Thursday, December 27, 2012

كـُس أم القــارئ


دخل الكاتب المغمور على الكاتب الشهير مكتبه وفى يده مجموعه قصصيه قد كتبها على ورق رخيص وقدمها له طالباً النصح والنصيحه . أمره الكاتب الشهير بالجلوس على المقعد أمام مكتبه الفخم وسأله: لمن تكتب؟ فأجاب الكاتب المغمور  الطامع فى الشهره والجاه بحماس الشباب : أنا بأكتب للقارئ وللجمهور. فنهره الكاتب الشهير وقال له : كس أم القارئ. فانت تكتب لنفسك ولفنك أولاً . فاصبح هذا المبدأ قانوناً يمشى عليه حتى أصبح هو الأخر مشهورا وله صيت وباع
أكد لى صديق مشهور هذا القانون هو الآخر وحكى لى كيف أن صديق له يكتب عمودا يوميا يتبع هذا المبدأ منذ فتره، وهو الآخر من أشهر كُتاب هذا العصر. اخيراً أكد لى فنان كان يوما مغمورا ان عملاق من عمالقة المسرح العربى سأله لما ترتعش وانت تمثل؟ فأجابه الفنان الشاب، بأنه يخشى الجمهور فكان رد عملاق المسرح: كس أم الجمهور. انت تخشى فنك اولاً قبل أى شئ
تذكرت كل هذه الكُسميّات وأن أعيد ترتيب بعض الكتب التى قرأتها على موقع "جود ريدز" وبالصدفه قرأت تعليق من قارئه على قصه من قصص الرائع الطيب صالح. وقرأت كيف أنها لم تقتنع بما كتب وأن هذه القصه ضعيفة الخيال والصياغه. هذا كان رأيها وهو لها.  تابعت نفس القارئه فإذا بها تترك تعليق آخر على إحدى قصص نجيب محفوظ وتتهمه فى خياله وكيف أن نهاية القصه كان يجب أن تكون مختلفه! عندها فقط تذكرت الكُسميّات السابقه. فالكاتب الروائى أو القصّاص ما هو إلا خيال. فإذا شكّكت فى خياله فأنت تشك فى موهبته. تعمقت أكتر فى تعليقات هذه القارئه ونقدها لكل من علاء الديب ويوسف إدريس وغيرهم من عمالقه القصه. فاذا بى أصرخ من أعماقى : كس أم القارئ

Wednesday, December 26, 2012

حـرْب



هناك فى كبد السماء، حرب ضاريه بين الشمس وبين أكوام السحاب. حتى هذة اللحظه مازلت السُحب رافعة راية الإنتصار. الأجواء الرماديه تُسيطر على كل شئ فى هذا اليوم. الجميع يراقب تلك الحرب وسط دعوات ظاهره، صريحه، قويه بإنتصار الشمس. الجميع ينظر إلى قلب المعركه فى خشوع. لا يملك أحد شيئاً غير الدعاء والصبر على البلاء
طارت حمامه
متلونة بريحة الطين ..
بعطر الأرض ..
بغنوة لحن مسكوره ..
بقيمة العِرض
بقلب لأم مقهوره
بدمعة ظلم

Sunday, December 02, 2012

ســائـحْ فى بلاّدي

(١ )
اليوم أعود.
بمحض إرداتى، غير مضطر غير مرغم غير مهزوم أو مكسور أو باحثاً عن مجد، أو طالباً للشهره .أشعر بثقل الخطوات فى الطرقات التى ألفتها وتعودت عليها. اليوم تلفظنى وكأنى نبت شيطانى فى أراض مقدسة. بلادى التى تركتها تركتنى وعندما عدت إليها نهرتنى . مسخ غريب وأشياء عجيبه وقوية تقشرت من شوارعها وحواريها لتهدم كل شئ وتغيره. تغيرت ألوان المبانى والشوارع، بل تغيرت ألوان البشر وأصبحت صارخه قبيحه. الهواء أصبح سميك له رائحه كريهه بطعم الغُربه. أعجب من نفسى لأنى مازلت راغباً فى المزيد من هذه التفاصيل الراكده الخاليه من المدلول. أين البقاع الطاهره من أهلك؟ أين عبق الإيمان الحقيقى وتراتيل الأرواح؟
 تغازلنى فى مدينتى أحلام ورديه لطفل صغير مات قبل أن يولد وشاب ضاع منى هدراً باحثاً عن المتسحيل من الآمال البيضاء ورجل يأس وآمن بأن الكفر بكل شئ هو الفضيله والجائزة الكبرى، وإمرأه لم يبق منها سوى نظرات خائفه مضطربه
(٢ ) 
راهنت على موجات زرقاء من الأمل وسماوات من الحق، فجاء حظى  بمستنقع من الوحل. يتكوم فى قلبى أسى وحزن ودموع غير مرئيه. سيدة الكون وجميلته كانت بين ذراعىّ ولم أنل منها غير عبير مؤقت وإبتسامات مكسوره سببها ذكرى، أو لمسه أو قبله من الخيال على شفاة مريره. جباه الفلاحين أصبحت أكثر سماراُ من حرارة الظلم وصفعات القهر المتكرره.  شمس هنا أصبحت مثل شمس هناك مجرد كتلة ذهبيه لا تبعث الدفأ أو السكينه فى النفوس. العيون الزجاجيه كثُرت وأصبحت واضحه. النظرات الموجهه التى تقتلك كمشرط تلم فى يدٍ مرتعشه لجراح ناشئ. قطرات المطرالبخيله تضرب في الأرض السمراء البكر ولا يخرج حباً ولا زرعاً وكأن سنوات يوسف العجاف قعد عادت من جديد. 
(٣ ) 
أبدو كسائح أوزائر لم ينبت هنا فى هذه البلاد وتجرعت جذوره من رحيق الصبر والخيرات. أراهم يشيرون إلىّ بأصابع غليظه كأنى مخلوق عجيب غير سوىّ يدعو إلى الكفر. الآن فقط أعرف معنى إنتزاع الروح من الجسد. اليوم فقط أعرف تفسيراً واضحاً لآلام الشاة بعد أن تموت ويُسلخ جلدها. اليوم أعود من هنا إلى هناك. ربما أعيد ترتيب الأوراق . ربما أصلى من أجلى ومن أجل شوارعها. اليوم آخذ ما أتيت به وأرحل. ربما عاودت الكرّه من جديد ويثقل رأسى المزيد من الشعيرات البيضاء. ربما إستسلمت لشمس هناك البارده. ربما أستأنثت ذلك الشعور الغريب بالموت وحيداً. ربما إستكفيت بورقة بيضاء وقلم حبرُه أسود، أكتب عنها وفيها، وأغازل ما تبقى فى جنباتها من يقين الماضى.
اليوم أعود

Ice arts in the streets of #nyc #manhattan"

Monday, November 26, 2012

! أوّ تَبدُو سَعيدهْ

هدأت .. تغيرت..إرتدت الألوان بعد سواد الحداد. تغيرت الصورة الكرتونيه إلى صورة أخرى بها ألوان وبهجه وتفاصيل. تبدو سعيده فهى تبتسم، تلك الضحكه الطفوليه الصافيه التى تتنزع القلوب. تتوسط جمع ليس بصغير ممن يحبونها حقاً. نفس الصوره التى تلجأ إليها كل مره تنتصر فيها على صدمة قاسيه. لكنها تبدو سعيده وهذا هو المهم. ربما كانت الصورة قديمه من أفراح الماضى.لا يظهر فيها إلا وجهها المدبدب المستطيل ، ينهدل على جبينها خصله من شعرها الأسود الذى أصبح ناعم. لم يكن ناعم من قبل. إذن فقد تغيرت. وجهها يملأ مساحة الصوره مع أجزاء غير واضحه لهؤلاء الذين تتوسطهم. لكنها سعيده أو تبدو سعيده.  وجهها تغير هو الأخر. أصبح أبيض عن ذى قبل. لم تكن يوماً بيضاء. كانت برونزيه بلون طرقات مدينتى و بحر بلادى. ولكنها الآن بيضاء. كيف أصبحت بيضاء؟ إذن فقد تغيرت. ولكنها تبدو سعيده. لا أستطيع أن أتنسم عبيرها من الصوره، ولكنه موجود فى الأجواء كمارد مسحور أو جنىّ لا تراه ولكنه يراك. تتحرك أوراقى وأقلامى عندما أتنسم ذلك النسيم فأعرف بوجودها. أقلب فى الصوره لأرى التاريخ، ولكنى لا أجده. أبحث جاهدا، ساعياً أن أعرف تاريخ هذه الإبتسامه لكنى لأ أجده. أدقق فى الملابس، فى خلفية الصوره فى تلك الأجزاء المقطوعه من هؤلاء الذين يجلسون بجوارها، ولكنى أصل إلى لا شئ سوى أنها سعيده أو تبدو سعيده .

Sunday, November 25, 2012

! إنـتــحـار

 (١ )
نفس المقعد . باقى على الإنتحار خطوه.. مسافه .. قـُبله.. قرار..أو جساره. كل شئ فى مكانه. جاهز. جميع الأسلحه فى موضعها . فقط قرار القائد عندما تحل ساعة الصفر ونوعية السلاح المستخدم. رتب أوراقه. كيف سيكون العالم بعد الموت؟ أى عالم؟ لا أحد يرى وجوده وكأنه الهواء. هو مجرد حفنة أنفاس تخرج من صدر حرج ضيق. لن يعبأ أحد بإختفائه. لن يهتم أحد. ربما الخادم العجوز فى ذلك المهقى القديم الذى يجلس عليه؟ ربما صاحبة الصوره المجهوله؟ ربما ماسح الأحذيه. لا، لن يهتم أحد منهم. لن يترك موته فراغ فى حياة أى منهم. كانت حياته فراغ فكيف لموته بأن يكون أي شئ سوي فرأغ آخر وفقاعات هوائيه؟
 (٢ )
مراسم الإنتحار ليست بالبسيطه. هناك طقوس وقواعد. هناك مشاعر لابد من إتباعها حتى تصل إلى الهدف المرجوّ. كيف بالموت أن يكون أكثر تعقيدا من الحياه؟ كيف للنهايه أن تكون أي شئ آخر سوى نهاية؟ لن يتغير الخادم العجوز أو يكف عن سباب الدنيا والنساء، لن تظهر فجأه صاحبة الصوره المجهوله فى أحسن زينه قائله هيت لك، لن يملّ ماسح الأحذيه من الحديث عن آماله فى إمتلاك محل صغير. أحلام  الفقراء مثلهم، فقيره لا قيمة لها.
 (٣ )

نفس المقعد.. سينتظر المساء وسكون الليل حتى تختفى الطيور والفراشات البنفسجيه فلا يزعجها صوت الموت. سينتظر لباس الليل الذى يستر القبح والعيوب. سيكون ليل بارد ذو قمر منتصف غير كامل تغطيه سحابة قادمة من بلاد بعيده لتشهد على جلالة الحدث. ستعود الشمس غداً، ويعود معها الطيور والفراشات. سيكتمل الف قمر وقمر. لن يتغير شئ سوى أحلام الفقراء. 

Saturday, November 24, 2012

لَعنكْ اللّه يا أًم إحسانْ

(١)
ده عريس لُقطه يا دكتوره , غنى وإبن حلال ومن عيله! لعنك الله يا إم إحسان فى كل كتاب .. لعنتها فى سرها وجهرها وفى صلاتها وتضرعها، فى صحوها ومنامها .تقف أمام المرآه عاريه تتحسس جسدها الأبيض الفائر وما به من بضاضه . تلاعب شعرها الأسود المبلول كطفله صغيره تلاعب عروستها البلاستيك فى حنان مفقود. بين كل لمسه ولمسه تهبط لعنات أخرى مُقدسه على أم إحسان وذلك العريس الذى أصبح زوج وواقع قبيح. تغلق باب غرفتها من الداخل بمفاتيح وأقفال وكأنها خازن خزائن هارون. تسمع صوته فى الخارج يسعل ويضحك، تتخيل منظره وهو جالس أمام التلفزيون نصف عاري يأكل كل ما يجده أمامه ويدخن بشراهه. لعنك الله يا إم إحسان فى كل كتاب. لماذا لا تصبح هذه المرآه مسحوره بها باب له إتجاه واحد، إتجاه اللاعوده. لماذا لا تطير هذه الغرفه فى كوكب آخر بعيدا عن غرفة المعيشه التى يجلس هو بها. إنه الزوج الباقى، والسند الدائم. إنه العريس اللى ما يتفوتش.
تجلس على مؤخرة السرير ويغطى شعرها الطويل نهديها البارزين فى صمود. تنظر إلى الأرض وتختلط دمعاتها مع إبتسامه ضعيفه كغثاء موجه على وشك الموت. تتذكر كيف أصبح حالها وتحول من الطبيبه، الجميله الذى سجد المستقبل أمام قدميها، إلى مجرد سبب مؤقت إلى بضعة رعشات وبلل دافئ بين فخذيها
 (٢)
لامته هو فقط، هو  من سافر وهجر. هو من فضل اليأس على الأمل. الإستسلام على القتال. الهروب على المواجهه. لامته على ما هى فيه الآن، تعيش على بقايا كلمات وسلامات وذكريات ومواعيد لن تتم. تذكرت كيف كانت لمسة يده الدافئه، كيف كان يضع رأسها على تلك النقطه الخاصه على صدره لتطير فى عالم مرمرى أبيض. كانت تؤمن بأن صدره به شئ من الجنه ووصال من الرحمة وسحابات من السكينه. تذكرت قبضة يده القويه اللاعنيفه على يديها الصغيره وهما فى طريقهما إلى ذلك المكان الخاص على البحر. كان الناس لهم بحر وهما لهما بحر خاص لا يراه أحدا.
جلسا فى نفس المكان، المنضده البسيطه المواجهه لشاطئ البحر. يمتد كبرى خشبى قديم بضعه أمتار داخل المياه ثم يتوقف فى تهالك. فناجين القهوه الفارغه وطفاية السجاير الممتلئه. كوب مياه زجاجى يعكس أشعة الشمس الذهبيه على وجهها الأبيض. جلس صامتا ناظراً الى  البحر وكأنه منتظراً أن تخرج المعجزه من مياهه  الزرقاء. وهى تنظر إليه فى شبق العشاق، ولهفة من أحب فأخلص، وآمن فأعطى. تتحدث إليه عن كل شئ ، تقفز من مقعدها كطفلة صغيره فى مدينة الألعاب المسحوره. وهو صامت فى مكانه منتظر المعجزه. ولكن البحر لم يرسل إليه أى معجزات ، بل بضعة موجات بدأت عنيفه من 
منبعها وماتت قبل أن تصل الي الشاطئ
(٣)
قال بدون مقدمات: أنا مسافر بكره . لم يشرح أو يفسر لم يعطى أعذار وأسباب. لم يعطى أمل أو يترك نقطه مضيئه تعيش
 بها. قالها وبلعه البحر


Wednesday, November 21, 2012

فسَلام على حسْن، حَرَامي التليفُونْات

(١)
أحمل جعبة ملابسى المتسخه وأذهب الى المغسلة القريبه من المنزل. نفس الروتين المُتبع فى ظهيرة كل يوم أحد. نيويورك، تلك المدينه 
التى بلعت كل اللغات والثقافات والأديان وصهرتهم جميعا وخلقت فى النهايه منتج غريب، بديع لا يوجد فى اى مكان سواها. تجلس فى عربة  المترو فتسمع أكثر من أربع لغات مختلفه وترى القرآن والتوراة والإنجيل جنباً الى جنب دون قتال أو حروب. فى التسعينات حيث كانت شبكة الإنترنت تأخذ خطوات ثابته لليسطره على كل شئ. لا يوجد انتشار واسع للتليفون المحمول بعد ولكن على قارعة كل شارع يوجد تليفون عمومى وكذلك فى مداخل المحلات التجاريه والمتاجر والمطاعم. قلما خلا مكان من تليفون عمومى.
وضعت ملابسى فى المغسله وخرجت، واذا بشاب أسمر الملامح، عربى المظهر - يتحدث فى التليفون الموجود بخارخ المغسله – ينادى على سائلاً اذا كنت مصرى؟ تذكرت هدف مجدى عبد الغنى فى مرمى هولندا وجاوبته بفخر: نعم أنا مصرى.
(٢)
سألنى اذا كنت أريد أن اكلم مصر فى التليفون. نظرت إلى المغسله والوقت المتبقى بها حتى يتم الانتهاء من الغسيل، وأجبته بالموافقه. أعطيته الرقم وقام بضرب عدة أرقام بعده وقبله وها أنا ذا اكلم الأهل فى الإسكندريه الحُره . إختفى الشاب، وتكلمت أنا فى التليفون لبضع دقائق حتى شعرت بالذنب لطول المكالمه ظاننا بأن ان هذا الشخص سوف يدفع فاتورة المكالمه من حسابه وقمت بإعلاق الخط.
فى اليوم التالى وانا فى طريقى الى العمل، وجدت هذا الشاب يتحدث فى نفس التليفون بجوار المغسله. فألقيت عليه السلام وشكرته على كرمة بالأمس. فسألنى إذا كنت أرغب فى عمل أى مكالمه ولكنى شكرته معتذرا بأنى فى طريقى الى العمل . وهنا ساورنى الشك فى هذا الشاب . فالمكالمات الدوليه فى هذا الوقت كانت اسعارها باهظه وهو كل يوم يقضى ساعات يتحدث فى التليفون ويعزم كل من مر بجواره. عرفت بعد ذلك من بعض الأصدقاء بأن هذا الشاب اسمه حسن وانه متخصص فى سرقة خطوط التليفونات الدوليه. وبعشر دولارات تتحدث مع اهلك جميعا ثم الجيران ثم العماره المجاوره وبعد ذلك الشارع كله والحى والمدينه ولاحقاً بإمكان والدتك ان تتصل بأقاربك فى الأقاليم لكى يأتو يتحدثو معك. وبعد أن تنتهى من الحروف والجمل والمعانى والكلمات يصعب عليك أن تغلق الخط من كثرة البُخل وشدة الإستخسار، فتعزم على أى شخص مار بجوارك ان يتحدث هو الأخر.
تطور الموضوع، فوجدت فى يوم ما كرسى بحر وشمسيه بجوار التليفون  لأن الناس أشتكت لحسن من الوقوف لساعات طويله تحت الشمس والمطر! وفى يوم آخر وجدت عربية هوت دوج وسندوتشات فتحت بجوار التليفون.  وفجأه أيضا وجدت شاب صغير يقوم بتنظيم الراغبون فى التحدث وإستخدام الهاتف وحسن جالس تحت الشمسيه يدخن الشيشه وفى يديه مجموعة من الدولارات منظمه ومُرتبه وكأنه منادى فى محطه مصر يقوم بجمع الكارته.
(٣)
نيويورك هى نيويورك بسحرها وشقائها وغناها ومالها وفقرها وعنفوانها وضعفها،  إلا هذا المقطع من المدينه الذى سيطر عليه حسن وأعوانه. أصبح التليفون الحكومى مصدر دخل للعديد من الناس. وأصبح مدينة داخل المدينه، ومجتمع آخر لم يفكر أى منهم نوعية الدخل أذا كان حلال أو حرام ، مباح أو ممنوع. كل هذا لا يهم طالما أن هناك دخل فى نهاية اليوم. تذكرت حسن اليوم، بعد سنوات مرت عندما أخذتنى قدماى إلى مكان التليفون الذى مازال موجود فى مكانه ولكنى لم أجد حسن أو شمسية البحر وعربة الهوت دوج. تسآلت عن حسن وأمضيت وقتاً ليس بالقليل أفكر أين هو الآن وماذا يفعل؟

Tuesday, November 20, 2012

صُنْدُوْقُ قَمَرِ لِلَّذِكْرَيَاتِ

جمعت قمر ما ملكت من قوه وذهبت إلى غرفة الضيوف الزرقاء فى شقة الزوجيه التى خصصتها للضيوف. الغرفه بها سريرين صغيرين يتوسطهما على الحائط صوره ليوسف إدريس وهو شاب صغير. تحت الصوره مكتبه قديمة فيها كل ما كتب الرجل، فهى تعشق يوسف إدريس وكتاباته. يوجد بالغرفه مكتب صغير به درج مغلق لا يوجد مفتاح له إلا معها هى فقط. داخل هذا الدرج صندوق صغير لا يعلم أحد ما به سوها.
تسللت قمر إلى الغرفه الزرقاء بلون البحر الذى تعشقه برغم عدم نشأتها قرباً منه. وربما كان ذلك سبباً فى حبها له. والحق، أن ما بداخل هذا الصندوق هو سبب عشقها للبحر وألوانه وأهله. فتحت الدرج بهدوء وخفه وكأنها خائفه من عفريت أو جنىّ محبوس فى هذا الدرج أن يخرج منه ويلتهمها
اخرجت الصندوق الصغير ووضعته على ركبتيها بكل حنان وموّده كأم حديثه بعهد الأمومه تداعب مولودها الجديد. أزاحت من على الصندوق تراب وظلم السنين، أراحت ظهرها على الكرسى ورفعت رأسها إلى سقف الغرفه تتأمله وكأنها فى إنتظار مدراراً من السماء على يد ملك بيديه الغيث وما قد زهق وولى
عادت بنظرها إلى الصندوق ورسمت على شفتيها إبتسامة شفقه وعطف. كانت تتحدث لصندوق الذكريات وتشرح له انها ليست السبب فى تسميته بصندوق الذكريات. فإن كان بيديها، فهى حلمت وعاشت حياتها كى تري ما به حى أمامها فى كل لحظه وأنها قد عملت ما بوسعها حتى تصبح الأشياء الموجوده به أرواح تسعى. لم تخطأ يوم ولم يصيبها اليأس فهى حاربت من أجل ما بالصندوق، أحيانا كحبيبه وزوجه وأم وإبنه، وأحيانا كثيره كأسد شرس دافع عن بيته وعرينه من الغُرب والدخلاء .ولكن! دائما هناك  كلمة لكن التى تفصل الحق عن الباطل والواقع عن الخيال. لم يقم هو بمسؤلياته كما يجب وإن كان أبسطها هو الصدق
فتحت قمر الصندوق ورأت ثلاث وردات ذبلو وذهبت بهجتهم. تبسمت وتذكرت كيف إشتراهم لها من فتاة صغيره على كورنيش نيل القاهره بعدما حلفته الفتاه بحياتها. ورأت ايضاً ذلك الخاتم النحاسى الذى إختاره لها فى خان الخليلى وتذكرت كيف أنها رفضت فى لقائهم الذى لم يتم الذهب الأصفر والأحجار الكريمه
لم تستطع قمر تكملة النظر إلى ما بالصندوق. اغلقته بسرعه . وبعزيمه يتملكها غضب، قامت من مقعدها ووضعت الصندوق مكانه القديم. ربما فتحته مره أخرى وكملت ما به من ماضى وذكريات وربما رزقها الله قوة خاصه للتخلص منه ووضعه فى صندوق القمامه - مكانه الطبيعى
قامت قمر إلى مطبخها لإعداد وجبة العذاء لأسرتها السعيده، فاليوم هو يوم الفاصوليا التى يعشقها إبنها الأصغر. تبسمت الأم وتنهدت قائله .. لعنة الله على الذكريات

Monday, November 19, 2012

وَكيفَ حالُ القاهِرةْ بدُونها؟

(١)
حتى البحر، ظهرت عليه آلاء السقوط. أصبح وحيداً مثلى يكابد علامات الشيخوخه محاطاً بمبانى قبيحه. الطريق من ميامى إلى سيدى جابر فى هذا التوقيت من الفجر دائما كان رائع. عندما أمتلك الكورنيش والشاطئ بمفردى. الآن إحساس جديد بأن الحبال القويه التى كانت تربطنى بهذا لشاطئ قد تقطعت وتلاشت .طقوس ليلة السفر لم تتغير، أقوم بقص شعرى فلا أجعله قصير فهى تحبه طويل لأسباب لا يفقهها إلا هى. يكتشف الحلاّق شعره أخرى بيضاء، جديده، طويله قويه قائمه بمفردها فى عناد وتحدى. أتذكر أول مره أكتشف شعرة بيضاء فى شعرى وذهبت مهرولاً إليها بأن العمر قد وليّ ولم يبق منه قدر ما قد فات، إبتسمت نافيه، وقالت كلا: بل هناك أربع شعرات بيضاء وليست شعرة واحده! آمنت لها وإستسلمت فهى تعرف كل شئ، حتى عدد شعرات رأسى ،فهى تعرفها أكثر منى
(٢)
إنتهت التشطيبات والإصلاحات فى محطة سيدى جابر، هى الأخرى تغيرت وأصبحت أجمل. لم أهتم من قبل بجمال الأشياء أو قبحها ولا أدرى ما قيمة شئ جميل يتوسط القبح؟ صوت منادى القطارات الداخلى به ألفه معهوده. لم أقابله ولا أعرف شكله ولكنى أحب أن اسمع صوته عندما ينادى عن قطار الإسكندريه المتجه إلى القاهره القائم من على رصيف 3، أشعر بأنها رسالة خاصة بى وحدى. أشعر بأن هناك قاهرة أخرى يحجّ إليها كل البشر. أما أنا فلى قاهرة  أخرى ، خمريه كحنين الماضى وصدق المبشرين، ناعمه كورقة شجر لمسها ندى الفجريه ،برونزيه كرمال عانقتها الشمس لعقود، سمراء بلون القهر ودعاء المظلومين، بسيطه ،قويه ،ضعيفه، عاقله كالأم، مجنونه كالعاشقه، دافئة تبعث فى نفسى قوة الجيوش وجسارة الفرسان.
(٣)
أجلس على مقعدى متأملاً من الشباك منظر الحقول الخضراء الجميله التى تتناقص مساحتها فى كل زيارة . أرغب فى أن اقفز من القطار إلى تلك المزراع الخضراء وأن أنطلق فيها مدافعا عن قدسيتها التى إنتهكت من الكتل الخرسانيه والطوب الأحمر. كانت المزارع الخضراء دوماً وابدا هى مثال المعجزات والبساطه بالنسبه لى. أرض طينيه، حبوب، شمس ومياه. لمستهم جميعا قدرة الخالق فخرج هذا المنتج البديع. حتى هذا أصبح يتلاشى. وكأن الكتل الخرسانيه أهم من المعجزات ولمسات الخالق السحريه
(٤)
يصل القطار فى سرعة غيرمتفق عليها. ربما شعرت بهذه السرعه اليوم لأنى تمنيت عدم الوصول. كنت أصلى أن يصيب القطار عطل فنى غير قابل للإصلاح يكون سبب فى ألغاء الرحله. وأعود ضاحكاً على نفسى مقتنعا بأنى قد حاولت وشرف المحاوله يكفى. ولكنه وصل في ميعاده بالظبط. أصل إلى مدينة الرماد باحثاً عن النقطه الملونه لكنى لم أجدها. أذهب إلى ذلك المكان الذى كانت تتنظرنى فيه لأجده خالى رغمه زحامة بالبشر، كان ساكن، هادئ، صامت رغم الضوصاء وصفير القطارات. أخذت التاكسى الأبيض كما قد أمرت . فالغريب مثلى لا يأمن غير التاكسى الأبيض ذو العداد. أجلس فى المقعد الخلفى أنظر خارج الشباب إلى بحور البشر. حياة أخرى وعالم أخر. أول مره ألاحظ هذا الزحام. ربما تكون أول مره أنظر من خارج شباك التاكسى. لماذا لم أنظر من الشباك بالماضى؟ لماذا ألاحظ الآن كل هذه التفاصيل؟ الرحلة من محطه مصر إلى الأوتيل لم تستغرق دقائق معددوده.
(٥)
أدخل فى غرفتى لا أفعل أي شئ سوى الجلوس على مؤخرة السرير المنظم.غرفة الفندق الآن مجرد أربعة جدران مؤقته ليست بيتى وليست ملكى .الهواء البارد الناتج عن التكيف ينتصر أخيراً بعد أن كان مهزوما مغلوب على أمره من اللحظه التى تطأ قدميها أرض الغرفه. لمسة واحده من يديها الصغير تحول جبال الثلج إلى شموس ملتهبه. أنظر الى الأشياء المألوفه داخل الغرفه ولكنها بدت غريبه عنى. أنظر الى  النيل من الشرفه فاذا به غاضباً منى يعاملنى بجفاء وكأنه أول مره يرانى. أنام على الجانب الأيمن من السرير، وأترك الجانب الأيسر مرتب منظم أمالاً فى معجزه. فى الثلث الأول من  الليل، نزلت إلى كورنيش النيل، جلست على ذلك المقعد فى نفس المكان. أتت بائعة الفل الصغيره، إبتسمت لها إبتسامة الترجى " ألا تعرفينينى؟ أنا من إشتريت منك ثلاث وردات بالماضى". تجاهلتنى هى الأخرى نفس تجاهل النيل وجدران الغرفه. أذهب الى محل السمك .. الكشرى .. هذه القهوه البسيطه فى شارع القصر العينى .. الكافيه الآخر فى التحرير .. الأوبرا ..النادى الأهلى ..خان الخليلى ... محطة المترو.. تجاهلنى الجميع وكأنى نسياً منسيا
(٦)
بحلول الثلث الأخير من الليل أصبحت أسمع أصوات قادمة من أضرحة المشايخ وأهل البيت ومكتوبه على رسائل المحبين تأمرنى بأن أعود من حيث أتيت. فهذه هى القاهرة بدونها.وعدت وحيداً كفرع يابس تتخطفه الرياح.



Monday, November 12, 2012

شريعة أم سعد

(١)
تجلس أم سعد بائعة الجرائد فى نفس مُقعدها على كورنيش البحر، تضع بضع من الأحجار الصغيره على الجرائد  حتى لا تطير من على قفص الخضار - الذى أصبح هو مصدر رزقها الوحيد. تتطلع المانشيتات العريضه التى لا تفقه منها سوي ألوانها الحمراء والسوداء وحجم الخط العريض. لم تنم المرأه لأيام، فبالها مشغول حقاً بنصرة الشريعه وقهر العلمانيه وتحرير البلاد من الكفار. أم سعد تعلم جيدا أصول الشريعه وتعاريف الليبراليه والعلمانيه والإشتراكيه والإقتصاد الإسلامى. أراها تحلل المسوده الأولى للدستور وتنفطر حسرة على عدم وجود مواد خاصه بختان النساء والمثليه الجنسيه وهدم الأهرامات والآصنام. تجلس أم سعد مع نظرائها من باعة الجرائد والفجل والسمن البلدى على مزلقان القطار فى سيدى بشر قبلى ويتناقشن فى همة ونشاط سن الزواج للأطفال وإذا كانت البنت هتستحمل ولا لأ
(٢)
يدخل عم عبده الخولعى بائع الشاى فى محطة القطار ويلتقط أطراف الحديث منهن صارخا من أعماق قلبه العجوز، بشرة خير .. بشرة خير، كبشرى يعقوب بيوسف وفرحة زكريا بيحيى، يشرح عم عبده أسباب فرحته وبهجته بأن شلبى الصياد، إكتشف بروكسى للتحايل على حجب مواقع البورنو. فلا داعى للقلق
هكذا إنشغل العامه من أهلى وعشيرتى بما هو مهم بالنسبة لهم: نصرة شرع الله .. لم تهتم أم سعد بولدها المعاق سعد ولا بقرار المحافظ من 15 سنه بتوفير كشك صغير بدلا من قفص الخضار، لم يهتم عم عبده الخولعى بما يعانيه من أمراض عجز عن تعريفيها .. كل هذه أشياءثانويه لا قيمة الله..

Wednesday, November 07, 2012

جَلَالّة المَكانْ الهـَادِئ

قطار قديم، متهالك يشق طريقه على قضبان صدأه معوّجه. صوت الماكينات يخلق ضوضاء عنيفه لا تليق بجلالة المكان الهادئ. إغتصبت القضبان  الحديديه مساحة غير بسيطه من المزارع الخضراء. تهتز الأرض الطينيه عندما تسمع صفير القطار القبيح  وترتعش رعشات متتاليه  كعذراء بكر ليلة زفافها. تهجر الطيور الضعيفه أغصانها فى غضب يظهر من أصوات ضربات أجنجتها. عندها فقط ..يتوقف ذلك الرجل عن عزف الناي
يتكرر نفس المشهد كل بضع ساعات ..لا كلام ..لا حروف ..لا إشارات.. صفير القطار القبيح ..صفير الناى الحزين .. وصوت أجنحة الطيور الغاضبه وحفنة من أوراق الأشجار الجافه التى تلهث وراء القطار


Monday, November 05, 2012

!رَسائلْ قَديمه

رساله رقم واحد
من أم

،أما بعد
فليس لى من العلم ما قد قُسم لك. ولم أنهل من بحور الكُتب قدر ما إستطعت أنت. وليس لى من الفنون والآداب ما تمثل فى حديثك وجوارحك. فلقد حملتك وهن على وهن وكان لى من المشقه ما كان. لم أشكو من المخاض وآلامه ولم أقنط عليك من محبة أو رحمة. فأنت الوليد والولد والوريث كما نعتك والدك. ولن أنسى فرحته يوم ميلادك والمستقبل كله تجسد عند بكائك الأول عندما قال بكل فخر : أهلا بالطبيب!
ربما أزعجتك رعشة يدى فى خطوط هذه الرساله. ربما رأيت أفكار غير مُرتبه وحروف متضاربه وغير مُركبه. ربما رأيت الحبر عبرات. ربما رأيت سواد ثيابى فى هذه الأوراق. ربما ..ربما ..ربما. ولا يعنينى أى من هذا فأنا أمك ولى حق عليك وأعلم أكثر منك. نعم أبتسم عندما أتذكر هذه الجمله " أنا أمك وأعلم أكثر منك" عندما كنت مريضا وأنا أطلب منك أن تشرب الليمون بكثره. وأنت ترفض مازحاً بحجه أنك طبيب وتعرف من الطب أكثر منى. فنتشاجر شجار المحب لحبيبه والخل لخليله والأم لولدها
أشتاق إلى ذلك الشجار وإلى نظرة عينيك الصافيه الساخره وهى تقول لى سأشرب الليمون ولتذهب شهادة الطب الى الجحيم. أشتاق إلى تلك النظره التى كانت تتوسل إلى و تترجانى بالإطمئنان عندما كنت تنزل إلى المظاهرات راجياً الخير لجيلك. أشتاق إلى قلقى عليك حتى تعود. أشتاق إلى الساعات والدقائق البطيئه التى كانت تقتلنى فى اليوم الواحد أكثر من الف مره حتى أسمع صوت المفتاح، وعندها أتظاهر بالنعاس وعدم الإهتمام. أعلم أن كل هذه المشاعر لن تعود، بل أعلم أن العديد من مظاهر الحياة قد رحلت يوم رحلت أنت وصحبتك. ولكنى أؤمن إيماناً خاصا، بالرغم من أنك لن تستطع قراءه هذه الحروف المكتوبه، فإنك قادر على إستيعاب رعشات قلب الأم الذى قتله الفراق..

أخيراً ..لك من قلبى خير الدعاء وأطهره ..
أمك التى تعلم أكثر منك

*** 
رساله رقم إثنين
 من غريب 

إلى وطنى وإن عجز الكلم عن تعريفه،
إلى تلك الحدود البعيده، إلى هذه الارض العجوز، إلى ذلك المكان القديم، إلى تلك الحاله التى أصبحت لا حاله. إلى مدينتى الصغيره، وشارعى الضيق، ومنزلى الفسيح. أكتب إليك عنك وأشكو منك إليك وأهرول إلى حضنك هاربا من بطشك. لن أكون أبلغ من من كتب فى حبك أشعار و أغانى، وخلق من النغمات موسيقى والحان. لن أكون أقوى من هؤلاء الذين مهما سجنو أقسموا بحريتك، ومهما ظلموا اقسموا بعدلك، ومها دفنو فى الظلام أقسمو بشمس نهارك. لن أكون أى منهم، فأنا أبسط من هؤلاء. أنا الإنسان البسيط سجين الكلمات. أنا من تركت شمسك على ملامحى السمراء آيات وآلاء الكرم رغم ضيق ذات اليد. أنا من قال فى السرّاء يارب وفى الضرّاء يارب وحين البأس يارب. ليس لك عندى سوى تلك النقطه البيضاء التى أبت أن تتحول إلى السواد وسخرت من ديمقراطيه هذا القلب المُتقلب. ليس لك عندى سوى إيمانى بك رغم كُفرك بى، تمسكى بك رغم بخث ثمنى فى ميزانك.
أكتب إليك اليوم مجاهراً مطالبا بما لى عندك من نهر وهرم وبحر وأب وأم وأخت وأخ وحبيبه من أيام الصبا الورديه. أكتب إليك طالبا دليل إستخدام وكاتالوج لعلىّ أبلغ الأسباب وأصل لمفاتيح أسرارك . أكتب إليك سأئلاً الحياه ليس حباً فيها ولكن لأن الموت أصبح هو الأخر له عادات وتقاليد وطقوس شاقه. فماذا أنت بقائل ؟

مع خالص حبى وأرق أمنياتى،
مهــاجر بداخل شوارعك

Sunday, October 28, 2012

مسْجدَان

(١)
عندها فقط أستيقظ من غفوتى ومنامى، سمعت شيخ المسجد النصف مشهور يصرخ من أعماق قلبه " كريدت كارت إيه اللى عاوز تسرقه يا حمار.. الناس هنا حتى ولو كفار زى ما بتقول، دخلوك بلادهم آمناً سالماً، والفيزا اللى إنت دخلت بيها على بسبورك هنا، تعتبر عهد بينك وبينهم. فكيف تخون العهد؟ يا حمار"
كلمة " ياحمار" كان لها رنين موسيقى خلاّب. فكانت الكلمه تسافر بين جدارن المسجد الرخاميه العاليه فى رشاقة وخفة راقصه باليه، ثم تعود الكلمة بسرعة البرق لتلسع الشاب سائل السؤال على قفاه السميك كالسياط.
تغيرت طبيعة الأسئله التى يتم تداولها فى المساجد، بل تغير المساجد نفسها. لا أجد نفسى فى مساجد " الآن" الكتل الخرسانيه على هيئة أعمده ضخمه تجعلنى صغير جداً، نقطه فى بحر مظلم. الأراضى السيراميكيه قبيحة الألوان التى تخلو من الشعور الروحانى والألفه. جدران الرخام البارده التى تشعر بأنين التكيف فى بلاطاتها الساقعه. المآذن الشاهقه التى تحمل تلك السماعات، التى تخلق صدى قبيح للصوت ينتزع منه وقاره وجلالته. لم أكره فى حياتى علامات الرأسماليه قدر ما كرهتها متجسده أمامى فى مساجد " الآن" .
(٢)
أشتاق إلى ذلك المسجد الأبيض القديم فى قريتى الصغيره. ربما كانت جدرانه متهالكه معماريا، ولكنها عامره بالإيمان الأبيض البسيط وهمهمة المنشدين العتيقه والصمت البليغ للعارفين بالله. يتوسط المسجد مزارع البرسيم الخضراء فأصبح كمركب مرمري فى بحر أخضر. تحيطه من ثلاثة جوانب ترعة وقنوات رفيعه مياؤها رائقة اللون فجعلت منه واحه إيمانيه  أو جزيره صغيره للتعبد بعيده عن كل مظاهر الدنيا. درجات بسيطه تأخذك إلى ساحته حيث تختفى الاعمده والنجف والسجاجيد. بابه مفتوح دائما، فلا يوجد أمن أو كاميرات مراقبه فالحارس هو الله كما يقول دائما عامل النظافه والموظف الوحيد بالمسجد بجانب الإمام. عامل النظافه الذي يعمل بدون أجر أومقابل أو تأمين صحى، فى الأصل فلاح يهمل حقله وزرعه وحرثه أوقات الصلاه وفى المساء يتطوع لنظافه المسجد بصدر رحب. تعلو وجهه الذى أصابته تجاعيد الخبره والسنين إبتسامه صدق لا يشوبها خبث أو ضرار. فاذا أردت البحث عن مرادف لكلمة "طيب" فضع مكانها وجه الفلاح البشوش التى كتبت الشمس على بشرته تاريخ الإنسانيه بقلم دقيق واضح. يدخل من الشبابيك الخشبيه المفتوحه هواء عليل، به رائحه الخُضره والمياه بعدما مسهما شئ مسحور من رحيق العسل القادم من المنحل المجاور للحقول. تغريدات العصافير الغير مرئيه تخلق سيمفونيه رائعه مع نغمات الموسيقى الربّانيه الناتجه من أوراق شجرة الكافور القديمه عندما تضربها الرياح.
(٣)
أعود من أحلام اليقظه التى أخذتنى آلاف الأميال إلى المسجد المرمرى، الآن تغيرت كلمة يا حمار إلى يا حرامى. مازال الشيخ النصف مشهور يوبخ صاحب القفا السميك،  تداخلت الاصوات بين مدافع عن الحمار الحرامى وبين مؤيد لكلمات الشيخ. مازالت البلاطات الرخاميه تحمل الكلمات فى يسر وجعلتها تطوف أركان المسجد بغير حجاب أو حساب. رنّات التليفون المحمول تخلق ضوضاء قبيحه رغم التعليمات الصارمه على جدران الحوائط باللغه الإنجليزيه لغلق التليفونات. إزداد قفا الشاب إحمرار وأصبح رغم ضخامة جثته، نكره لا وجود له . حاول الجلوس أو الإختفاء ولكن كلمات الشيخ اللاذعه مازالت تحّول كل الأنظار تجاهه كنجم مشهور ذاع صيته. أبتسم الى البلاطات الخالية من الحياه وانا أنتشل نعلىّ من المكان المخصص لهما، وأنطلق حراً طليقاً. 

Thursday, October 25, 2012

Al Pacino, Glengarry, Glen Ross


In front of the Theater, Broadway, NYC

Thursday, October 18, 2012

فُرصةْ العربه الأخيره

                        
يتدافع الناس إلى محطة المترو وكأنه يوم الزينه. الساعه السادسه صباحا ولا موضع لقدم. النشاط يتدفق من هؤلاء أصحاب الوجوه الحمراء التى يتصبب منها الدم. لا يؤمن أى منهم بالمثل الشهير: إجرى يابن آدم جرى الوحوش غير رزقك لن تحوش. فالجميع فى حاله سباق مستمر مع الزمن. الرجال يتسابقون مع النساء، والنساء يسرعن فى خطواتهن بأجسام ممشوقه. تبدوا آلاء الزينه على وجوهن الجاده. لا أدرى متى إستيقظن من نومهن حتى يتجملن بهذا المكياج البديع الذى تعتريه البساطه. التطلع فى هذه الوجوه كان سببا من أسباب حبى لركوب المترو فى نيويورك. أركب المترو من محطه إسمها فورست هيلز حيث البيوت الباهظه الثمن ومعالم الغناء والعيش الرغد. وفورسيت هيلز فى نظر البعض هى آخر محطات التحضر والرقى ومعدلات الجريمه المنخفضه ! فبعد فورست هيلز توجد منطقه جاميكا حيث الفقر ومعدلات الجريمه المرتفعه. أأخذ المترو المتجه إلى منهاتن والقادم من جاميكا حيث تكون بدايته وأول محطه فى هذا الخط. وكأن القدر قد إبتسم لسكان تلك المنطقه الفقيره عندما سمح لهم أن يأخذوا القطار من بدايته فيجد كل منهم مقعدا وعندما يصل القطار إلى فورست هيلز لا يوجد مقعد واحد شاغر. يقف الأغنياء ويجلس الفقراء فى عزه وخيلاء. أعتقد أنا الوحيد الذى نظرت إلى القطار والمحطه من هذا المنظور. إنها الطبقيه اللعينه
  
أقف على رصيف المحطه، بالتحديد عند مُدخل أخر عربه منتظرا وصول القطار. تعودت أن أقف عند آخر عربه حيث أن مكان خروجى أسهل عندما أصل ألى محطه الوصول فى منهاتن. وهى أقل العربات أزدحاماً.يقف إلى جوارى شاب تبدو  على ملامحه العجله والسُرعه. لعنته فى أعماقى فكم أكره هؤلاء المستعجلون. يتحرك الشاب فى مكانه كمن لدغه ثعبان. ينظر بإتجاه القطار آملاً أن يأتى قبل موعده. أشعر بعقله يعد الدقائق والثوانى. يرتدى تى شيرت  قديم ممزق ضاع لونه الحقيقى إكتشفت فيما بعد بأنها أخر صيحات الموضه وبنطلون جينز ضيق، أشفقت عليه عندما تخيلت المعناه التى يعانيها عند خلعه. شعره طويل غير معتنى به. ولم يغسله لشهور
  
دخلت العربه وشعرت براحه قد تعودت عليها من الوجوه التي ألفت رؤيتها في كل يوم. فأنا لسنوات أركب نفس العربه في نفس القطار وفي الميعاد. نفس التحية الصباحيه التى تخرج من غير حروف منطوقه، ربما إبتسامة أو هزة رأس. أشعر بأنى أعرف كل من فى العربه من خلال أشيائهم البسيطه : الحقائب التى يحملونها أو نوعية الجرائد أو عناوين الكتب التى يقرأونها. أعرف ذلك الرجل العجوز الذى يجلس فى هذا المقعد مهتم بالتاريخ، فكل ما يقرأه عن التاريخ. متأكد أن ذلك الشاب الذى يقف دائما بجوار الباب لم يقرأ شئ فى حياته، فكل ما يفعله أن يضع سماعات تليفونه فى أذنيه و يستمع إلى موسيقى صاخبه ويهز رأسه طرباً مع ما يسمع. أعرف أن تلك السيده التى تجلس محشروه بين رجلين أضخم منها، قد رُزقت بمولود جديد، فهى تقوم بغزل طاقيه صغير جديده وعلى وجهها إبتسامة أم تود أن تضع ذلك الوليد فى عينيها حماية وحباً. أصبح كل شئ فى تلك العربه بالنسبة لى كغرفة المعيشه فى منزلى. أعرف كل شئ بها وأنا مغمض العينين. تعودت على كل من فيها حتى صباح ذلك اليوم، عندما وجدت الشاب صاحب الشعر المنكوش على رصيف المحطه يموت إنتظاراً لوصول القطار، وأيضا عندما دخل العربه التى يُفرض أنى أعرف كل من بها فوجدت أن  العربه أكثر إضائه، وأن هناك عبير وارئحه ملائكيه تسيطر على صوت ماكينات القطار العنيفه. وجدت وجه جديد يجلس على مقعد العجوز قارئ التاريخ ووجدته واقف بجوار الشاب سامع الموسيقى. أرى الآن لماذا لا تبدو علامات الغضب على العجوز قارئ التاريخ عندما فقد مقعده، فالتى تجلس على مقعده قمراً مصورا. فتاه ثلاثينيه ربما. عيناها سوداوان وعلى جانب وجهها المستدير ينهدل شعرها الأسود الناعم ومن خلال فستان أحمر قصير، ينفر ثدياها متباعدين. لها ساقين طويلين صنعا من المرمر وضعت أحداهما على الأخرى، وكان قصر الفستان سبباً  لمنظر بديع حيث بداية فخذيها الممتلئين. تمسك بين يديها كتاب تقرأ فيه ولم تغير نظرها من الكتاب لحظه

أنظر الى الوجوه المألوفه وأرى أن الجميع يختلس النظرات القصيره للوافده الجديده وكأنها من كوكب آخر. بدون أى مقدمات أو تردد، عرف الشاب صاحب الشعر المنكوش مكانه ووقف أمام الشابه الجميله. ولكنه لم يكن كباقى الركاب الدائمون  ، فنظرته للفتاه لم تكن خلسه ولم تكن قصيره، ولكنه كان هائم على وجهه نظراً وعشقاً للفتاه. يبدو أنه قادم اليوم خصيصا من أجلها ومن أجل الحديث معها، فنحن لم نر أى منهما من قبل. كانت نظراته كذلك الذى مسه الشوق والفراق . كان نادم على شئ ما، كانت كل نظره من نظرات عينه التى لم تر النوم لأيام فيها طلباً للمغفره.تقرأ الجميله فى كتابها وكأن فى آذانها وقر وبينها وبين عالمنا حجاب .أما الشاب صاحب الشعر المنكوش لم يقع بصره من عليها لحظه

نزل الجميع لمحطاتهم، ولم يعرف أى منا ماجرى للجميله وصاحب الشعر المنكوش، ولكن بلاشك هذا الحدث قد أضاف إثاره إلى رحلة المترو التى لم تكن أي شئ من قبل سوى وسيلة مواصلات تحولت إلى شئ مألوف والآن أصبحت لغز يريد الجميع أن يعرف نهايته. أصبحت الجميله وصاحب الشعر المنكوش زائرين دائمين فى العربه الأخيره. لم يعترض قارئ التاريخ على فقدان مقعده إلى الأبد. لم تقم السيده التى تجلس بين الماردين بغزل باقى طقية وليدها الجديد، حتى سامع الموسيقى لم يعد يطيح برأسه طرباً. الجميع يرغب فى معرفة نهايه هذه القصه. يتكرر نفس السيناريو وكأنه مكتوب بيد سيناريست عظيم وجميع من بالقطار ممثلين مغمورين يخشون الحياد عن النص والورق. تزداد الجميله جمالا، ويزداد صاحب الشعر المنكوش حزناً فأصبح فى حالة خريف دائم. لم يخلع البنطلون الجينز الضيق ولا التى شيرت الممزق. حالته تتطور من السئ للأسوأ. حالة من الملل أصابت العربه. الجميع يبحث عن الجديد فى تلك الحكايه. الجميع يبحث عن أكشن وحركه فى هذا الأمر. متى يتحدث الشاب إلى الجميله؟ متى يصرخ فيها أو يعاتبها ؟ فتنهره وتصفعه على وجهه فيعتذر لها وتسقط دموعها ثم يقبلها وتنتهى الدراما؟ تلك الدراما الإنسانيه التى لاتنتهى

فى هذا الصباح وقف الشاب نفس وقفته ناظراً سارحا فى ملكوت صاحبة الفستان الأحمر وهى كعادتها لم ترفع عينيها عن الكتاب توقعنا نفس الروتين حتى داس قائد القطار فجأه على الفرامل وتحرك الناس من مقاعدهم و مع توقف القطار المفاجئ، سقط الكتاب من يد الجميله، وكان الشاب صاحب الشعر المنكوش على الأرض قبل الكتاب يحمله، ويعيده لها. أخذته منه دون أن تنظر إليه ولم تنطق بكلمة شكر واحده. إنتظر الجميع أن يبدأ الشاب بالحديث إليها ولكنه لم يفعل وعاد إلى حالته السابقه واقفا حالما، وهنا تتعالى آهات و شهقات الإستنكار من الرّكاب وكأننا نشاهد مبارة للكره وقد أضاع أحد اللاعبين فرصه ثمينه لإحراز هدف. تعاطف رّكاب القطار مع الشاب بلا شك. الجميع يريد نهايه سعيده للدراما الإنسانيه الغير مكتوبه أو متفق عليها كما يحدث فى الأفلام. أقسم أن جميع الركاب قد لعنو الشاب فى سرهم لأنه لم يتحدث إليها، كان أغضبهم العجوز قارئ التاريخ الذى أصبح يقلب صفحات الكتاب فى غيظ خاب أن يكتمه. الأم الجديده كانت تتنهد بين الحين والآخر. سامع الموسيقى أصبح ينظر إلى صاحب الشعر المنكوش نظرات كلها غضب وعدم رضا عن سلبيته
  
تتكرر نفس الأحداث بالتمام والكمال ولم يخل الأمر من تنهيده هنا أو شهقه هناك  من الركاب عندما نظن خطأ أن الشاب فى طريقه إلى التحدث مع الفتاه. تطورت الشهقات والآهات إلى كلمات تشجيع مكنيه على طريقة الكلام لكى يا جاره. فقارئ التاريخ الذى لم يتحدث لسنوات، أصبح وهو يقلب الكتاب يقول بصوت عالى مسموع: إذا أردت أن تحصل على شئ، فلابد أن تعمل جاهداً للحصول عليه فلا تتنظر أن يأتى إليك على طبقا من فضه. دروس التاريخ مؤلمه والإنسان لا يتعلم منها أبداً. سامع الموسيقى تقريباً قام بتأليف أغنيه لا يوجد لها لحن ولكنه كان يردد الكلمات فى غضب: إخطف حبيبتك ..إفعل شئ ولا تقف يائسا كالثور الأعمى ! أما الأم الجديده فكانت كل ما تفعل هو النظر ألى الشاب وتتصعب على حاله.أصابنى من الأرق ما أصابنى. أصبح موضوع الشاب والحسناء يشغل حيّز ليس بالصغير من تفكيرى وأصبحت ملتاعاً به. ولا أدرى ما السبب فى ذلك، إنها طبيعة الإنسان الذي يرغب دائماً فى الخواتيم السعيده، أو ربما أنانية البشر التى لا تأخذ بالأسباب والمقدمات
  
أقف على رصيف المحطه فى نفس الميعاد، وجدت الشاب العاشق قد سبقنى ووجدته فى هيئة مختلفه عن ما عهدته عليه من قبل. فلقد قام بقص شعره وهندمته. وإرتدى من الثياب أشيكهها وأجملها. بدى لي وكأنه إنسان جديد. يحمل بين يديه المرتعشه باقة من الزهور الجميله. لازال ينتظر القطار فى نفس العجله وعدم الصبر. فرحت أساريرى برؤيته على تلك الحاله. فذلك معناه أنه أخيراً وبعد أسابيع من الصمت والعناء سوف يتحدث إلى تلك الفتاه. تقربت منه وألقيت عليه الصباح ولكنه لم يرد علىّ بكلمات وإنما هزّ رأسه إعترافاً بوجودى. حاولت أن أهدى من روعه، فقلت له أنى قد سمعت فى الأخبار أن هناك عطل فنى فى أحد المحطات السابقه وربما يتأخر القطار بضع دقائق. كعادة البشر، تجاهل محاولة شرحى للأسباب. لم أهتم بتجاهله لحوارى، فأنا سعيد من الداخل لأنه أخيراً تخلص من سلبيته وقرر أن يأخذ خطوه حازمه فى تلك العلاقه المهزوزه.

تخيلت رد فعل من فى القطار وإبتسمت.. تخيلت أن يكون هناك صيحات وتهاليل فرح عندما يدخل الشاب الى العربه وبيده الزهور الجميله. تخيلت أن يكون هناك رقص وطبل وموسيقى وشامبانيا. تخيلت أن يرقص جميع من فى العربه بل القطار كله ولكن ضاعت كل هذه الخيالات الورديه عندما دخلت العربه ووجدت قارئ التاريخ يجلس فى مقعده الأصلى الذى شغلته الفاتنه لأسابيع. تحولت الصوره الكرنفاليه فى رأسى إلى مشهد رمادى قبيح. نظرت لقارئ التاريخ نظرة طويله مخزاها أين الجميله؟ تلاقت أعيننا وهز رأسه يميناً وشمالاً، شرقاً وغرباً نافياً بحركات رأسه معرفة أين هى. نظرت إلى سامع الموسيقى فرمقنى بنظره غاضبه مفادها اليأس والكُفر بكل شئ. أما الأم الجديده فجلست تائهه لا تدرى ما يجب فعله فى موقف كهذا
  
وقف الشاب فى وسط العربه وبيده الأزهار  وكأنه غريب هبط على سطح القمر. لا يعرف أين هو وما أتى به إلى هنا. تغير لون وجه درجات وقف مكانه لعده دقائق ولم يفعل شئ. شعرت بضيق صدره وكأنه يتصعد إلى السماء. لم يصرخ أو يغضب ولكنه وقف وحيداً رغم زحام العربه، صامتاً رغم ضوضاء القطار وماكيناته التى تخبط القطبان الحديديه فى عنفوان مقصود تعاطفا مع حالة هذا الشاب. لم يعرف أحد ما ذا يفعل. قام قارئ التاريخ من مقعده وطلب من الشاب أن يجلس مكانه ليستريح ولكنه لم ينطق أو يتزحزح عن موضعه. أقبل سامع  الموسيقى على سبّ الشاب وتعنيفه على خسارته ولكنى رمقته بنظره مفادها السكوت. وضعت الأم الجديده رأسها بين يديها وكأنها فقدت عزيز لديها. وعاد كل شئ سيرته الأولى إلا من الشاب الذى لم ينقطع يوماً عن العربه منذ إختفاء الجميله. لم يغير ملابسه منذ اليوم المشؤوم. فإتسخت الملابس ، وطال شعره، ومرة أخرى أصبح منكوش كما رأيناه أول مره. مرت أسابيع وأسابيع ولا زال الشاب يحمل الورود التى ماتت وضاع عبيرها ولكنه لم يملّ يوماً من الحضور.. نظرات الشفقه تطارده كأنها هاله وجموع من الملائكه تحيطه أينما ذهب. تسرسبت الأيام وهربت ولازال الشاب على عهده وفى يده الورود التى أصبح حالها مثل حاله بلا نُضره

في صباح اليوم التالي أجدني أقف على رصيف المحطه بالتحديد عند مُدخل أول عربه فى القطار باحثاً عن وجوه جديده غير مؤلوفه وفرصاً أخرى فى طريقها للضياع

  

Monday, September 24, 2012

كَيفَ تـمُــوتْ وَلَمْ أَشَبَعْ مِنكْ ؟

أتسلل خارج المنزل قبل أن يستيقظ أحد فى القريه فى نهاية ليلة شتوية طويله وبداية النهار. الشمس لازلت بكر عجوز قويه ضعيفه صفراء كالذهب. عبير الفجر البارد الذى لا يتأثر بشمس أو فصل أو موسم. تلسع النسمات وجهى وكأنها أمواس وسياط مؤلمه. أستنشق ذلك الهواء الذى لم يمسسه سوء سوى دخان سيجارتى الأزرق الذى يتوه سريعا فى رائحة حرائق القش. أخطو فى خطوات تائهه متردده رغم معرفتى الجيده بالمكان. فلقد أصبحت زائر دائم هناك. فكيف التردد والإرتعاش؟ ربما عدم حبى للمكان هو سبب التردد. ولكنى أحب وأشتاق إلى قاطنيه والله بما يكنه قلبي شهيد. وعندما تحب أحد تسعى مهرولاً للقائه. مازالت الخطوات بطيئه والشمس تعافر مع نسيم الفجر حتى تتفوق عليه ولو للحظات

أعرف أن المكان قد إقترب عندما أرى نخيل البلح عال فى عزة وكبرياء يداعب عُذرية السماء الزرقاء الصافيه. تخبط الجذور فى أعماق الأرض السمراء. لا أحد يستطع الجزم ما عمق الجذر وأين مبدأه ومُنتهاه ولكن الأساطيرتقول بأن هناك نخله قديمة بقدم آدم وحواء موجوده فى القريه.. ويقول كُبراء القرية وحكمائها أنهم يعرفونها بالتحديد ولكنهم لا يرغبون في الإفصاح عن مكانها حتى يتعامل أهل القريه وفلاحيها مع النخيل كله سواء بنفس قدسية هذه النخله. فكبراء القريه يكرهون قطع النخيل وبيعه لتجار الخشب. وهذه النخله منعت هذه التجاره. فالفلاح يخشى أن يقطع نخله يجهلها ربما كانت هى النخله المقدسه فتحل عليه اللعنه وضيق الرزق. القرية مؤمنه، تعرف أن الله حق والجنة حق والنار حق وأن الرزق فسيح وواسع بصالح الأعمال. القريه كانت كأى تجمع بشرى منذ بداية الخليقه بها الحرامى والشيخ وتاجر المخدرات والعاهرات المعروفات لأهل القريه جميعا، و العاهرات المعروفات لعدد قليل بالقريه. هناك الخير والشر والحب والكُره والتقوى والفجور والنعيم والشقاء. هناك توافق وإختلاف ولكن عندما يؤذن الآذان يتوحد الجميع على هذا الصراط الذى يأخذهم جميعا إلى المسجد لأداء الصلاه!

نهر النيل، أصبح مثلى وحيد يكابد شيخوخة مبكره. شق الأرض الخضراء بلا خجل. واثق من نفسه وأهمية وجوده فى هذا البقعه من الأرض. يخلق حياه ويبعث رزق، وأحيانا يقبض أرواح أولئك الذين سخروا من أهميته ونزلوا لأعماقه ينبشون أسراره. المياه زرقاء هادئه يتغير لونها بين الحين والأخر عندما تتراقص على سحطها أشعة الشمس الذهبيه. يملأ المكان غناء عصافير غير مرئيه. حاول البعض تتبع مصدر هذه التغاريد ولكنهم وصلو إلى لا شئ ولكنها كانت إضافه جديده لمكانة القرية التى حباها الله بنخله مقدسه من عائله شجره آدم وعصافير من الجنه تغرّد بدون وجود

ينقبض قلبى برؤية هذا المنظر الساحر الذى يجعل البعض يهيم على وجهه عشقا، ولكن فى حالتى أنا أعرف الآن أنى على بعد خطوات من الجهه المرجوّه. أأخذ نفس عميق بعُمق سيجارة الصباح الأولى. وأجرّ قدماى وكأنهما جبال مُثقله. أفتح البوابه الحديديه القديمه . متى وضعت هذه البوابه وما الغرض منها؟ هى تبدو قديمه مُهمله. ربما وضعت عند قدوم أول زائر إلى هذا المكان. تآكل حديدها وأصبح هش وفقد المغزى منه وهو الحمايه والقوه. ولكن فى هذا المكان لا توجد قوه . أعرف مقصدى بالداخل جيداً، خمس خطوات بعد شجره الكافور الجديده. ها أنا ذا أقف أمام مقبره جديده دليل على حداثة الفجيعه. أقرأ إسم أبى على الرخامه السميكه البيضاء بحروف سوداء محفورة داخلها. أكرر قراءة الإسم مرات ومرات وكأنى أنكر ان الحدث قد تم منذ سنوات. ولكن صانع الرخامه لم يدع أى مكان للشك بأن الراقد هنا هو أبى. فالحروف سميكه، عريضه محفوره بعمق شديد داخل الرخامه.

ألقى عليه بسلام خاص، بحروف غير منطوقه لاصوت لها ،تخرج على شكل نبضات أو رعشات لقلب مُضطرب به علة الوحشه وفجيعة الفراق. أبتسم عندما أتذكر إبتسامته العريضه التى كانت تعقب مزحاه الساخر ونقده اللاذع وهو يلعب فى شعره الفضى الطويل. لم يقهقه يوما بصوت عال فكان به بعض من الخجل والحياء ، ولكنى كنت أعلم جيداً متى يطير قلبه من السعاده. أقف أمام قبرة نفس وقفتى أمامه عندما كان يعنفنى على شئ إشتكت منه له أمى. وبعد ثوانى معدوده من خروج أمى من الغرفه تعود إبتسامته العريضه ككوم من السحاب الذى يحميك من حرارة الشمس الصيفيه. يشجعنى على فعلتى مهما كانت وينصحنى بأن أفعلها خلسة لا أجعل أمى تشتكى منى مره أخري. نعم اليوم أقف أمامه وأنا أكبر سناً وأكثر هموما. أقف أمامه كرجل تغير صوته ومظهره. وكم أكره هذا الرجل الذى فجأه وبدون مقدمات أصبحت أنا هو. وددت الآن أن أخلع ثوب هذا الرجل، وأعود ذلك الطفل المشاكس الذى كان يبعث الإبتسامه على وجه أبيه. وأجرى له هربا من حزم أمى التى أسمع صوتها فى الغرفه الأخرى شاكيه: خليك كده مدلعه علطول

حلمت أن يأخذنى معه إلى المقهى على شاطئ البحر ويحكى لى لماذا غنت أم كلثوم هذه ليلتى وكيف كان الهادى آدم مُقل فى كتابة الشعر. هذا هو الثوب الذى أريد أن أرتديه الآن ولا أرغب فى خلعه أبداً. هذه هى الحياة التى أهواها. أتذكر كل ذلك ومازالت على وجهى نفس الإبتسامه والحروف الصامته. تتصاعد أنفاسى فى إضطراب كأنى فى يوم إمتحان عظيم.

وجب علىّ العوده من حيث أتيت فآلاء الحياه بدأت فى العوده إلى القريه حتى فى هذا المكان الذى لا يوجد به أحياء. فلسفة عجيبة تلك الحياه. فأنا أتوسط المقابر وسط هؤلاء الراقدون تحت الأتربه والكُتل الخرسانيه وأرى على مقربه ذلك الرجل الذى يركب حماره ذاهباً الى غيطه وعلى وجهه المُجّعد كل دلائل البهجة والحياه. يلقى السلام على الراقدين تحت التراب ويهز رأسه وكأنه يرد تحية أحدهم إليه! ربما هناك لغه لا أفقهها بينه وبين هؤلاء. لن أفهم ذلك ولم أحاول أن أفهمه. وجب علىّ العوده وقطع الخطوات البطيئه فى رتم أسرع . كُتب علىّ أن أرتدى ثوب الرجل الذى أبغضه.


Friday, September 21, 2012

هَـاتْ المَدْدْ

علي وجهه كانت إبتسامة قلب وديع مسْهُ الشوق .. شاري الرضا ولا عمره فكر يوم يبيع.. وقال يارب
مسح بإيده علي طرف راس وخلع طاقيه بيضه مزهره ومتعطره بمسك ورد.. وقال يارب
رفع الإيدين بعد الوضوء والشمس لسه يدوب بتستأذن تخش.. وقال يارب
عد الحصي في المسبحه  ثلاث مرّات.. وقال يارب
وقف يصلى من الفجر حتى الضحى ..وقال يارب
قعد على حصيره من الجريد والبوص .. خشنه . ولكنه تذكرالنعيم ..وقال يارب
ركن ظهره الضعيف على جدار الأوضه المشقق .. وقع التراب على كتفه ..بس من أمتى كان بيدقق ..وقال يارب
يا من بعطفك للمســـكورين جابر .. وكل شئ على أرضك للسبيل عابر
بعد الكريم ما يوجد على أرضنا كرم
بعد الحليم ما يوجد على أرضنا حلم
بأمسك خيوط الكون..وأتملى فى عظمتك
من غير رضاك إيه أكون ..
بأغزل حبابى الأمل وعملت سجاده.. بأسجد وأركع .. بأضحك وأدمع ولا قلت بزياده
عشق الحبيب كالدواء مكتوب بأمر حكيم
لكن فى حالتى انا، مُر الدواء كالشهد ..يا محلي مرضي لو حتي مُر سقيم

Thursday, September 20, 2012

تــَـغْريدْ

الإجابة الصائبة إذن هى زقزقة العصافير ذات الأجنحه الضعيفه والألوان المبهجه. القوة لم تكن يوماً هى المعيار الحقيقى لقطع المسافات، ولكم فى الفراشات آيات يا أولى الألباب. فماذا لو لم تكن المسافات مسافات متريه ولكنها مسافات فكريه أو نفسيه متباعده. فالقوة فى هذه الحاله لا تساوى أى شئ سوى الضعف والوهن
فما قيمة الرمال فى قلب الصحراء؟ وما فائدة المياه العذبه أذا كان مُنتهاها هو بحر شرابه ملح أجاج يبلع كل شئ؟
قوة الزقزقه تكمن فى سرعة الصوت التى تسافر من حياة إلى حياة فى ثوانى معدودات. وبهجة الألوان هى التى تبعث الروح فى تلك الحياه التى ظنناها ماتت.

Sunday, September 09, 2012

نداء عاجل : هيبة الدوله تملأ إستاد برج العرب

بعد أن تمت إقامة مبارة كأس السوبر التى أعادت للدولة هيبتها وكرامتها، يتوجهه كل من الساده : السيد وزير الشباب والرياضه والسيد رئيس الوزراء والسيد وزير الداخليه والسيد رئيس إتحاد الكره والسيد رئيس مجلس إدارة النادى  الأهلى بنداء خاص إلى شعب مصر الوفىّ وإلى المواطنين الشرفاء، بالتوجهه فوراً إلى إستاد برج العرب بمحافظة الإسكندريه وكل واحد يكون معاه حلّه أو جردل وأضعف الإيمان كيس بلاستيك صغير  من أجل تعبئة هيبة مصر من الإستاد.  لأن هيبة مصر رطرطت هناك وطفحت على الإستاد والشوارع المحيطه به ويتوقع الساده أن هناك إحتمال بأن  هيبة مصر الزائده ستتنتقل من برج العرب إلى مدينة الإسكندريه والمدن المجاوره إذا لم يتم السيطره على هيبة الدوله الزايده. الجدير بالذكر أن الساده المسؤولين لم يتوقعو أن هيبة مصر ستكون بهذه الكمية الرهيبة وهناك إقتراحات بتصديرها إلى الدول المجاوره التى تحتاج أى هيبة زياده

Wednesday, September 05, 2012

جـوابْ سَفْر

بناء على طلبك أنت، ها أنا ذا أمسك القلم وأكتب لك جواب السفر. لم أستسلم لعهدى وطقوسى عند الكتابه. لم أرصص الأفكار وأزن الأفعال أو أختار من المعانى أجملها وأصفاها. لم أشعل سيجارة الحكمه، أو أصنع فنجان القهوه الذى يبقى معى ساعات وساعات وفى صباح اليوم التالى أشرب ما تبقى منه باردا.
أرتدى ملابسى قطعة تلو الأخرى، لم أعبأ بتناسب الألوان فيوم السفر دائما طويل، فالمهم هو الراحه وليس الشياكه والموضه والتناسق. هو نفس الشورت ونفس الشبشب اللذان جالا وصالا معى من مشارق الأرض إلى مغاربها. أحمل من الحقائب أثقلها. لا يوجد بهم أى شئ خاص بى سوي شاحن اللاب توب وقليل من الملابس الذى أعلم مُسبقاً أنها لن تكفى وأنى سأقوم بشراء المزيد منها عند الوصول. لم يوجد بالحقائب مكان لملابسى وكل مابها للغير، هو أهم وأسمى. هو حالى منذ أعوام. لا أشكى منه ولا أطلب تغيره وإستبداله بشئ آخر. فى الأصل، كانت البدايه حقيبه واحده ثم أصبحت أثنتين. وبمرور الزمن وجب على عدد الحقائب أن يتكاثر ويتضاعف لمجرد قدوم أشخاص جُدد إلى عالمنا التعيس. لم أحضر ميلاد أى منهم ولم أُصدْق أو أوافق على وجودهم ولكنهم حجزوا مكان لهم فى حياتى.

بعد صراع طويل بين الحقائب والأسانسير، إستطعت بكل نجاح أن أصل إلى مدخل العماره فى إنتظار التاكسى الذى سيأخذنى الى المطار. إنتظرت فى الشارع أنظر الى الحقائب المتراصه جابنى بدون أى إعتراض. خلال إنتظارى، حضرت سياره مكتوب على جانبها " خدمة توصيل الوجبات الجاهزه الى المسنين تحت رعاية قسم المسنين بالمدينه" لم أعرف قبل تلك اللحظه بوجود قسم للمسنين تابع للمدينه أو الحكومه ولا أدرى لماذا تفاجأت؟ ولما أتفاجئ بأى شئ فى هذه المرحله العمريه من حياتى.
رأيت سيده تحمل الوجبه الساخنه وتدخل العماره المجاوره وفكرت كثيرا فى هذه الخدمات. الحق أقول أنى سعدت جدأ بأن هناك مثل هذه الخدمات وأن يجد المسنون مثل هذه الرعايه. ومع هذا الشعور بالسعاده إنتابنى حزن شديد لأنى تراضيت وأقنعت نفسى بأنى سوف أكون وحيداً يعيش بمفرده فى شقه صغيره منتظراً الوجبه الساخنه من خدمات المسنين

حضر التاكسى الذى إتصلت به ، وكالعاده كان السائق عجوز، قديم كقدم الشمس والقمر، متهالك لا يستطيع رفع حقيبه واحده من على الأرض. وكالعادة أيضاً سأقوم أنا بحمل جميع الحقائب ولا يبقى شئ سوى أن أقوم بقيادة السياره بنفسى. لا أجد سبب مقنع على الإصرار على نفس شركة التاكسى التى أتعامل معها لسنوات. فمتوسط أعمار السائق حوالى سبعين سنه ! أعتقد إنها العشره والإصرار على الماضى وكل ما هو قديم. أنظر خارج السياره وأتذكر ماذا سوف أكتب عن الطريق. فلا جديد فى هذا الطريق القديم الجديد. فلو إستطاع هذا الطريق التحدث لإشتكى خطواتى ورحيلى عنه كل بضعة شهور. أقطع المسافه من منزلى إلى المطار فى دقائق معدوده. لم أرتاح بعد من معركه الحقائب والأسانسير. وجب علىّ الآن حمل الحقائب داخل المطار للميزان. ساعدنى السائق العجوز بعد أن دفعت له بقشيش أكثر من قيمة الأجره الأصليه. فهو فى نهاية الأمر مُسن عجوز وربما يحتاج إلى وجبة ساخنه فى يوم ما. وربما وصلت أنا إلى حالته تلك التى جعلته يعمل فى مثل هذا العمر.

وقفت فى طابور منتظرا ان يعطف علينا موظفو مصر للطيران ويبدأو العمل. وجوه تعيسه تعمل فى هذه الشركه. وكأن الإبتسامه ممنوعه أو حُرّمت عليهم. بجوار مصر للطيران توجد شركه طيران الكاريبى. وشتان الفارق بين تلك الإبتسامه التى تحتل الوجوه هناك وبين لكآبه التى سيطرت على موظفى مصر للطيران. أعتقد أن أهم سبب من أسباب كساد السياحه فى مصر هو تلك الوجوه التى عملت فى مصر للطيران بالواسطه والمحسوبيه. هؤلاء يجعلونك تشعر وكأنك خادم عندهم وأن أفضالهم هى سبب وجودك فى الحياه. ليس ذلك بالمهم الآن، فأنا أعلم أن ما أكتبه إليك الآن لم يكن هو ما ترجوه وتحلمى به عندما طلبتى أن أكتب لك جواب.   

تمت مهمة التخلص من الحقائب بنجاح ولا يبقى سوى حقيبة اللاب توب.  الآن أشعر بنوع من الحريه. لم يبقى سوى الإنتظار ودخول الطائره بعد أن أشتريت السجاير لبعض الأصدقاء وشيكولاته لك. أجلس جارج الجيت منتظرا، يجلس بجوارى شاب عبارة عن شنب كثيف جدا وحواجب أكلت نصف وجهه. تبدو من ملامحه القسوه والعنف وأنه لم يقم بزيارة الحلاق منذ عقود. كان يتحدث فى تليفونه المحمول عندما جلس جوارى. سمعته يقول لمحدثه : طاب قولي لى يا بطه (ضحكه رقيعه). طاب قولي لى يا بيبى (صوت به درجه من المياصه تعقبه ضحكه رقيعه). لم أجد سوى إستعاره كلمة شهيرة من الفلكلور الإسكندرانى تتكون من ثلاثة أحرف أ ح أ. والظاهر أنى نطفتها بصوت عالى ومسموع جعل الشاب الشنب يقوم من جوارى منزعجاً بخطوات تشبه خطوات البطه السودانيه ذات الأفخاذ السميكه. وضعت سماعتى على أذنى لطفاً بى وبالمسافرين حتى لا أسمع مكالمة أخرى أو أقوم بتعليق آخر.

دخلت الطائره وإتخذت مقعدى ولازلت أتجاهل ما يدور من حولى من عنف مقصود من المسافرين تجاه أماكن تخزين الحقائب فى الأرفف العلويه. سمعت من يشكو لصديقه بأن حقيبته دائماً كبيره ولا يمكن له وضعها فى المكان المخصص، كدت أن أقوم من مقعدى وأرزعه على قفاه سائلاً : ولما تحضرها من الأصل إذا كانت تعرف أنها زائدة الحجم. ولكنى عدلت عن هذه الفكره التى طالما راودتنى فى مواقف عدة.
تمتلأ الطائره بالبنات الجميلات من كل شكل وصنف، كحديقة بها من البهجه ما يسر الأعين ويبعث الطمآنينه فى الأفئده. ولكن حظى التعيس دوما يجلس بجوارى رجل، أخذ كرشه معظم مقعدى وجاء إلى الطائره وكأن هدفه أن يعرف أدق تفاصيل حياتى. المجد للسماعات والتجاهل

ختاماً، وفى هذه اللحظه وأنا بين السماء والأرض، لا أعرف أين بالتحديد ولكنى أعلم فى أعماق قلبى بأنه مكان خاص جداً لا يعلمه أحد غيرى، فلقد نام الكون ولم يبقى سواى. أعترف دون خجل أو مرواغه بأنى مشتاق إليك وبك. أجد فيكى التاريخ رغم عمرك الصغير وسنواتك المعدوده وأشعر بالأمان والدفأ فى ذلك الحضن الذى لا يحتوى سوى قلب عصفوره. لك خالص الود ، ومن قلبى  الحب كله

Tuesday, August 28, 2012

حِكمْه




من لا شئ اصبح يملك كل شئ . أصبح من أعزاء القوم بعد أن كان من أراذله وأوضعه. تاجر في كل شئ وأي شئ. باع كل ماقبل البيع وحتي الذي لم يقبل البيع وجد له طريقه وثمن. كل شئ مباح ومسموح طالما في مقابله رقم ورصيد
جلس مع ولده الوحيد وذراعه الأيمن في ذلك الحلم الذي كان صراعاً طويلا بين التقوي والفجور، الممنوع والمسموح، الخير والشر، الرغبة والتقشف، الرضا والطمع. انتهي الصراع بفوز الشر ومشتقاته. تلاشت المبادئ والأخلاق أمام الرغبة. إندفعا الرجلان إندفاع من فقدو العقول، والآن تقدم ترتيبهما الإجتماعي درجات. ربما زادت الأموال، ولكنها كانت كالقشره الذهبية الرقيقه التي تخفي أسفلها عفن وقبح

قال الولد لأبيه: يابا .. جه الوقت اللي نبني لك فيه قصر داخل دوّار كبير وتصبح أنت العمده لهذة البلدة
أخذ الأب نفس عميق من سيجارته الأجنبيه التي لا يعرف نوعها وإنما أشتراها لأنها الأغلي ثمنا. نظر الأب إلي إبنه وتذكر التاريخ والماضي وما هما به الآن وقال:
سنفعل هذا فقط عندما يموت كل من يعرفنا في هذة البلد




Monday, August 27, 2012

فضيحة اخري لمصر للطيران

بعض الركاب يحاولون تهدئة موظف مصر للطيران

عندما بدا الركاب بمغادرة الطياره



بعد رحله نيويورك التي وصلت الي القاهره في تمام الساعه الحادية عشر والنصف صباحا. انتظرت في المطار حتي قيام رحلة القاهره برج العرب التي كان مقرر لها ان تقوم في الساعه ٣ الا ثلث عصرا. ويالها من مسخرة وفضيحة لا تحدث في اي بلد في العالم
بعد ان أخذ الركاب مقاعدهم لا حظ الجميع عدم تحرك الطائره وذلك بسبب ان موظفي مصر للطيران من الرحلات الأخري يرغبون في الركوب معنا في نفس الرحله رغم عدم وجود اماكن كافيه لهم او لامتعتهم. حاول الموظفون علي الطائره خلق اماكن لزملائهم الموجودين بالخارج ولكنهم فشلو. تأخرت الرحله التي تستغرق اقل من ٤٥ دقيقه لساعات .مما جعل الركاب يتسائلون في غضب عن سبب التأخير . ثار الركاب علي طاقم الرحله الذين لم يراعو مصالح الناس وفضلو مصالح زملائهم فوق الجميع. هنا غضب موظفو مصر للطيران علي الارض وبدأت النقاشات من نوعية صاحبي وصاحبك واخدمني وأخدمك
ازداد غضب الركاب وصمم الجميع علي عدم ركوب الموظفين الزياده عن العدد وذلك للناحيه الامنيه ودواعي السلامه وعندها فقط طلب الكابتن من جميع موظفي مصر للطيران مغادرة الطائره !
بعد ان غادر الموظفين الطائره للخارج استمرت المفاوضات لمدة ٤٥ دقيقه اخري وكانت نتيجة المفاوضات هو قبول الكابتن(ابراهيم سليم)بركوب بعض من الموظفين بامتعتهم. ولكن الركاب لم يقبلو بذلك نظرا للأعداد الزايده من الامتعه للموظفين وعدم الإحساس بالامان. قام الركاب بمغادرة الطائره وتركها للموظفين وامتعتهم. زادت الاحتجاجات حده وقمنا بالاتصال بالأمن لتحرير محضر بالواقعه واثبات الحاله. عندما حضر الأمن طلبنا منه بإنزال كل الاعداد الزايده من الموظفين وقد كان. بعد ان غادر الموظفين الطائره وسط كلمات الاستنكار من الركاب ، قامت الرحله متاخره عن ميعادها
لا اخفي عليك مدي الخجل والعار الذي شعرت به وخصوصا ان الرحله كان بها العديد من السياح الذي اقسم بعضهم انهم لن يركبو مصر للطيران بعد اليوم وهناك سيده انجليزيه اقسمت انها لن تعود لمصر مره اخري. كيف يحدث مثل هذا التهريج في شركة حكوميه صدعتنا بها جميع الحكومات المتعاقبه.
لابد من تفسير واضح وتعقيب من المسولين علي تلك الفضيحة


Tuesday, July 24, 2012

جــــواب منْ مُنــى


 استيقظ من نومه على زقزقة العصافير وصوت اوراق الاشجار عندما تضاجعها نسمات الهواء الصيفيه. انه يوم جميل بلا محاله. ينظر من شباك منزله الجميل الذى اختاره بعيداً عن ضوضاء المُدن وعلى وجهه إبتسامة المنتصر. يتطلع الى تلك الحديقه التى زرع فيها اجمل الزهور وابهجها. اللعنه على المُدن وسُكانها وشوارعها . اللعنة على الزحام والتلوث والناس جميعاً. فتح الباب وهو يرتدى روب النوم الحريرى الفاخر. أخذ جريدة الصباح من على عتبات المنزل ونظر الى صندوق البريد ووجد فيه خطاب. لا احد يعرف عنوانه فقد هرب من الناس والقيل والقال وكل طرق التواصل. اللعنه على كل انواع العلاقات الاجتماعيه والظروف والأعذار بل على علم الاجتماع ومن اخترعه. فتح الصندوق ليجد خطاب مظروفه أزرق بلون السماء الصافيه التى لا يشوبها سحابه. نظر الى الخطاب ووجده مُرسل الى شخص يدعى عوّاد. العنوان صحيح ولكن لا يسكن معه عوّاد بل لا يسكن معه أى روح اخرى. انها الوحده التى فضلها على العالمين. انها راحة البال التى طالما طرق بابها طالباً و تودّد منها

نظر الى الجانب الاخر من الخطاب ووجد انه مرسل من فتاة إسمها منى. هو لا يعرف منى ولا عوّاد. هل أخطأ ساعى البريد؟ ربما. فالرجل اسمه عماد والمرسل اليه اسمه عوّاد. ربما أخطأ فى حرف. ولكن لا يوجد أسم العائله على الخطاب. ربما ..ربما .. هناك الف ربما وربما ولكن من هى منى؟
لما الحيرة الآن وقد بدأ اليوم جميلا؟ لما الاهتمام بشئ لا يعنى اى شئ بالنسبه له؟
أيفتح الخطاب ليرى ما بداخله؟ لا.. من غير اللائق التطفل على أسرار العباد. ولكن ماذا لو كان بالخطاب كنز او دليل الى ثروه بثقل الارض والسماء؟ حقاً اذا كان كذلك ، سيكتمل جمال اليوم. ولكن ماذا لو بهذا الخطاب شئ خطير يستحق التحرك الفورى
ولكن ماذا هو بفاعل اذا كان لا يعرف من هى منى ومن هو عوّاد.. ولكنها الإنسانيه والواجب عندما يستدعيان التصرف والعمل لإنقاذ شخص ما فى ورطة اومصيبه.
إذن لابد من فتح الخطاب. كيف لمنى أن ترسل خطابها بدون عنوان؟ لو كتبت العنوان لارسله اليها وحُلّت المشكله.
انها الحيره التى تطرق بابه كلما هرب منها وعزف عنها. فمازالت الحيره تطارده رغم بعده عن جميع الناس واختياره لذلك المنزل الذى يبعد اميال عن كل ما يعرفهم من البشر. اللعنه على منى وعوّاد ومصلحة البريد بل اللعنة على الحكومه والشعب والقوانين.

يضع المظروف على مؤخرة مكتبه العاجى الثمين الذى يتسخدمه للكتابه. فذلك كل ما كان يقوم به – الكتابه. يجلس على مقعدة ناظراً الى ذلك المظروف وكأنه شئ مسحور ينتظر أن يخرج منه عفريت أو جنىّ يأمره بماذا يفعل. يتحرك فى غرفة مكتبه ذهاباً وإياباً ناظراً الى المظروف وما يحويه من سر.
ربما كان شئ ذا قيمه ومقدار وربما كان لاشئ سوى حروف ضائعه على ورقة بيضاء عكرها الحبر وجار على عُذريتها. لا احد يعلم قيمة الحروف ومعنى الكلمات وقدسية الاوراق مثله.  ولكن كيف له الجزم عن ما يحويه المظروف وبينه وبين الحقيقه ذلك الصمغ الذى ختم طرفي المظروف وكأنه صك من صكوك الغفران. اللعنه على شركة الورق ومن صنع المظاريف.اللعنه على الشجره التى إستخرج منها الصمغ، بل اللعنه على الطبيعه جمعاء. بالماضى كان الناس تكتب على جلود الحيوانات وأوراق البردى فلا خصوصيه ولا أسرار ولا صمغ.

أشتعلت فى رأسه فكرة شكرى سرحان فى فيلم البوسطجى وكيف أنه استخدم بخار الماء المغلى ليتحايل على الصمغ ويفتح الخطابات لقرائتها والتملق فى اسرارها. ولكنه سرعان ما تراجع عن تلك الفكره الغير أخلاقيه. اللعنه على شكرى سرحان وحسين كمال وصلاح منصور ويحيى حقى وصبرى موسى بل اللعنه على صناعة السينما جمعاء.

ما الحل اذن؟ تمر الساعات بسرعة حياة شخص عربيد ومازال المظروف الأزرق يرقد على مؤخرة مكتبه وكأنه جبل عتيق ثابت لا يتحرك. ماذا يفعل وماذا اذا كانت منى فى خطر وتستنجد بعوّاد؟ ماذا لو ماتت والدة عوّاد او والده وفى هذا الخطاب الخبر اليقين؟ ماذا لو أن منى فى ازمة ماليه وتستجير بعواد كى ينقذها؟
تحول عماد من القهوه الى البيره التى سرعان ما تحولت الى الويسكى والكونياك  وعودة غير محموده الى السجائر التى اقلع عنها منذ فتره.. الساعات مازالت تطير ومعها تطير رأس عماد التى اصبحت بفعل الخمور كريشه فى عاصفه ترابيه ومازال الخطاب قابع على صدره وكأن هموم الدنيا ومشاكلها قد تجسدت فى هذا الخطاب.

فجأه وبفعل ساعى البريد، اصبح الهدوء الذى كان ينعم به عماد ويتفاخر به ماهو إلا سراب. هشيم تذروه الرياح ..غثاء كغثاء البحر.انها مشكلته الابديه : الخطأ والصواب ..الأخلاقى وغير الأخلاقى ..الحق والباطل ..التقوى والفجور. ربما كان الموضوع برمته ابسط من ذلك بالنسبه لأي شخص أخر ..ربما لم يستدعى الأمر كل هذا التفكير والحيره 
مرت الأسابيع وعماد لما يغادر غرفة مكتبه. اهمل الحديقه وماتت زهورها. المظروف الازرق مازال يحتل الحيّز الاكبر من تفكيره، أمتلأت غرفة المكتب بزجاجات الخمور الفارغه واعقاب السجائر. تغير لون الروب الحريرى واصبح متسخ . لم يحلق عماد ذقنه لأسابيع بل أنه لم يستحم منذ اليوم الذى لمستب فيه يديه ذلك المصروف المنحوس
اصبح عماد شخص آخر وجسد بلا روح ، جلس على نفس المقعد مواجهاً المظروف الازرق الذى غطى التراب معظم اجزائه. نظر عماد من مجلسه الى الشباك ورأى الزهور التى كان يعتنى بها كيف ماتت وضاع ريحيقها. راى كيف ان حديقته النظيفه اصبحت منتجع لإستقطاب القاذورات. وضع عماد رأسه الثقيله بين يديه المرتعشتين واغلق عينيه لبضع ثوانى وكأنه كان فى استقبال هاتف من السماء أو ملك رسول برساله مقدسه تحتوى على ما يجب فعلة وتدبيره. ابتسم عماد للمظروف الأزرق ابتسامة حلاوة الروح او الاستسلام ، فتح الدرج الايسر لمكتبه واخرج منه مسدس ووضع فوهته فى فمه: اللعنه على عواد ومنى والاخلاق 
طارت العصافير التى كانت تغرد على فروع الاشجار عندما سمعت صوت الرصاصه القبيح.  واصبح البيت بلا  روح، بلا زهور، بلا عصافير ويبقى المظروف الازرق على المكتب وحيداً منتصراً

Saturday, July 21, 2012

!ريشــه

يوماً ما، سيكون كريشة فى جناح طائر أسطورى أبيض ..يهيم الأرض على وجهه ..حر طليق كسحابة تعث فى السماء فساد.. لا توقفه ريح ولا مطر و لا حرارة شمس أو برد الشتاء. يختار من الأشجار ما يحب ويهوى ليأخذ قسطاً من الراحة.. لا قوانين وجوديه تعوق رقصاته المجنونه أو نظراته الطامعه. ينكح رحم اليأس ليخلـق الأحلام. يجدُل من الحلم أمل ومن الأمل واقع ومن الواقع حقيقه ومن الحقيقة مستقبل ومن المستقبل موت