غاندي المتناقض… بين القول والفعل

 



بالرغم من تدرُّب  غاندي على المحاماة، فإنه لم يكن مجادلًا مُقنعًا؛ إذ حين كان يسأله ناقد أوتي الدهاء، نادرًا ما كان يرد ردًا مفحمًا، وكثيرًا ما كان يختبئ في مضغ كلامه. وقد لاحظ أحد نقاده المبكرين، محقًا: «لا أعتقد أن حجتك متسقة في المجمل... أو أن شتى البيانات والآراء التي تعبِّر عنها لها أي ترابط حقيقي مع بعضها البعض». ولم يكتفِ غاندي بعدم الاعتراف بالفجوة بين أفعاله وأقواله، بل كان يلجأ أيضًا إلى إعلانات يستعمل فيها سلطته عندما تستدعي الظروف تفسيرًا.

ولتبرير قراره المثير للجدل تعليق مسيرة الملح، التي احتج خلالها ملايين الهنود على احتكار البريطانيين للملح من خلال العصيان الضريبي والمقاومة المدنية، أعلن ببساطة: «لقد وُضع حدٌّ لها، لأنه كان يجب فعل ذلك». ولم تكن أفعاله وحدها هي التي تناقض أقواله، بل إن تصريحاته نفسها كثيرًا ما كانت تتناقض، وبشكل صارخ في أحيان كثيرة؛ فقد يشجب حدّ الغثيان وبكلمات فضفاضة العمليات الطبية الحديثة، لكنه يؤكد مع ذلك أن «الغرب نال إعجابي دومًا على ابتكاراته في مجال الجراحة وتقدمه الشامل في هذا الاتجاه». ومن ثم، كان يحث مخاطبيه الذين اكتشفوا «تناقضات، مزعومة أو حقيقية» في هذا التصريح أو ذاك، على أن ينظروا في كل تصريح على حدة، بناء على «مزاياه وأن يباركوا الجهد إن استطاعوا».

غير أن تقلبات غاندي وتناقضاته لم تقف عند هذا الحد؛ فالتقلبات العديدة ليست السبب الوحيد الذي يدفع إلى استخلاص مذهب متسق مما عمله في حياته، إذ قد يبدو سطحيًا ومتقلبًا ومتغطرسًا تمامًا. فقد أصدر أحكامًا شاملة على موضوعات مثل الاشتراكية، بالرغم من اعترافه: «لم أقرأ أي كتب عن الموضوع». وفي شأن الأفلام المتحركة، قال إنه «لا يحبها»، رغم إقراره: «أني لم أذهب أبدًا إلى قاعة سينما». بل إنه قد يطلق تصريحات نيابة عن «مؤتمر نساء عموم الهند» إلى «أخواتهن» البريطانيات، ويعلن أمام جمهور نسائي: «أعرف جنسكن واحتياجاتكن أكثر مما تعرفن أنفسكن».

No comments: