Saturday, August 20, 2011

أَحْلامْ صَاحِبِ الْجَــلالَهَ

كانت فرحته العظمى وفوزه الأكبر عندما يُلقى برأسه على مخدته كل مساء قبل الخلود للنوم. ينظر إلى جدران غرفته الوردية الألوان ويرسم على شفتيه إبتسامة بلهاء لا تدل على أى شئ غير السعاده والرضا. كان ذلك هو موعدة اليومى مع الأحلام. كانت تلك هى المتعة الوحيده فى حياة الأستاذ عطوان موظف قسم الحسابات فى تلك المؤسسه الكبيره . كان فى منتصف العمر قصير القامه لا يملك من الشعر الكثير. صاحب كرش مُستدير يدل على إهتمامة الشديد بكل ما لذّ وطاب. قام بتربية شنبه بشكل عجيب ليدارى قسمات وجهه الطفوليه. يدارى عينيه الحالمه بنظاره غليظه كشُباك سياره ميكروباص

لا احد يهتم بالاستاذ عطوان فى عمله، العديد من زملائه فى العمل لا يعرفون حتى إسمه ولكنهم يعرفون انه لم يتغيب يوما عن المؤسسه خلال العشرين سنه الماضيه. ويعرفون أيضا انه الشخص الوحيد بها الذى يعرف كل كبيره وصغيره عن قسم الحسابات. كل ذلك لم يشفع للاستاذ عطوان عندهم بل تمادى بعضهم فى تجاهله ولم يعرو له إهتماما .كانت حياته العمليه بالنهار مثل ملابسه رماديه كئيبه رتيبة  لا معنى ولا طعم لها. خاليه من الإثارة و الحياه

يترك الأستاذ عطوان رتابة وملل تلك الحياةعندما يدخل الى شقته المتواضعه أو كما يحب أن يناديها بالقصر الرحيب. يدخل الرجل فى شماخة الملوك وكبرياء السلاطين. تتراقص قطع الأثاث ترحيبا بوصوله. فهذا كُرسىّ ينحنى إحتراما وتبجيلاً لصاحب الجلاله عطوان. وهذه منضده تنظُر إليه بدلال إمرأه لعُوب وتعطى له إشارة مكنيه  بأن كل شئ مُباح. وتلك  السجاده المسحُوره التى تحملة بخفة ورشاقه فتاة عشرينيه وتنقله من غرفة المعيشه إلى غرفة نومه  . تلك الغُرفه التى ربما خلت من الأرواح الآدمية ولكنها تعجّ بأرواح الحالمين

 يدخل عطوان إلى غرفة نومه ويخلع ملابس الذُل الرماديه ويرميها جانبا  ويرتدى بجامته الفضفاضه المخططه بألوان الحياة المُزدهره.  يتسلق سريره وكانه السبيل الى  الدرجات العُلى. يخلع نظارته السميكه المُكعبه التى تغطى نصف وجهه و يلقى بظهره العريض على السرير بينما يضع يديه خلف رأسه كمخدة اضافيه. تنطلق قدماه واحده فوق الاخرى بكل إختيال وفخر. فهذه هى اللحظه المرجوّه. بماذا سيحلم الليله؟ يبتسم إبتسامته الصبيانيه مُجيبا  على نفسه: المجد للأحلام فهى لا تنتهى.
أول أمس حلم بأنه عربيداً سكيراً فى إحدى البارات الرخيصه شرب حتى الثماله ووجد نفسه فى قلب معركه حامية مدافعا عن عِفه فتاة الليل ذات النهدين البارزين التى تأخذ من هذا البار مستقراً لإستقطاب ذبائن الهوى والرذيله. وكان ينتاب عطوان  حالات من الضحك الهيستريى المصحوب بنظرات الجنون و الإستغراب عندما عرف ان بائعة الهوى إسمها عِفه! فرح عطوان فرحاً شديداً بهذا الحلم الذى جعل منه بلطجى يتشجار فى البارات من أجل عاهرة

ولعل هذا الحلم أثر على عقل عطوان الباطن فكان حلم الليله التاليه محاوله للتخلص من خمور الأمس وصدر عِفه الذى لا يفارق خياله رأى عطوان نفسه فى الحلم إماما للجامع الأكبر، يظهر على وجه الخشوع والورع . يرتدى ملابس بيضاء لا يوجد فيها دنث أو خطيئه كقلب طفل صغير. كان عطوان يؤم المصليين ويخطب فيهم ويأمرهم بالتقوى والعِفه! لم تكن تلك العِفه التى تمناها عطوان الذى إبتسم نفس الإبتسامه الصبيانيه البلهاء وقال لنفسه حلم اليوم سيكون مختلف ولا علاقة له بأى نوع من أنواع العِفه
 راحت عينى عطوان فى النوم ورأى حلمه الجديد ووجد نفسه فارس مغوار يتطاير شعره الذهبى وقميصه الابيض وهو يمتطى جواد اسود كليل المظلوم. فى يده سيف ذهبى ذو قبضه من الماس.  يجرى الجواد فى براح أخضر يتخلله سلسبيل مياة زرقاء. انه  الطريق الوحيد لقصر السلطان. لم يفكر  الفارس عطوان فى حُرّاس القصر وعتادهم فهو اليوم فى مهمة إنتحاريه . اليوم هو حفل زفاف الأميرة صاحبة العفه ووجب عليه  إنقاذها من تلك الزيجه التى لا ترغبها

سمع الحراس صّهيل الفرس ورأوا عطوان لا تأخذه شفقه أو رحمه في قتال . فقتل من قتل و جرح من جرح و دمر ما دمر . طلع الفارس إلي غرفه العروس الباكيه . نظر اليها نظره عبد مطيع و قال مولاتي صاحبه العفه والسموّ الملكي الرفيع . أنا خادمك و فارسك عطوان . وصلني مكتوبك و ها أنا ذا جئت ملبياً الرجاء مجيباً للغيث و  النداء . اسمحي لي أنا أخذك إلي أرض الأجلام ! هبّت الاميره من مقعدها لترمي نفسها الضعيفه في أحضان الفارس المنقذ . حمل عطوان الامبره حتي أعتلت الجواد خلفه و أحاطت خصر عطوان بذراعيها لينطلق الجواد في الفضاء الأخضر قاصدا أرض الأجلام
ودّ عطوان أن يلتهم شفتى الأميره و وهمّت به وهمّ بها لولا أن جرس المنبه قد أعلن إنتهاء الحلم والعوده الى الملابس الرماديه والحياة التى فى ظاهرها حركة وفى باطنها الموت والسكينه. لم يحزن عطوان على إنقطاع الحلم، فهو يعلم بأن الليله سيكون لقاء آخر أكثر لهيبا عن سابقيه. تبسم لنفسه فى المرآه وهو يضع النظاره السميكه وقال : يا أحلام .. مع أعظمك

0 Comment: