Tuesday, September 08, 2015

صناعة فنون العشق – من المجموعة القصصية (أحلام صاحب الجلالة) لـ رأفت رحيم | قـل

(1)
صار عبودة حزينا كالعصفور الذى فقد وليفه فجأة. ذبُلت وردة الحياة داخله وماتت نُضرتها وأصبح كالفرع اليابس تتخطفه الرياح. فى أيامه الأخيرة، سيطر عليه الصمت، وأصبح لا يتحدث كعادته عن كل ما هو جديد ومثير فى عالم صناعة البورنو. عبودة كان موسوعة متنقلة لكل ما يتعلق بالبورنو وتاريخ تلك الصناعة. كان قارئ أكاديمى وباحث فى بحورها. رغم علمه الشديد بتاريخ إستخدام كلمة ” بورنو” عالمياً، إلا أنه كان يرفض إستخدامها وكان يُفضّل ” صناعة فنون العشق” . كان عليما بأسماء ممثلين البورنو على مر الأجيال. البدايات، الأدوار الأولى، المحاولات الناجحة والفاشلة، شركات الإنتاج وتكنولوجيا الإستوديهات وغيرها من التفاصيل. هو من عرّفنا نحن أصدقائه أن هناك أوسكار لأفلام البورنو يسمى ” إيه فى إن” ! وأن أول أوسكار كان عام 1984 .كان مؤمن كل الإيمان بأن البورنو صناعة تعليمية سائت سمعتها!
قال عبودة بعد أن أخذ رشفة من كوب العناب المثلج: ” الطمع يا عزيزى هو سبب تحول كل ما هو جميل ونبيل إلى أشياء قبيحة”
(2)
شخر صديقنا أسامة، ولا ندرى إذا كان سبب هذة الشخرة هو دخان الشيشة الكثيف الخارج من نخاشيشه، أم أنه رد فعل طبيعى لوصف عبودة صناعة البورنو بأنها شئ نبيل ساء إستخدامه بفعل الإنسان.
تجاهل عبودة شخرة أسامة التى جلبت الأنظار إلي طاولتنا المتواضعة من كل إتجاه. سرح عبودة فى الأفق ونظر نظرة قبيحة يتهم بها أسامة بالجهل وعدم المعرفة. وواصل حديثة قائلا:  فائض أرباج” صناعة  فنون العشق” يزيد عن 100 بليون دولار سنوياً. وطمع الإنسان فى مضاعفة الربح كان سببا في تغير جمال الصناعة وإدخال كل ما هو غريب عليها، مما تسبب فى نظرة المجتمع إليها بإنها صناعة سيئة السمعة! انظر إلى أي مصيبة ، ستجد ورائها الإنسان. هل رأيت حمارا مثلا يخترع الديناميت أو القنبلة الذرية؟ بالطبع لا. هل شاهدت ثعبان يموت جوعا وثعبان آخر مليونير؟ لن تشاهد ذلك. المثير للشقفة، ان الإنسان يشتكى! بعد كل ذلك يشتكى من صنيعته هو وإخوانه.
زادت شخرات أسامه وتنوعت نغماتها، رمى مبسم الشيشة من يده ووقف من مجلسه فى وسط المطعم معترضاً: صناعة إيه يا ابن الوسخه؟ هو انت بتتكلم عن” النساجون الشرقيون” ولا” سمنة روابى” يا إبن القحبة!
وبما أن المكان الذى كنا نجلس فيه كان يسمى ” رُكن العائلات”، لم يجد مدير المطعم إلا أن يطردنا جميعا من المكان ويطلب منا بكل أدب عدم العودة.
(3)
قطع أسامه علاقته بنا، ولم يحضر أى من لقائتنا فى المكان الجديد. ولكنى لاحظت التغيرات التى طرأت على عبودة، وصار شخصاً آخرجديد علينا. لم يعد به الحماس الذى عهدناه فيه. ماتت روحه وفقدت عيونه بريقها. إعتذرت له عن تصرف أسامه، وشرحت له أن ما فعله أسامه لا يستحق هذا الصمت ووجب عليه أن لا يأخذة مأخذ الجد. قاطعنى عبودة، ورد علىّ بنبرة المهزوم، كان صوته حزينا عندما قال:
أنا لم أغضب من أسامه فهو جاهل. أراهنك على كل ما أملك أنه لا يعرف شيئاً عن الكاماسوترا الهنديه، وأقطع ذراعى إذا كان قد تذوق جمال لوحات إدوارد هنرى إفريل. أسامه ومن على شاكلته يا صديقى هم قبلة القُبح و مزمار الجهل الذى لا يتوقف عن النواح.
سألته إذن عن سبب حزنه وتغيره الشديد؟ أجابنى وهو يفرك جبهته العريضه:” بالأمس كنت أتابع ترشيحات أوسكار “صناعة فنون العشق”. وكان هناك خبر عن أحد نجماتى المفضلات. هذه الممثلة توقعت لها مستقبل باهر منذا أول أدوارها. ليست فقط لإمكانياتها الطبيعية التى وهبها الله لها، ولكن طريقة أدائها كانت مختلفة! رغم عنفوانها وقدرتها على هلاك خمسة رجال فى آن واحد، إلا عيونها كانت حالمة، بها شئ لا يفقهه إلا عالم خبير مثلى. صارت النجمة رقم واحد فى العالم وفى أمريكا اللاتينية. وعندما تابعت أخبارها وقصة كفاحها، إكتشفت أنها كانت ترغب فى أن تكون محامية تدافع عن حقوق الفقراء والمظلومين. وكما تعلم أن الدراسة هنا فى امريكا و دراسة القانون خاصة، مكلفة جدا، فلم تجد امامها سوى الكفاح فى صناعة فنون العشق. بالأمس عندما شاهدت التريلر لآخر افلامها شعرت بالأسى وتملك الحزن من قلبى. كانت تقوم بدور ” مُسخنه”. لم أفهم ماذا قصد بدور مُسخنة فرمقنى بنظرة تصفنى بالجهل وواصل كلامه شارحا: بإختصار ان الدور ثانوى ، مجرد بضعة بضعة دقائق . مجرد سنيده حتى تظهر نجمة الفيلم فى المشهد !
(4)
لم أحذو حذو أسامه فى الإعتراض وأتخذ من الشخرات وسيله، بالعكس، لقد إبتسمت فى وجه عبودة وحاولت أن أواسيه وأزيل عن روحه العبوس واللامبالاة. قلت له : يا عبودة هذا هو حال الدنيا ومن المحال أن يبقى أي شئ على حاله خصوصا فى عالم الفنون والآداب. إنظر يا أخى إلى فاتن حمامة و نادية لطفى ووداد حمدى وأركان فؤاد …
قاطعنى: أركان فؤاد! أحا هى حصلت أركان فؤاد! وتركنى غاضبا دون أن أكمل له أن حمدى أحمد قد فقد بريقه بعد القاهرة 30!

0 Comment: