Wednesday, February 15, 2012

عــِــيدْ مــِيــلادْ سـَعـِيدْ

اخذت الدكتورة آمال أجازة من الجامعه العريقه التى تعمل بها فى أحد الدول الأوربيه. فالأسبوع القادم ستقوم بزيارة وطنها الأم بعد طول إنقطاع وإنتظار. أخيراً، ستقوم بحضور عيد ميلاد شقيقتها الصغرى أحلام التى ستدخل نادى ذوات العشرين وتصبح إمرأه صغيره. مرت الأيام بسرعه البرق يا آمال، ها هى أحلام التى كانت طفلة صغيره تعبث بأوراقك الدراسيه عندما كنتى تذاكري للثانوية العامه قد كبرت و دخلت الجامعه.غداً ستحب و تعشق وربما تتزوج وتصبح أم . لم تر آمال شقيقتها منذ عقود لظروف السفر والدراسه. كانت تتألم عندما تتحدث معها فى التليفون و تسألها الصغيره اذا كانت ستحضر اى من أعياد ميلادها. و كانت الإجابه دائما لا. حيث العمل والغربه والظروف. اللعنه على الظروف. تلك الكلمه البسيطه التى علّق عليها الإنسان الأسباب منذ بداية الخليقه. اللعنه على عوائق الاحلام والمسافات و فروق التوقيت و ما تسبب فيه من فروق فى الحياة

كانت آمال بالنسبه لأختها الصغير أم ثانيه فوق امها الحقيقيه. كان هى من تدلعها وتسمح لها بالممنوعات من شيكولاته وحلوى وعدم إحترام مواعيد النوم الصارمه التى وضعتها والدتهما. و كانت أحلام بالنسبه  لآمال الإبنه التى لم تحمل بها وتلدها. كانت امهم هى رمز الصرامه والقوانين فى الأسره الصغيره. كان صوت الحق و مزمار الغلط والعيب والحلال والحرام. وكان الاب رقيق القلب عادل. قام بتربية الأختين على احسن وجه !كان يعاملهن كولدين احيانا. علمهن الرمايه وحب الرياضه. سمح لآمال بالسفر والغربه بمفردها منذ الصغر حتى حصلت على أرفع درجات التعليم فى جامعات عريقه. نست أو تناست آمال الزواج والحب والجنس الآخر. و لم يجبرها والدها على تقبل اى شئ لم تقتنع هى به. كانت ترى نظرات امها الحزينه لها لعدم رغبتها فى الزواج ولكنها كانت دائما ترسم البسمه والفخر على الوجوه بتفوقها العلمى والدرجات الرفيعه التى وصلت و تدرجت إليها. تذكرت آمال كل هذا و هى تقوم بتحضير حقيبة سفرها و على وجهها ابتسامة قلب مفعم بالإشتياق. تذكرت أيضا تلك الليله الصيفيه الجميله عندما كانت تجلس فيها الأسره فى بلكونه منزلهم المطل على البحر. جلس الأربعه يتسامرون وتعلو الضحكات حتى ساعات الفجر الأولى. عندها تذكرت عندما مزح معها والدها عن سبب تسميتها بإسم آمال ولما إختار أحلام للأخت الصغرى. وكيف أنه رفض أن يبوح لها بسر الإسمين. وقال لها سيأتى اليوم المناسب لمعرفة السبب. حين ذاك لسعتها قشعريرة من بلاد الشرق الدافئه لتنتصر على صقيع الدوله الاوربيه والعيون الزجاجيه.

إنتهت آمال من تجهيز الحقائب وتركت مكاناً خاصاً للهدية التى سوف تقوم بشرائها لأختها الصغرى. لابد من شراء شئ خاص ثمين فى باطنه الحب كله و فى ظاهره اعتذار رقيق على عدم حضور اعياد الميلاد السابقه. لكن ماذا تشترى آمال. فأموال الدنيا لاتغنى عن لحظه جميله مع من تحب او ذكرى ترسم على وجهك الابتسامه. ولكنها الدنيا والظروف الجاهزه دوماً وأبداً لخلق الأعذار
وجدت آمال غايتها ومُقصدها فى سلسلة ذهبية أنيقه تتدلى منها عروس البحر. وكم تحب أحلام عرائس البحر وحتى هذه اللحظه فهى مقتنعه بل مؤمنه كل الإيمان ان عروس البحر كائن موجود ووجوده حق كحقيقة الارض والسماء والشمس والقمر والخير والشر.

ركبت آمال سيارة التاكسى من المطار قاصدة مسكنها فى ذلك الحى العتيق. جلست فى  المقعد الخلفى وهى  تبتسم كطفلة صغيره فى طريقها الى مدينة الالعاب المسحوره. المسافه من المطار الى مسكنها لا تتعدى النصف ساعه ولكنها مرّت كنصف قرن. إنه الإشتياق للأهل ولكل ما قد مضى ولم يبقى منه إلا ذكرى ترسم ابتسامة ما عند الحاجه والضيق.
نزلت آمال من التاكسى واعطت له كل ما تملك من مال وشكرته بحرارة. نظرت الى الشارع ورأت سيارات كثيره تقف على مقربة من منزل الأسره. تعرفت آمال على بعض من السيارات : فهذه سيارة عمها الأكبر وتلك سيارة خالتها وأولادها. أبتسمت آمال وقالت أن الاسره بأجمعها هنا للإحتفال بعيد ميلاد آحلام. يا له من يوم لا ينسى. اندفعت آمال نحو الباب ولكنها وجدته مفتوح ! دخلت بهدوء حتى تفاجئ الجميع بوصولها. لم تجد آمال بالونات  أو شموع أو موسيقى او بهجة الوان عيد الميلاد ولكنها وجدت دموع وملابس سوداء و سكينه هبطت على من بالمنزل جعلتهم كأعجاز نخل خاويه. و قفت آمال فى منتصف الغرفه صامته ساكنه كحقيبة سفرها التى تركتها على الباب. لم تنطق بحرف واحد، و أجاب الحضور صمتها هذا بدموع و آهات مكتومه كصرخات قتيل يتسجير من اعماق الارض. لم تعِ آمال ما قد حدث . لم تسأل عن نوع المُصاب و لكنها نظرت سريعا للوجوه فوجدت الجميع  إلا آحلام صاحبة العُرس، ذات العشرون ربيعاً !!

إستيقظت آمال لتجد نفسها فى سرير لأحد المستشفيات. لا تعرف اين هى وماذا حدث. نظرت على يمينها لتجد محلولا ما قد عُلّق فى يديها ، وعلى يسارها وجدت والدتها نائمه على مقعد قريب من السرير. بكت آمال بكاء المظلوم الذى يستغيث فى منتصف الليل. ايقظت دموعها والدتها لتشاركها البكاء هى الأخرى. لم ينطق اى منهما بجملة مفهومه أو كلمه مفيده تتبع علوم  اللغه من النحو و الإعراب ولكن لغة الدموع هى  اللغه التى تخاطبن بها الإمرأتين. من يصبر الآخر فى موقف كهذا؟ من يمتلك شجاعة العقلاء ليواسى الآخر ويأخذ على يديه؟ ماتت آحلام فى عيد ميلادها العشرين . ما تت احلام من غير أن تراها آمال وتقدم لها عروسة البحر الذهبية. ماتت آحلام من غير أن تتقبل أعتذار آمال على الغياب والإنقطاع بحثاً عن الشهادات والدرجات العلمية الرفيعه. أين أنت يا تلك الظروف حتى أخلق الأعذار؟

وقفت آمال بجوار أبيها أمام قبر آحلام. ترتدى الأسود ، أخفت عينيها الذابله بنظارة سوداء تغطى نصف وجهها. تحمل فى يمينها باقة من الزهور يتوسطها سلسله عروسة البحر الذهبيه. تلك الهديه التى لم تصل لمن كُتبت له. تلك الهديه التى لم يكتب لها أن ترى الإبتسامه فى عينى آحلام عندما تراها. لم تستطع النظارة السوداء من إخفاء الدموع.  ربت الأب على كتفى آمال وقال لها : عندما تضيع الآحلام، سيكون هناك آمال لتخلق آحلام جديده. نظرت اليه آمال بإستغراب ولم تع ما يقول. نظر اليها وهو يمشى بعيداً عن القبر قائلا: كان هذا السبب وراء الإسمين آمال و آحلام.


0 Comment: