Tuesday, June 25, 2019

عندما تُتلى الحكايات


تُتلى  الحكايات بحثًا عن انتصار
عن عودة ليس لها افتراق
عندما تُتتلى الحكايات..
تتجاهل الطيور أجنحتها
تتوقف الزهور عن نموها
ويصمت قلب الكون

Sunday, May 05, 2019

شباك أم سامي

نُشرت فى عربي ٢٢ هنـــا


(1)
عشقت أم سامي الموسيقى ولذلك لم تعترض عندما قال لها سامي أنه سوف يمتنع عن الذهاب إلى المدرسة حتى يتمكن من تشكيل فرقة موسيقى لإحياء حفلات الأفراح.

ورثت أم سامي عن المرحوم زوجها عمارة صغيرة من خمسة طوابق ودكانين صغيرين. قامت بتأجير العمارة كلها عدا الدكانين، تركتهما لسامي يستثمرهما عندما يصبح رجل. سكنت هي وسامي في فى الدور الأرضي حيث يوجد شباك الصالة الذي يطل على الشارع وما يدور به من حياة. تجلس على كرسي متهالك تنظر من الشباك وبيدها سيجارة دائمة وفنجان قهوة انتشرت عليه ورود حمراء وفى الخلفية ،رغم ضجيج الشارع، تسمع صدى أغنيات قديمة لمطربين من الأسكندرية لا يعرفهم الكثيرون أمثال حسن حسان وإبراهيم عبد الشفيع.

ردت على طلب سامي بعد أن ألقت السيجارة فى الشارع:
لابد أن تكون فرقة موسيقية مختلفة. إذا كنت سوف تغني "بسم الله الرحمن الرحيم نبدأ الليلة" مثل عوكل وفتحي يوسف ومحمود أبو لطعة، البقاء في المدرسة أفيد لك ولنا جميعًا.

هنا قدمني سامي كدليل حي على أن الفرقة الموسيقية سوف تغني فقط كل ما هو جديد. قال لها أني سوف أقوم بكتابة أغنيات جديدة للفرقة. طلبت مني أن ألقي عليها بعض ما كتبت وهي تُشعل سيجارة جديدة. لم أعلم حينها أني أمام لجنة إستماع للحكم على ما أكتب من أشعار. بعد المحاولة الثالثة مع الكبريت، نجحت أم سامي في إشعال السيجارة وأمرتني بصوت يقطعه دخان النفس الأول:
أطربني يا ولاه


(2)
ظهرت نتيجة الإعدادية في الرابعة فجرًا. كان صيف الأسكندرية يزفر نارًا في الثانية ظهرًا عندما وقفت أمام المدرسة منتظرًا إعلان النتيجة. يخرج عم مختار فرّاش المدرسة يصبرنا كل نصف ساعة بأن النتيجة سوف تظهر في الساعة القادمة. لم تأتِ هذه الساعة إلا عندما جاء نداء الفجر من مساجد بعيدة متفرقة وعندها خرج عم مختار بالبشارة. رجعت البيت ومعي من الفخر ما لا أستطيع أن أحمله. فقد جاء ترتيبي الأول على المدرسة.

لم يأخذ أبي بالأسباب، ولم تنتصر نتيجة تفوقي على غضبة. كان يقف فى شرفة منزلنا غاضبًا ليس قلقًا على غيابي ولكن لأنه تأخر عن ميعاد نومه واستماعه طوال الليل إلى بكاء أمي وقلقها وقصصها التي لا تنتهي عن أولاد فى مثل عمري غرقوا في البحر أو تم خطفهم عن طريق أحد العصابات. 

 فتح ابي الباب وكان على وشك أن يصفعني. لو أراد أن يصفعني حقًا، لفعلها بسهولة. ولكنه أخذ وقته حتى يعطي أمي الفرصة كي تقوم من مجلسها لتدافع عني بكل جسارة بعد أن ملئت رأسه طول الليل بالغضب تجاهي. في محاولة هروبي السلهة وأنا أحتمي خلف أمي لوّحت له بالشهادة في يدي وبيان الدرجات معلنًا أني الأول على المدرسة. كان قد قرر فى نفسه أن يذهب لينام وأنه واجبه قد انتهى فى هذا المشهد الدرامي الناجح، بعد أخذ خطوتين في طريقه إلى غرفته،قال لي ساخرًا:
هل سيتم تعينك غدًا فى الديوان بالإعدادية غدًا يا ابن الكلب.

(3)
قلت لأم سامي أن ما أكتبه الآن يختلف بالتأكيد عما سوف أكتبه لفرقة سامي الموسيقية. قالت لي وهي تنظر إلى نقطة مجهولة في الشارع:
الشيخ سيد وبدارة كانا يغنيان في الأفراح. أسمعني أي شيء مما كتبت
لم أكن جاهزًا لهذا الإمتحان وبعد أن استدعيت أجمل ما أحفظ، قاطعتني أم سامي بعد الجملة الأولى وهي تضحك:
يا ولاه هذه الأشعار تضحك بها على البنت ابتهال بنت توحة كي تجر قدمها إلى السرير. ما لهذا الكلام بالأفراح.
ثم تركت أم سامي مقعدها الشهير خلف الشباك وتحركت في اتجاه أحد كنبات الصالة لتُخرج من تحتها صندوق أبيض صغير وأخذت منه شريط كاسيت لصباح:
أسمر أسمر.. طيب ماله..هو سماره ..سر جماله
ثم تبع صباح أغاني غزل كثيرة لأصحاب البشرة السمراء
(4)
لم يحتاج سامي لأغنية واحدة من أشعاري. كثرت صناديق أم سامي البيضاء وأخرجت كنوزها المدفونة من الأغاني. علمّت سامي أغاني عايدة الشاعر وليلى نظمي وأغاني أخرى من التراث السكندري التي لا علاقة لها بالأفراح. بدأ سامي فى البروفات فى أحد دكاكينه المغلقة. تخلّت أم سامي عن الكاسيت الذي كان دائمًا في خلفية  شباكها وبدأت تسمع لسامي وفرقته يغنون الأغاني التي تحبها. لم تؤتي الفرقة بثمارها. لم يغني سامي في فرح واحد. البروفات مستمرة لإشباع رغبة أم سامي في سماع ما تحب من أغاني.

بعدما تلاحقت أيام الصيف وتسلل الخريف ينفث في سماء الإسكندرية نسمات رقيقة ويلوّن السماء باللون الأبيض، لم يكن فراقي عن شباك أم سامي سهلًا. علم أبي بفرقة شباك أم سامي وجاء ذات أصيل يطلب من أمي أن تهنئني لأني أصبحت شاعرًا لفرقة عوالم قد الدنيا.

 الحق أقول، لم يخش أي من أبي أو أمي انحرافي وكانا شديدي الثقة بتفوقي لذلك لم أنقطع عن شباك أم سامي الذي لم يمثل أي انحراف على الإطلاق. أذهب إليها متى استطعت استمع إلى تعليقاتها على الأغاني القادمة من الدكان. تنظر إلى نفس النقطة المجهولة في الشارع وهي تدندن مع سامي أغنيات فى جمال السُمر. تسألني وهي تشعل أحد سجائرها إذا كنت قد ضاجعت ابتهال بعد؟ أبتسم خجلا فتضحك هي وتلوم هذا التأخير على أشعاري الرديئة.

Friday, February 15, 2019

الموتى يعشقون الحياة


أشتاق لمن ماتوا..
خجل جدتي عندما تضع يدها على فمها وهى تضحك. سخرية والدي من فريق الكرة الذي نشجعه سويًا ولكنه يتبرأ منه عندما نشاهد المبارة معاً  فقط كيى يغيظني مازحًا. صوت عادل وهو يغني أغاني غريبة من التراث لا يعرفها إلا هو. أحلام داليا فى أن تصبح نجمة تبخرت فى حطام سيارة. طيبة محمد فاضل التي كانت تحتوي الكون رحلت في صمت مثل صوته الهادئ وموته الخالي من الضجيج. وتلك الطبيبة التي يشهد بنبلها الجميع. طالما فكرّت فى هذا العدو وهذا النزال الغير متكافئ.
فى الفيلم الأمريكي الكرتوني coco،يوجد للموتى حياة وفى حياة الموتى سعادة واشتياق للقاء. فى مدينة الموتى الرمادية يتسكع الراحلون، يمضون الوقت الذي لا يملكون غيره حتى يتم اللقاء. كُبري من الزهور الحمراء يربط الحياتين: الموتى والأحياء.

عندما يشتاق الميت للقاء من ترك، يذهب ليعبر كبري الورود الحمراء. يقف على مدخل الكبري رجل أمن قبيح الهيئة. يأمر الميت المشتاق أن ينظر إلى كاميرا مثبتة أمامه كي يلتقط صورته لتظهر صورة هذا الميت المشتاق فى بلاد الأحياء فى الحال.

لابد أن يكون للميت المشتاق الذي يريد عبور الكبري صورة له معلقة في أحد منازل الأحياء حتى يسمح له بعبور الكبري. إذا لم تكن له صورة معلقة فى بلاد الأحياء فمعنى هذا أنه من الموتى المنسين ولا يسمح له بالعبور وعندما يصبح أي ميت من المنسين فإنه يموت حقًا ويترك حتى بلاد الموتى.

أقلب صور من ماتوا فى يدي. أتذكر اللحظات التي التقطت فيها الصور. أعلقها على الحائط ثم أنظر إلى الباب حتى يدخل أحدهم

Monday, January 21, 2019

في مديح التشاؤم وذم الأمل


 (1)
قال سائق التاكسي: لم تشهد الإسكندرية مثل هذه الأجواء منذ أن ضرب الإنجليز المدينة. انظر إلى البحر يا أستاذ. سنتيمترات قليلة وتأتي أمواجه وتجلس جوارك فى مقعد التاكسي. ثم ضحك على بلاغته فى وصف البحر الغاضب لم أجادله أو أقتل روايته. لم أقل له بأن ضرب الإسكندرية كان فى يوليو وأن الأجواء كانت أكثر صفاء -من يومنا هذا- إلا من دخان المدافع والقنابل. ولكنى نظرت إلى البحر كما أمرني لأرى أمواجه العالية تخرج عن الشاطئ لتغسل بلاطات الكورنيش وسط ضحكات بعض المارة المتهورين. كانت قطرات الشتاء مثل كرات زجاجية كبيرة، عندما تضرب زجاج شباك التاكسي المتهالك، تنشطر لقطرات كثيرة صغيرة. يفرح السائق بها ويأمرني فى سعادة بالنظر إلى قطرات المطر.
(2)
فى المطعم المزدحم، وقفت فتاة عشرينية تصرخ فى أمها الجالسة على المائدة بأنها تكرهها..تكرهها أكثر من العمى والمرض والحروب. لم تخف الفتاة من قسوة مشاعرها ولم تنتظر مكان مناسب ليكون الألم أكثر جرحا. سكبت مشاعرها على طاولة الطعام وأخذت جاكت ثقيل معلق على مقعدها وارتدته فى هدوء وقصدت الباب. تركت الفتاة أمها حائرة تدافع عن نفسها من العيون التي تلتهمها متساءلة عن فعلتها. الكراهية فعل شجاع يتطلب قسوة وثبات وطقوس وتحضيرات. هل تحتاج الكراهية إلى تدريبات عسيرة حتى يصير هذا الفعل الكريه بهذه السهولة؟
(3)
آلن دو بوتون كتب عن الفيلسوف الروماني سنكا الذي قال أنه يجب علينا اتقان فن التشاؤم وذم الأمل. الإفراط فى الأمل هو سبب كل الإحباطات الإنسانية. فى بعض الأحيان يكون التشاؤم أحد طرق المقاومة والطريقة الوحيدة للاحتماء من الخيبات الأكثر ألماً. عادة الإنسان أن يتخيل عالمًا أحسن مما لديه وأسوأ من الذي يعيش فيه.