتظر من قالها. تُصر لطيفة الزيات على تحمل مسؤولية الهزيمة وتواصل كلامها:
«لو قال كل المثقفين «لا» لما استطاعوا أن يسجنونا جميعًا».
ثم تسود لحظة صمت حرجة، بعدها يسأل أحدهم: ماذا بعد؟
فيبدأ توفيق الحكيم في شرح صلح الحديبية وفوائده!
ثم… ثم… ثم… نصل إلى الكابوس الذي نعيشه الآن

0 Comment: