Sunday, October 02, 2011

مَدِيْنَةِ الْأَلْوَانِ

قابلت عجوز يونانى فى نيويورك يعمل سائق ليموزين. وُلد ونشأ فى الإسكندريه، أو مدينة الألوان كما كان يطلق عليها الرجل. لهجته السكندريه كانت أفضل من لهجتى بدرجات وكأنه لم يفارق المدينه منذ أكثر من خمسين خريفاً.  لم أسأله عن سبب الهجره أو التهجير وإن علمت الإجابه مسبقا ولكنى سألته عن مدينة ألألوان وما السر وراء هذا الإسم ؟
تنهد ديمترى تنهيدة أطول من عمرى كله. و أخذته هذه التنهيده لماضى يفتقده و حنين يشعر به من وقت للآخر. هكذا قرأته عندما هز رأسه يمينا ويساراً.أجابنى بأن والده كان دائم القول بأن الإسكندريه  هى مدينة الألوان البهيجه والأسباب عديده وقديمه و لكن أهما سببين. الأول هو البحر الذى  حبى على المدينه بألوان متنوعه. ففى الصباح يلوّن البحر المدينه باللون الأزرق وعند غروب الشمس تتزين المدينة باللون الذهبى  وفى المساء عندما يسطع القمر فى قلب السماء تنعكس أشعته على مياة البحر لتلبس المدينة الثياب الفضيه وكانه يوم الزينه والتباهى. السبب الآخر هو الإسكندريه نفسها ، فهى التى فتحت ذراعيها لكل أصناف البشر من بشوات وبهوات وفلاحين وعمال وأفنديه وصعايده، فشكلّ هؤلاء لوحه مذدهرة الألوان. والسبب فى ترحيب الإسكندريه بهؤلاء أنهم عشقوها بدون سبب أو إنتظار مقابل و تخلو جميعاً عن أنانية العُشاق فى حب الإمتلاك .أعرف جيداً أن هناك فلسفة ما فى أصول ديمترى اليونانيه ولكنى إقتنعت بكلامه وآمنت به. فما رسمه له من ماضي كان كفيلاً بتفسير ما قد أصاب الإسكندرية الآن. فمدينة الألوان تفقد بعض من بهجتها يوماً بعد الآخر.
فالبحر الذى كان كمحراب للصلاة يسع الناس جميعاً ويحتويهم بدون تفرقه بين شكل أو لون تم تقسيمه إلى خنادق ومربعات صغيره كثيرها للأغنياء وقليلها للفقراء والعموم. ودّدت أن اقول لديمترى أن لافتات حزب النور قد غزت المدينه وقامت بتعريف كل إختلاف بالكفر والضلال. ولكن ديمترى لن يفهم عبقرية الأحزاب المصريه وكيف أن حزب الحريه والعداله هو المشروع الأسرع وصولاً للجنه والنعيم. وهنا تذكرت لُبنى، تلك الفتاة الجميله التى أرسلت لى إيميل يحتوى على مقاله لعمرو خالد يحرم فيها حبى لها وأن القعده على الكورنيش باطله! تذكرت أيضا أنى لم أعرف العدد الحقيقى لأقباط الإسكندريه غير بعد تفجيرات كنيسة القديسين. فقد آثرو الإنعزال والإنغلاق لأسباب لا يعرفها سواهم.أصبحت لوحة ديمترى المزدهرة الألوان عبارة عن لوحه قبيحه من لوحات  فاروق حسنى. وكذلك حياتنا التى خلقها الخالق بألوان متناسقه ولولا الإنسان وعبثه في هذه الألوان بالكذب والأنانيه وحب الإمتلاك لظلت اللوحه مذهره

0 Comment: