Thursday, October 18, 2012

فُرصةْ العربه الأخيره

                        
يتدافع الناس إلى محطة المترو وكأنه يوم الزينه. الساعه السادسه صباحا ولا موضع لقدم. النشاط يتدفق من هؤلاء أصحاب الوجوه الحمراء التى يتصبب منها الدم. لا يؤمن أى منهم بالمثل الشهير: إجرى يابن آدم جرى الوحوش غير رزقك لن تحوش. فالجميع فى حاله سباق مستمر مع الزمن. الرجال يتسابقون مع النساء، والنساء يسرعن فى خطواتهن بأجسام ممشوقه. تبدوا آلاء الزينه على وجوهن الجاده. لا أدرى متى إستيقظن من نومهن حتى يتجملن بهذا المكياج البديع الذى تعتريه البساطه. التطلع فى هذه الوجوه كان سببا من أسباب حبى لركوب المترو فى نيويورك. أركب المترو من محطه إسمها فورست هيلز حيث البيوت الباهظه الثمن ومعالم الغناء والعيش الرغد. وفورسيت هيلز فى نظر البعض هى آخر محطات التحضر والرقى ومعدلات الجريمه المنخفضه ! فبعد فورست هيلز توجد منطقه جاميكا حيث الفقر ومعدلات الجريمه المرتفعه. أأخذ المترو المتجه إلى منهاتن والقادم من جاميكا حيث تكون بدايته وأول محطه فى هذا الخط. وكأن القدر قد إبتسم لسكان تلك المنطقه الفقيره عندما سمح لهم أن يأخذوا القطار من بدايته فيجد كل منهم مقعدا وعندما يصل القطار إلى فورست هيلز لا يوجد مقعد واحد شاغر. يقف الأغنياء ويجلس الفقراء فى عزه وخيلاء. أعتقد أنا الوحيد الذى نظرت إلى القطار والمحطه من هذا المنظور. إنها الطبقيه اللعينه
  
أقف على رصيف المحطه، بالتحديد عند مُدخل أخر عربه منتظرا وصول القطار. تعودت أن أقف عند آخر عربه حيث أن مكان خروجى أسهل عندما أصل ألى محطه الوصول فى منهاتن. وهى أقل العربات أزدحاماً.يقف إلى جوارى شاب تبدو  على ملامحه العجله والسُرعه. لعنته فى أعماقى فكم أكره هؤلاء المستعجلون. يتحرك الشاب فى مكانه كمن لدغه ثعبان. ينظر بإتجاه القطار آملاً أن يأتى قبل موعده. أشعر بعقله يعد الدقائق والثوانى. يرتدى تى شيرت  قديم ممزق ضاع لونه الحقيقى إكتشفت فيما بعد بأنها أخر صيحات الموضه وبنطلون جينز ضيق، أشفقت عليه عندما تخيلت المعناه التى يعانيها عند خلعه. شعره طويل غير معتنى به. ولم يغسله لشهور
  
دخلت العربه وشعرت براحه قد تعودت عليها من الوجوه التي ألفت رؤيتها في كل يوم. فأنا لسنوات أركب نفس العربه في نفس القطار وفي الميعاد. نفس التحية الصباحيه التى تخرج من غير حروف منطوقه، ربما إبتسامة أو هزة رأس. أشعر بأنى أعرف كل من فى العربه من خلال أشيائهم البسيطه : الحقائب التى يحملونها أو نوعية الجرائد أو عناوين الكتب التى يقرأونها. أعرف ذلك الرجل العجوز الذى يجلس فى هذا المقعد مهتم بالتاريخ، فكل ما يقرأه عن التاريخ. متأكد أن ذلك الشاب الذى يقف دائما بجوار الباب لم يقرأ شئ فى حياته، فكل ما يفعله أن يضع سماعات تليفونه فى أذنيه و يستمع إلى موسيقى صاخبه ويهز رأسه طرباً مع ما يسمع. أعرف أن تلك السيده التى تجلس محشروه بين رجلين أضخم منها، قد رُزقت بمولود جديد، فهى تقوم بغزل طاقيه صغير جديده وعلى وجهها إبتسامة أم تود أن تضع ذلك الوليد فى عينيها حماية وحباً. أصبح كل شئ فى تلك العربه بالنسبة لى كغرفة المعيشه فى منزلى. أعرف كل شئ بها وأنا مغمض العينين. تعودت على كل من فيها حتى صباح ذلك اليوم، عندما وجدت الشاب صاحب الشعر المنكوش على رصيف المحطه يموت إنتظاراً لوصول القطار، وأيضا عندما دخل العربه التى يُفرض أنى أعرف كل من بها فوجدت أن  العربه أكثر إضائه، وأن هناك عبير وارئحه ملائكيه تسيطر على صوت ماكينات القطار العنيفه. وجدت وجه جديد يجلس على مقعد العجوز قارئ التاريخ ووجدته واقف بجوار الشاب سامع الموسيقى. أرى الآن لماذا لا تبدو علامات الغضب على العجوز قارئ التاريخ عندما فقد مقعده، فالتى تجلس على مقعده قمراً مصورا. فتاه ثلاثينيه ربما. عيناها سوداوان وعلى جانب وجهها المستدير ينهدل شعرها الأسود الناعم ومن خلال فستان أحمر قصير، ينفر ثدياها متباعدين. لها ساقين طويلين صنعا من المرمر وضعت أحداهما على الأخرى، وكان قصر الفستان سبباً  لمنظر بديع حيث بداية فخذيها الممتلئين. تمسك بين يديها كتاب تقرأ فيه ولم تغير نظرها من الكتاب لحظه

أنظر الى الوجوه المألوفه وأرى أن الجميع يختلس النظرات القصيره للوافده الجديده وكأنها من كوكب آخر. بدون أى مقدمات أو تردد، عرف الشاب صاحب الشعر المنكوش مكانه ووقف أمام الشابه الجميله. ولكنه لم يكن كباقى الركاب الدائمون  ، فنظرته للفتاه لم تكن خلسه ولم تكن قصيره، ولكنه كان هائم على وجهه نظراً وعشقاً للفتاه. يبدو أنه قادم اليوم خصيصا من أجلها ومن أجل الحديث معها، فنحن لم نر أى منهما من قبل. كانت نظراته كذلك الذى مسه الشوق والفراق . كان نادم على شئ ما، كانت كل نظره من نظرات عينه التى لم تر النوم لأيام فيها طلباً للمغفره.تقرأ الجميله فى كتابها وكأن فى آذانها وقر وبينها وبين عالمنا حجاب .أما الشاب صاحب الشعر المنكوش لم يقع بصره من عليها لحظه

نزل الجميع لمحطاتهم، ولم يعرف أى منا ماجرى للجميله وصاحب الشعر المنكوش، ولكن بلاشك هذا الحدث قد أضاف إثاره إلى رحلة المترو التى لم تكن أي شئ من قبل سوى وسيلة مواصلات تحولت إلى شئ مألوف والآن أصبحت لغز يريد الجميع أن يعرف نهايته. أصبحت الجميله وصاحب الشعر المنكوش زائرين دائمين فى العربه الأخيره. لم يعترض قارئ التاريخ على فقدان مقعده إلى الأبد. لم تقم السيده التى تجلس بين الماردين بغزل باقى طقية وليدها الجديد، حتى سامع الموسيقى لم يعد يطيح برأسه طرباً. الجميع يرغب فى معرفة نهايه هذه القصه. يتكرر نفس السيناريو وكأنه مكتوب بيد سيناريست عظيم وجميع من بالقطار ممثلين مغمورين يخشون الحياد عن النص والورق. تزداد الجميله جمالا، ويزداد صاحب الشعر المنكوش حزناً فأصبح فى حالة خريف دائم. لم يخلع البنطلون الجينز الضيق ولا التى شيرت الممزق. حالته تتطور من السئ للأسوأ. حالة من الملل أصابت العربه. الجميع يبحث عن الجديد فى تلك الحكايه. الجميع يبحث عن أكشن وحركه فى هذا الأمر. متى يتحدث الشاب إلى الجميله؟ متى يصرخ فيها أو يعاتبها ؟ فتنهره وتصفعه على وجهه فيعتذر لها وتسقط دموعها ثم يقبلها وتنتهى الدراما؟ تلك الدراما الإنسانيه التى لاتنتهى

فى هذا الصباح وقف الشاب نفس وقفته ناظراً سارحا فى ملكوت صاحبة الفستان الأحمر وهى كعادتها لم ترفع عينيها عن الكتاب توقعنا نفس الروتين حتى داس قائد القطار فجأه على الفرامل وتحرك الناس من مقاعدهم و مع توقف القطار المفاجئ، سقط الكتاب من يد الجميله، وكان الشاب صاحب الشعر المنكوش على الأرض قبل الكتاب يحمله، ويعيده لها. أخذته منه دون أن تنظر إليه ولم تنطق بكلمة شكر واحده. إنتظر الجميع أن يبدأ الشاب بالحديث إليها ولكنه لم يفعل وعاد إلى حالته السابقه واقفا حالما، وهنا تتعالى آهات و شهقات الإستنكار من الرّكاب وكأننا نشاهد مبارة للكره وقد أضاع أحد اللاعبين فرصه ثمينه لإحراز هدف. تعاطف رّكاب القطار مع الشاب بلا شك. الجميع يريد نهايه سعيده للدراما الإنسانيه الغير مكتوبه أو متفق عليها كما يحدث فى الأفلام. أقسم أن جميع الركاب قد لعنو الشاب فى سرهم لأنه لم يتحدث إليها، كان أغضبهم العجوز قارئ التاريخ الذى أصبح يقلب صفحات الكتاب فى غيظ خاب أن يكتمه. الأم الجديده كانت تتنهد بين الحين والآخر. سامع الموسيقى أصبح ينظر إلى صاحب الشعر المنكوش نظرات كلها غضب وعدم رضا عن سلبيته
  
تتكرر نفس الأحداث بالتمام والكمال ولم يخل الأمر من تنهيده هنا أو شهقه هناك  من الركاب عندما نظن خطأ أن الشاب فى طريقه إلى التحدث مع الفتاه. تطورت الشهقات والآهات إلى كلمات تشجيع مكنيه على طريقة الكلام لكى يا جاره. فقارئ التاريخ الذى لم يتحدث لسنوات، أصبح وهو يقلب الكتاب يقول بصوت عالى مسموع: إذا أردت أن تحصل على شئ، فلابد أن تعمل جاهداً للحصول عليه فلا تتنظر أن يأتى إليك على طبقا من فضه. دروس التاريخ مؤلمه والإنسان لا يتعلم منها أبداً. سامع الموسيقى تقريباً قام بتأليف أغنيه لا يوجد لها لحن ولكنه كان يردد الكلمات فى غضب: إخطف حبيبتك ..إفعل شئ ولا تقف يائسا كالثور الأعمى ! أما الأم الجديده فكانت كل ما تفعل هو النظر ألى الشاب وتتصعب على حاله.أصابنى من الأرق ما أصابنى. أصبح موضوع الشاب والحسناء يشغل حيّز ليس بالصغير من تفكيرى وأصبحت ملتاعاً به. ولا أدرى ما السبب فى ذلك، إنها طبيعة الإنسان الذي يرغب دائماً فى الخواتيم السعيده، أو ربما أنانية البشر التى لا تأخذ بالأسباب والمقدمات
  
أقف على رصيف المحطه فى نفس الميعاد، وجدت الشاب العاشق قد سبقنى ووجدته فى هيئة مختلفه عن ما عهدته عليه من قبل. فلقد قام بقص شعره وهندمته. وإرتدى من الثياب أشيكهها وأجملها. بدى لي وكأنه إنسان جديد. يحمل بين يديه المرتعشه باقة من الزهور الجميله. لازال ينتظر القطار فى نفس العجله وعدم الصبر. فرحت أساريرى برؤيته على تلك الحاله. فذلك معناه أنه أخيراً وبعد أسابيع من الصمت والعناء سوف يتحدث إلى تلك الفتاه. تقربت منه وألقيت عليه الصباح ولكنه لم يرد علىّ بكلمات وإنما هزّ رأسه إعترافاً بوجودى. حاولت أن أهدى من روعه، فقلت له أنى قد سمعت فى الأخبار أن هناك عطل فنى فى أحد المحطات السابقه وربما يتأخر القطار بضع دقائق. كعادة البشر، تجاهل محاولة شرحى للأسباب. لم أهتم بتجاهله لحوارى، فأنا سعيد من الداخل لأنه أخيراً تخلص من سلبيته وقرر أن يأخذ خطوه حازمه فى تلك العلاقه المهزوزه.

تخيلت رد فعل من فى القطار وإبتسمت.. تخيلت أن يكون هناك صيحات وتهاليل فرح عندما يدخل الشاب الى العربه وبيده الزهور الجميله. تخيلت أن يكون هناك رقص وطبل وموسيقى وشامبانيا. تخيلت أن يرقص جميع من فى العربه بل القطار كله ولكن ضاعت كل هذه الخيالات الورديه عندما دخلت العربه ووجدت قارئ التاريخ يجلس فى مقعده الأصلى الذى شغلته الفاتنه لأسابيع. تحولت الصوره الكرنفاليه فى رأسى إلى مشهد رمادى قبيح. نظرت لقارئ التاريخ نظرة طويله مخزاها أين الجميله؟ تلاقت أعيننا وهز رأسه يميناً وشمالاً، شرقاً وغرباً نافياً بحركات رأسه معرفة أين هى. نظرت إلى سامع الموسيقى فرمقنى بنظره غاضبه مفادها اليأس والكُفر بكل شئ. أما الأم الجديده فجلست تائهه لا تدرى ما يجب فعله فى موقف كهذا
  
وقف الشاب فى وسط العربه وبيده الأزهار  وكأنه غريب هبط على سطح القمر. لا يعرف أين هو وما أتى به إلى هنا. تغير لون وجه درجات وقف مكانه لعده دقائق ولم يفعل شئ. شعرت بضيق صدره وكأنه يتصعد إلى السماء. لم يصرخ أو يغضب ولكنه وقف وحيداً رغم زحام العربه، صامتاً رغم ضوضاء القطار وماكيناته التى تخبط القطبان الحديديه فى عنفوان مقصود تعاطفا مع حالة هذا الشاب. لم يعرف أحد ما ذا يفعل. قام قارئ التاريخ من مقعده وطلب من الشاب أن يجلس مكانه ليستريح ولكنه لم ينطق أو يتزحزح عن موضعه. أقبل سامع  الموسيقى على سبّ الشاب وتعنيفه على خسارته ولكنى رمقته بنظره مفادها السكوت. وضعت الأم الجديده رأسها بين يديها وكأنها فقدت عزيز لديها. وعاد كل شئ سيرته الأولى إلا من الشاب الذى لم ينقطع يوماً عن العربه منذ إختفاء الجميله. لم يغير ملابسه منذ اليوم المشؤوم. فإتسخت الملابس ، وطال شعره، ومرة أخرى أصبح منكوش كما رأيناه أول مره. مرت أسابيع وأسابيع ولا زال الشاب يحمل الورود التى ماتت وضاع عبيرها ولكنه لم يملّ يوماً من الحضور.. نظرات الشفقه تطارده كأنها هاله وجموع من الملائكه تحيطه أينما ذهب. تسرسبت الأيام وهربت ولازال الشاب على عهده وفى يده الورود التى أصبح حالها مثل حاله بلا نُضره

في صباح اليوم التالي أجدني أقف على رصيف المحطه بالتحديد عند مُدخل أول عربه فى القطار باحثاً عن وجوه جديده غير مؤلوفه وفرصاً أخرى فى طريقها للضياع

  

0 Comment: